ابن خلدون ودولة القبيلة

اهتم ابن خلدون في حديثه عن الدولة بالبداوة والحضارة وأثر كل منهما في قيام الدول وسقوطها ، البداوة هي البداية لان دولة الماضي تعتمد علي العصبية القبلية المتكافلة المترابطة ذات البأس والقوة والتي تدافع عن وجودها بوحدة كلمتها وترابطها واستعدادها للتضحية ، وتلك هي البداية لنشأة الدولة علي انقاض دولة بلغت الشيخوخة ولَم تعد قادرة علي الصمود في وجه العواصف القادمة من مجتمع الفقر والحرمان وهي البداوة المنعزلة والمتوثبة والمتوترة والمندفعة للدفاع عن نفسها ، وركز ابن خلدون علي اثر الدين في تقوية تلك العصبية وتماسكها ، الدعوة الدينية تمنحها قوة التضحية والاستعداد للاستشهاد في سبيل الدفاع عن الدين ، دولة ابن خلدون هي دولة القوة والقهر وهي ثمرة للاستيلاء علي السلطة عن طريق القوة ، دولة القوة هي دولة الماضي كما كان ، الغالب يقيم دولته ،كما يريد ويضع القانون الذي يريد ويضع معاييره للعدالة التي تحقق مصالحه ، ويتحكم بالقيم والمفاهيم والدين ، تلك هي دولة الماضي ، لقد اختلف هذَا المفهوم واصبحت شرعية السلطة ناتجة عن التفويض الإرادي وتنشأ الدولة عن طريق التوا فق الإرادي علي إنشائها كهيئة اعتبارية ذات مهمات اجتماعية وهي وظيفة الدولة ، كان ابن خلدون يصف الواقع في عصره كما كان ، دولة الاستيلاء ليست دولة ، وان دامت ، وهي سلطة ناتجة عن اغتصاب السلطة ، وهي كاغتصاب المال عن طريق الإقطاع والامتيازات والاحتكارات واغتصاب قيم الاعمال من العاملين في الفلاحة والأعمال المنتجة ، ولا توارث لحق لا شرعية له ويسترد من مغتصبه بكل ماتولد عنه وهذا من الفساد الذي يجب التصدي له تحقيقا للعدالة ، عندما يكبر وعي المواطن بالثقافة والتكوين يعيد النظر في كثير من المفاهيم التي توارثها وتربى بها واصبحت جزءا من ثقافته ، قيم الحضارة تعمق الشعور بالحرية والكرامة والعدالة ، ولكنها تنمي الشعور بالأنانية والفردية ، وتلك هي محنة الحضارة التي تضعف الشعور بالتكافل والمسؤولية الاخلاقية وتنيط امر ذلك بالدولة كمؤتمنة علي العدالة ، كان الدين هو المصدر الاهم للحقوق من خلال جهد الففهاء للبحث عن العدالة في الحقوق والعقود والمعاملات ، وهو الذي يحدد معايير العدالة ، وبخضع المجتمع لأحكام الدين بارادته لانه يعتقد انها من الله وهذه العقيدة تكفل للأحكام قدسيتها وهيبتها واحترام المجتمع لها بخلاف القانون ، وكان الفقه هو القانون الذي يحتكم اليه ولذلك ازدهر الفقه خلال التاريخ الاسلامي في المعاملات كمصدر للقضاء ولمعرفة الحقوق وكانت الوحدة المذهبية تساعد علي استقرار القضاء ووضوح احكامه ، وكانت المذهبية الفقهية ضرورية في عصرها لبيان الاحكام واستقرار القضاء ، في ظل غياب القانون ، وكان يؤخذ بالرأي الراجح في المذهب المعتمد او بما جري به العمل في القضاء ، ولولا تلك المذهبية لكانت الفوضي في القضاء ، واصبحت الحاجة اليوم لوضع قوانين ملزمة واضحة ويمكن ان تستمد من تلك الاحكام الفقهية من كل المذاهب ويمكن الاجتهاد فيما يحقق العدالة والمقاصد المرجوة والفقه ما كان وما سيكون من الاحكام ، وما يراه فقهاء كل عصر انه الأكثر تعبيرا عن الحكم الشرعي هو فقه كل عصر ، وفقهاء كل عصر اولي بفهم ما ترجح لهم المصلحة فيه ويتفق مع روح الدين ، وإلقضاء يجب ان يكون هو السلطة العليا في المجتمع والدولة ويجب ان تحميه نالعدالة الكونية منعا للعدوان ، ويجب ان يخضع الكل للعدالة كمبدأ كوني لتحقيق التعايش بين الشعوب ، ما زالت دولة ابن خلدون قائمة ولو ارتدت اثوابا جديدة ، ودولة العصبية مستمرة ، الطوائف والأحزاب والقوميات تمنع قيام سلطة التفويض ، نريد دولة بمفهوم جديد للسلطة سلطة بلا انياب وبلا امتيازات، سلطة مشروطة ومراقبة ومحاسبة ، والطريق اليها طويل ، لا بد من التغيير والتجديد نحو الافضل الذي يعبر عن مطالب الانسان في الحصول علي حقوقه التي ضمنها الله لكل عباده ، امران مهمان لا بد من الاهتمام بهما :مفهوم الدولة والسلطة ، ومازلنا نعيش بمفهومها القديم كما شرحه ابن خلدون ، وهي دولة القبيلة الاقوي ، كانت دولة القبيلة تحميها القبيلة من من اعدائها ، اما دولة القبيلة اليوم بالمفهوم الجديد فهي التي يحميها الطامع فيها من قبيلتها لكي تكون وفية له ، اما الامر الثاني فهو المال والملكية الفردية ، وهذا موضوع يحتاج الي دراسة واهتمام لكي تتحقق به العدالة ويمنع به الاستغلال والاحتكار ، مهمة كل جيل ان يهتم بقضاياه وان يجتهد فيها ،

 
 
 
 
 
 
 
اكتب تعليقًا…
( الزيارات : 75 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *