آثار الصحبة

آثار الصحبة

لكل صحبة أثر في حياة الإنسان، قد لا يدرك المرء ذلك الأثر في أثناء الصحبة، ولكن لابد له من إدراك ذلك فيما بعد، وصحبة الطفولة هي الأكثر أثراً، لأنها تمثل المرحلة الزمنية التي يكون فيها الطفل في مرحلة القابلية للاستفادة، مرحلة الادخار والاكتناز، كل شيء يراه يطبع في ذاكرته، ويبقى طويلاً في تلك الذاكرة، إلى أن يأتي الوقت الملائم لاستخراج ما في الذاكرة مما اختزن فيها في زمن الطفولة من مشاهدات وأقوال وأفعال…

كلمات كثيرة سمعتها وظننت أنها ماتت في كياني، لأنها لم تترك في نفسي أثراً في حينها، وقد أكون قد قبلتها على مضض، وقد أكون قد نسيتها، ثم فجأة اكتشف بعد عشرات السنين أنها موجودة، أستعيدها، أخرجها من مخبئها، أراها ما تزال حية قوية، أقوى مما كانت، تلك مرحلة الادخار وقد مضت، ثم تكون مرحلة الإنفاق، حيث تخرج ما ادخرته من مستودعه، لكي يلهمك موقفاً أو يعلمك حكمة.

ذلك هو الإنسان، ما كان في عالم الطفولة لا ينسى أبداً، بكل مكوناته وبكل تفاصيله، وكأنه ادخر ليوم ما في مستقبل الإنسان، يستعيد ذلك الموقف أو تلك الكلمة، يكررها في ذاته، يرددها، يتلذذ بدلالاتها التي لم تكن مفهومة في حينها، وكأنها قيلت للغد وللمستقبل، لكي تنفع صاحبها في ذلك الليل المظلم الذي يحتاج فيه الإنسان إلى شمعة تضيء ليله، قد يكون وحيداً وقد يكون حزيناً وقد يكون بحاجة إلى كلمة تواسيه وتفرحه، هذا هو الإنسان يدخر ثم يستهلك وينفق مما ادخره لنفسه، من ماله لا من مال الآخرين، هو الوحيد الذي يمكنه أن يعرف ما يحتاج إليه، هو يعرف جيداً داءه وآلامه، ويعرف الدواء الذي يريحه، كلمة مواساة قد تريحه، كلمة أخرى قد تميته، هو الذي يعرف ولا أحد غيره يعرف، هو صاحب التجربة، هو الذي يختار من مستودع ذاكرته مدخرات الطفولة، مواقف، ذكريات، جراح، كل ذلك هو رصيده الباقي، هو ثروته التي يمكن أن يحافظ عليها، وهي ثروة لا تنضب أبداً، قد تفتح له باب الأمل وباب الغد وباب المستقبل.

الإنسان لا يتعلم من غيره أبداً، وإنما يتعلم من ذاته، من تجربته الخاصة، من آلامه، كل شيء يمكن أن يكون ثروة، ليست الثروة هي المقتنيات فقط، هذه قد تزول وقد تسرق وقد تشوه، أما ما في النفس فلا يزول، يستعيدها الإنسان لكي تمده بأمل جديد، وتفسر له غامضاً من المواقف، تعلمه كيف يحيا، وكيف يوقد الشمعة في ليلة مظلمة، وكيف يقف على رجليه بعد سقوط كبير، تعلمه أنه محمول على الأكتاف بفضل العناية الإلهية التي تطوقه في الأوقات العصيبة، تعلمه أن الحياة لا تتوقف أبداً، ليل يعقبه نهار يعقبه ليل ولولا الليل لما عرف الإنسان فضل النهار عليه وانتظر قدومه لكي يشرق في قلبه… ليس المهم الليل والنهار، وإنما المهم أن يشرق النور في القلب المظلم، وأن يضيء ظلمة اليأس وأن يحيي الأرض بعد مواتها، ذلك هو أثر ذلك الرصيد المدخر في مستودعات الذاكرة، ذلك هو الموروث الذي ينتقل من الآباء إلى الأبناء ومن المعلم إلى المتعلم، ومن المرشد إلى المسترشد.

تذكرت كل ذلك.. الطفولة بكل ذكرياتها استيقظت، وكأنها أمس قريب، تخاطبني، تعلمني، تنصحني، تسدد خطاي، نسيت الأمس القريب وأصبح بعيداً، وتذكرت الأمس البعيد وقد أصبح قريباً مني، أصبحت أشتاقه وأستلذه.. بعدما كنت زاهداً فيه، مفرطاً بكل ما ارتبط بذلك الماضي… تذكرت الشيخ وأنا أحدثه عن المستقبل وكيف يجب على الإنسان أن يفكر فيه ويخطط له، كنت أظن نفسي سأسعده بما أقول، أردته أن يكتشف في شخصيتي وعياً مبكراً وطموحاً محموداً إلى الأفضل، غضب الشيخ وأعرض، وحسبته أنه يريد لي المستقبل الأكبر.

قال لي: لا ولدي. المستقبل بيد الله وليس بيدك، بجهدك الشخصي وبنباهتك وذكائك لن تحصل على شيء، فكثيرون من أمثالك خططوا لمستقبلهم بطريقة أفضل، وكانوا يملكون كل مقومات النجاح من الذكاء والعلم والطموح، ولكنهم لم يحصلوا على ما يريدون، دع الأمر لله تعالى، هو الذي سيختار لك المستقبل وسيشرح صدرك لما هو مقدر لك، فإن كنت صالحاً فالله سيتولاك، وسيعطيك أفضل مما تطمح فيه، وسيسدد خطاك وسيفتح القلوب لك وسيجعل لكلامك حلاوة، تدخل بها القلوب، فيألفك من لم يعرفك، ويحبك من كان يكرهك، ويظهر الله حسنات أفعالك ويستر ما ساء من خصالك..

ولاحظت فيما بعد أن كل ما أخططه لنفسي لا يعطي ثمرته المرجوة، وكل ما أسلم أمري فيه لله تعالى كان يجري على أحسن ما يكون من السداد والتوفيق، وكأن يداً خفية تخطط لي وتقودني إلى الأفضل..

فإذا جاءتني محنة كانت جسراً ضرورياً لمنعطف جديد هو الأفضل، فأصبحت أتفاءل بالمحنة والابتلاء، شعوراً مني بأن ذلك هو الطريق إلى الأفضل.

وتذكرت كلمة الشيخ وهو يقول لي: ما أراده الله لك يحمله عنك ويسدد خطاك به، وما تريده لنفسك يسند أمره إليك وتمتحن فيه، فالله هو المدبر لشؤون الكون وأمر العباد… وهو الأعلم بما يصلحهم والأرحم بهم، فعطاؤه عطاء، ومنعه هو عطاء، ويجب أن نشهد العطاء في المنع كما نشهده في العطاء.

أثرها في تكوين النزعة الروحية:

كان أثر الشيخ عميقاً في تكوين النزعة الروحية في كياني، بالرغم من وضوح ميلي إلى الاستنتاج العقلي والاعتماد على البراهين المادية… وكنت أحب العقل وأعجب به، وما زال يغلب علي ذلك، فالعقل هو سراج ينير الطريق، ولا يجوز أبداً إغفاله وتجاوزه، وهو دليل على وعي في التكوين وقدرة على التمييز، والأمم تنهض بعقولها والثقافة هي جهد عقلي، والحضارة المادية هي ثمرة لعطاء العقول.. والعقل هو أداة التمييز وأداة التكليف، ولا يجوز لثقافة أن تقلل من دور العقل في اكتساب المعرفة، والذين اغفلوا دور العقل في المعرفة الإنسانية ضلوا الطريق والتبست عليهم الدروب، لأنهم لم يميزوا بين الحق والباطل.

والمناهج العقلية هي الأكثر عطاء، ولا تستقيم المعرفة إلا بالاحتكام إلى العقل، والاستنارة به، وثقافة الإسلام لا تنهض إلا بجهد العقول وباجتهادات عقلية رشيدة، والمعرفة الإنسانية هي ثمرة جهود العقول البشرية المؤتمنة على القيم الإنسانية والمعارف التي تنير طريق الإنسان في بحثه عن الأفضل والأكمل.

والفكر الإسلامي لا ينهض إلا بالعقل وبالاعتماد عليه والثقة برؤيته، والعقول لا تضل في مجال المعرفة الإنسانية، إلا أن العقول لا تدرك إلا ما كان داخلاً في إطار المدركات الحسية، والعقل يهدي إلى الحق ولكنه لا يمد القلوب بالمعرفة التي تؤدي إلى الطمأنينة والسكون، فذلك أمر آخر، يخص عالم القلوب.

ألا أن العقول تحتاج إلى غذاء روحي يقلم أظافرها لئلا تقتحم بموازينها حصون المدركات الكونية المتعلقة بالقضايا الغيبية، فتلك أمور لابد فيها من صفاء روحي وإشراقات خفية، ولابد من ذلك التوازن بين القوة العقلية التي زود بها الإنسان لاستقامة شؤون الخلق بنور التمييز بين الأشياء المدركة وبين القوة الروحية التي تهدىء من حدة المعايير العقلية الجافة لكي تكون أكثر إنسانية وارق طبعاً وأقل قسوة، فالحياة لا تنقاد بقوة المدركات العقلية وإلا وقع التصادم بين الثقافات والمعتقدات والأفراد، وإنما تنقاد بسيطرة القيم الإنسانية التي تحض على الخير والتسامح والاعتراف بالآخر، وهذه تحتاج إلى التربية الروحية التي ترتقي بمستوى المدركات العقلية إلى مستوى الوعي بحقيقة الإنسان وضرورة احترام إنسانيته لأنه من خلق الله، فليس هناك في الكون تفاوت بين الإنسان وأخيه الإنسان، وإنما هناك أخوة إنسانية رائعة في تميزها عن المخلوقات الأخرى…

التربية الروحية ضرورية لمواجهة أزمة التصادم بين الإنسان والآخر، وبين الأمم والشعوب والحضارات، وعلى مستوى المجتمع الواحد بين الرجل والمرأة والغني والفقير والحاكم والمحكوم، وغاية التربية الروحية هي إيجاد ذلك التواصل الإنساني لمواجهة الشر في المجتمع والقضاء على الحروب والجرائم والتفاوت المذلّ بين الشعوب والتمييز العنصري. وليست التربية الروحية هي ذلك الإنزلاق إلى المجهول الذي ترفضه العقول، وليست تلك السلوكيات المنحرفة في الطقوس الدينية، وليست تلك المواجيد المفتعلة التي تدل على جهل أصحابها، وإنما هي منهج إنساني رفيع المستوى للارتقاء بمستوى الإنسان إلى حيث الفهم العجيب لمعنى الحياة والسمو بالسلوك والتعلق بالكمال، ومواجهة قوى الشرّ في المجتمع والقضاء على الصراعات الدينية والقومية والطائفية والطبقية، لتحقيق مجتمع المحبة والألفة والتعايش والتساكن، ومجتمعنا يحتاج إلى هذه التربية الروحية لكي يتميز عن غيره من المجتمعات بصفاء النفوس وتزكيتها وطهارة القلوب ونقائها، ولا نريد التربية الروحية لكي نحلق في الأوهام الضارة، ولا نريدها لأجل الانشغال بها عن عمارة الكون بأسباب الحياة، نريد التربية الروحية لكي نحترم إنسانية الإنسان ولكي نوفر له أسباب الكرامة المادية والمعنوية، نريد الروحية التي نقاوم بها طغيان الأقوياء الذين يذلون المستضعفين بقوتهم، ونريدها حتى تنمو ضمائر البشر فينطلق من أعماق الذات الإنسانية صوت الحق يدعو إلى الخير والفضيلة في المعاملات الإنسانية.

هذه هي التربية الروحية التي نريدها، ولا نريد غيرها، نريدها أداة للتقدم لا للتخلف، نريدها للبناء لا للهدم، نريدها أن تكون صوت الحق في قلوبنا، تخاطبنا من أعماق ذاتنا لكي نحاسب أنفسنا عن كل سلوك مذموم ينمي مشاعر الأنانية في شخصيتنا.. أما التربية الروحية التي تشغلنا بالأوهام عن الواقع، وتنمي في كياننا مشاعر الغرور، والتميز، وتدفعنا إلى الكسل والتواكل والسلبية، فهذه ليست تربية روحية، وإنما هي سلوكيات تكرس التخلف في مجتمعنا، وتضعف تكويننا الذاتي، وتغتال العقل البشري الذي خلقه الله في الإنسان لكي يكون سراجه المنير الذي يهديه إلى دروب الحق والفضيلة.

التربية الروحية هي أداة لتحرير الإنسان من عبودية المادة ومن سيطرة الغرائز الفطرية الجامحة، لكي يكون الإنسان الأفضل والأكمل في سلوكياته وخواطره وأفكاره…

ومن المؤسف أن مجتمعات التخلف والجهل جعلت من النزعة الروحية أداة لتكريس الواقع، واختبأت وراء شعارات التربية الروحية لإحياء قيم مخالفة لحقيقة الدين، منافية للهدي القرآني الذي يدعو إلى مقاومة الجهالة التي ترفضها العقول السليمة وتشمئز منها الفطرة الصافية التي خلقها الله لكي تكون هادية للنفس البشرية إلى الكمال.

 

 

أثرها في السلوك العام:

 

لا شك أنني قد تأثرت بالشيخ في تكوين ملامح شخصيتي، نظراً لأنه كان النموذج الذي كنت اقتدي به في طفولتي وهي المرحلة التي يتأثر فيها الإنسان بمن حوله، من أسرته وأساتذته وزملائه، وعندما يكون الشيخ بشخصيته المتميزة وبمكانته في النفس فإن من الطبيعي أن يكون التأثير بطريقة حتمية وتلقائية ومن غير تكلف.. لا أدري ما هي الأشياء والأوصاف والطباع التي كان التأثر فيها واضحاً، ربما يدرك من حولي ذلك أكثر مني، لأنهم ربما يلاحظون ذلك، فما يراه الآخرون يكون واضحاً في السلوك العام.

ولكل شخصية إنسانية مصادر تتأثر فيها، وتصبح تلك المصادر هي مكونات الشخصية، بكل خصائصها الذاتية.. وأستطيع القول بأن الشيخ كان المصدر الأهم لتكوين ملامح شخصيتي الأولى، لأنني كنت في مرحلة القابلية للتلقي والاستفادة والاقتداء، وكنت اعتبره النموذج الأخلاقي الأسمى الذي كنت أحاول تقليده ومحاكاته… ومن الطبيعي أن ذلك التأثير يمكنه أن يصطدم بمؤثرات أخرى أسهمت في تكوين ملامح الشخصية، وهذا المؤثرات المختلفة توجد صيغة توافقية يختارها الإنسان لنفسه، وتمثل ملامحه الذاتية التي تجسد فيما بعد شخصيته المستقلة…

والشخصية هي نتاج ذلك التفاعل بين الذات والمحيط الخارجي، فليست هناك شخصية لا تتأثر بمحيطها، سواء في الطبائع أو القيم، والقيم هي الفضاء الأوسع للتأثير، لأنها تعتمد على ذلك الموروث الذي يتراكم في الكيان الذاتي.

ما زلت حتى الآن أشعر بتأثير ذلك الموروث في ذاتي، قد يضعف قليلاً وقد يطرأ عليه تعديل، إلا أنه يبقى ذلك الشيء المقدس الذي يرتاح إليه الإنسان.

أذكر الكلمات التي كنت أسمعها في الطفولة من الشيخ في مجال التربية والتوجيه، وما زالت حية في نفسي، إنها تدل على قيم معينة مستمدة من المحيط الاجتماعي، وليس ما يراه المجتمع حسناً فهو حسن على وجه التأكيد في جيمع الظروف، إلا إذا كان المجتمع يحسن التمييز بين الحسن والقبيح، ولهذا تشدد علماء الأصول في الأمر لكي يكون الإجماع دالاً على اختيار الأمة كلها من غير مخالفة أو شذوذ، لكيلا يصبح القبيح حسناً باختيار الأكثرية التي تتحكم فيها الأهواء والشهوات.

والمجتمع النظيف يرى الحسن في الأفعال الحسنة، ويرى المصلحة في الأفعال الصالحة والمحمودة، المجتمع الملوث بالقيم الفاسدة تنحدر قيمه، لأنها وليدة واقعه، ولهذا لابد من البصيرة لكي تكون السراج الذي ينير طريق الحق.

ومحاسبة النفس عن الأخطاء ليس ترفاً في التربية، وإنما هي منهج تربوي للتصحيح الدائم واليقظة المستمرة، لكي يعتاد الإنسان حياة الطهارة والنقاء والصفاء، فمن اعتاد النظافة فلا يحتمل نقيضها أبداً، لأن النقيض يؤلمه ويعذبه ويخاطبه بإلحاح لكي يعود إلى النظافة، والمحاسبة أداة لمنع الاعتياد، فالاعتياد مرض خطير في مجال التربية، والنفس بطبيعتها تحب الطهارة والنظافة في الظاهر والباطن، فإذا تساهلت في بداية الأمر وتراكمت الأوساخ فيها فيحدث الاعتياد، وعندئذ تتوقف المحاسبة ولا تكون هناك رقابة لأجل التصحيح.

ولابد في السلوكيات من الاحتكام إلى العقل والشرع، والعقل لا يناقض الشرع أبداً، وإذا ظهر التناقض فهذا دليل على وجود خلل في معايير العقل وموازينه أو جهل بحقيقة الشرع، وكل من الأمرين دليل على وجود قصور في الفهم.. والاعتدال في الطبائع هو دليل على التحكم في الغرائز، فالغريزة عمياء لا يصدر عنها سوى ما يعبر عن طموحها في لحظات البهجة والغضب، ففي لحظة السرور تندفع الغرائز نحو الشهوات المستلذة من الطعام والشراب واللذات الجنسية وتريد أن تنهل منها بنهم وشره، متجاوزة في ذلك كل العوائق والموانع الشرعية والأخلاقية والاجتماعية، وإذا وقف أحد في وجه اندفاعها فسرعان ما تستيقظ غريزة الغضب المعتمدة على القوة، فتسلط قدراتها على الطرف المستضعف، فتعتدي عليه بالقول والفعل، متجاوزة في ذلك كل الحدود.

ولابد من التحكم في الغرائز لا للقضاء عليها، ولكن لإخماد قوتها والتخفيف من اندفاعها لكي تكون في حدود السلوكيات المعتدلة التي تدافع عن وجود الإنسان بتوفير أسباب استمراره، ولا يتحقق الوجود الإنساني إلا بكمال الغرائز الشهوانية ولا يدافع الإنسان عن حقه في الحياة إلا بقوته الغضبية التي هي أداة الدفاع عن كرامته وحريته.. والتربية الرشيدة هي أداة تكوين خصائص الاعتدال، للسيطرة على اندفاعات الغريزة بقوة الإرادة الإنسانية، فالمجاهدة للنفوس ليست وسيلة لإذلالها ولا لمعاقبتها، وإنما هي وسيلة لتقوية الإرادة بهدف التحكم في سلوكيات الإنسان في مواجهة الغرائز الجامحة.

والاعتدال هو الفضيلة في نظر الشيخ وليس التطرف، ولا يمكن للتطرف أن يكون فضيلة أبداً، والتطرف دليل على ضعف الإرادة وعدم القدرة على التحكم فيها، فتصبح النفس في حالة اندفاع وجموح، والقوة تكمن في الاعتدال وليس في التطرف، فالاعتدال يحتاج إلى إرادة ومقاومة لجموح الغريزة، أما التطرف فهو دليل على سيطرة الغرائز على الحواس، والغرائز المنفلتة تلغي دور العقول في التمييز والتحكم والتسيير.

وهناك أشياء كثيرة كان يدعوني إليها الشيخ ويشجعني عليها، وهناك أقوال وتوجيهات لم أكن أفهمها في حينها، وبقيت في ذاكرتي كوقائع، ثم أخذت أفهمها فيما بعد، واستوعب غاياتها التربوية، وهذه هي مهمة المربي أن يقوم بواجب التربية في تصحيح السلوكيات ويوجه الاهتمام إلى خطورة الأخطاء لكي تدرس النفس ما يجب عليها أن تأخذ به وما يجب عليها أن تتجنبه من أنواع السلوك.

ولا يمكن للتربية الدينية أن تنفصل عن أهدافها المرجوة في تكوين الإنسان الصالح الذي يحب الخير لنفسه ولغيره، ويحترم إنسانية الإنسان حيث كان هذا الإنسان، سواء كان صديقاً أو عدواً، في حرب أو سلام، فالحرب ليست عملاً ضد الإنسانية ولا يجوز أن تكون كذلك، وإنما هي جهد مشروع لمقاومة العدوان الذي يباشره الأقوياء ضد الضعفاء.

تذكرت كلمة الشيخ وهو يقول في معرض حديثه عن أهمية القيم الإنسانية واحترام حق الحياة للآخرين: أقاتل عدوي في النهار دفاعاً عن حقوقي المشروعة، وأداويه في الليل إذا كان مجروحاً وأقدم له الطعام إذا كان جائعاً، احتراماً لإنسانيته.

سمعت هذه الكلمة، وما زلت أذكرها، وازداد فهماً لمضامينها الأخلاقية والإنسانية، وأرى فيها قمة الفهم لمعنى القيم الإنسانية، وهذا معنى لم يتوصل إليه فكرنا القانوني المعاصر، بالرغم من منظمات حقوق الإنسان التي تحض على مراعاة القيم الإنسانية، تلك أقوال سمعتها ولم أفهمها في حينها، وأدركت بعد ذلك دلالة هذه الأقوال على منهجية في الفهم العميق لسمو التربية الإسلامية، وهذا ما لفت نظري إلى أهمية الإنسان كفكر وثقافة وحضارة وقيم سامية.

( الزيارات : 2٬064 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *