اثر الطفولة فى افكارنا

ذاكرة الايام..اثر الطفولة فى افكارنا

احب المجالس الى نفسي هي المجالس العلمية والفكرية , وكان اقرب الاصدقاء الى نفسي هم الذين تشغلهم هذه الاهتمامات , المجالس الاولى كانت فى حلب  التى كنت اتابع مجالس السيد النبهان طيب الله ثراه , كنت فى بداية  العقد الثانى من العمر واعترف اننى كنت اتابع تلك المجالس بشغف كبير , كانت مجالس تربية روحية , وهي المجالس الاولى التى كان لها اكبر الاثر فى تكوينى الفكرى والروحي  فيما بعد , كل المجالس فيما بعد كانت اقل تأثيرا من الناحية التربوية  , ما يتعلمه الانسان فى الطفولة هو الذى يظل فى الذاكرة وهو من اهم مصادر فكرنا  , لم تكن تلك الحقبة مجرد مرحلة تاريخية عابرة , ما غابت تلك المجالس عن ذاكرتى ابدا , كانت قضاياها مختلفة , كانت مرحلة تكوين حقيقي , ومهما ابتعدت فيما بعد فقد كنت اعيش تلك المرحلة , مفاهيم راقية عن الدين والاخلاق والكون والوجود والعقل والنفس والسلوك والادب والانسان  , تعلمت فى تلك الفترة حقيقة الدين ومعنى العبادة  ومحبة الكمال ومعنى الادب , كل الحقب الخمسة التى اعقبت تلك الفترة كانت مختلفة فى اهتماماتها , كانت مجالس علم وثقافة , كل ما كنت اسمعه كان مختلفا كليا , هي قضايا جديدة ومنهجية علمية واعترف انها كانت مجتمعات علمية فى اعلى درجات العلم وصنوفه مع فلاسفة ومفكرين وادباء واعمدة القانون   فى مجتمعات الجامعات والمؤسسات العلمية , وبالاضافة الى ذلك  حضرت مجالس صوفية وابتعدت اكثرعنها  لانها لم تكن مقنعة , كانت كالجسد بغير روح , كنت ارى الدنيا والتغالب للوصول اليها ولو بدرجات متفاوتة , كنت انكر الكثير مما كنت اراه  والصادق قليل , كنت بعيدا جدا عما كنت اراه , و فيما كتبت انكرت الكثير من الافكار والاعراف التى لا اصل لها  , لا مسلمات لدي ابدا  , الوحي والنبوة اولا وما عداه فهو خاضع لمنهجية النقد والتامل والتأصيل  , فى نفسي تساؤلات كثيرة , ما تعلمته فى طفولتى كان البئر الذى انضح منه , لم تكن من عادتى ان اسلم باي امر الا اذا اقتنعت به لاعنادا منى ولكن لاننى مكلف ومخاطب , ولا اريد ان اعطل عقلى وانا املكه , لا اقو ل ان العقل هو القادر على معرفة الحق وانه لا يخطئ فيما يحكم به , كنت ادرك عن يقين ان العقل كأي حاسة يملكها الانسان لا تتجاوز ما هي مكلفة به من الله  , احيانا كنت اشعر ان ما يترجح لى حينا قد لا يكن هو المرجح حينا اخر , افكارنا هي وليدة تصوراتنا المسبقة فى الذاكرة  وهي مؤثرة , احيانا اشعر بالتناقض ليس مع الاخرين وانما مع نفسي ايضا , افكارنا وليدة واقع نعيشه , الصوفية التى كنت  اراها فى الواقع ليست هي الصوفية التى هي فى الاذهان والتصورات  , هناك الكثير مما لا اراه , الصوفية ليست مذهبا وانما هي منهج تربوى روحي ينمى جانب الخير والقيم الروحية ويكبح جماح الرغبات الغريزية هذا ماكنت اتصوره  , الصوفية التقليدية عند العوام فى المجتمعات الاقل ثقافة  هي صوفية بلا صوفية , وهي وليدة اعراف وتقاليد تاريخية وادت مهمتها وما زالت  , والحكم على الصوفية التقليدية يختلف بمقدار اثرها الايجابى فى مجتمعها بمقدار استقامة رموزها , وهناك صوفية مغرقة فى مفاهيم فلسفية ومتأثرة بصوفية الرياضات النفسية للتوصل الى السعادة وكل منهج يحكم عليه بحسب منهجه , وهناك سلفية متعددة المناهج والمقاصد والافكار , ليست كل سلفية مذمومة او محمودة , سلفية العلماء التى تستهدف رفض البدع فى العبادات  محمودة , وسلفية التوثيق العلمى فى الرواية الحديثية  لا يمكن انكارها , هذا منهج العلماء الاولين , لا احب سلفية التبرير والتشكيك والاساءة للعلماء والجراة عليهم وتسفيه ارائهم , الاصلاح منهج علمي يعتمد على منهجية عاقلة واداتها اهل العلم وليس العامة , لم اكن قط مع كل دعوة صوفية ولم اكن ضد كل دعوة سلفية , كنت اتابع راي كل فريق وادلته وحججه العلمية , ولم اكن مع التعصب المذهبي ولا الطائفي ولا القومي , كل التعصب لا احبه وهو دليل الجهل , وكنت ادافع عن حرية الفكر فيما ترجح لاهل العلم انه الحق , الاجتهاد هو اعمال العقل فيما خوطب الانسان به , ولا احد يجتهد فيمالا يعلم , ولا احد يجتهد فى غير اختصاصه العلمى , والاجتهاد متجدد حتى بالنسبة للمجتهد نفسه , والاجتهاد جهد العقول لفهم ما خوطبت به , لكل مجتمع رأيه في قضاياه ولكل عصر مفاهيمه لقضاياه , ما ترك امره للعقول فهي مؤتمنه عليه , الاجتهاد الجماعى اولى واوثق من الاجتهاد الفردى , ومن حق العقول ان تخطئ في بحثها عن الحق , ولا فردية مطلقة عن القيود لا فى الحريات ولا فى الاموال و ولا حرية تهدد امن الجماعة , وما خلقه الله لكل الناس فلا يمكن الاستئثار به وبخاصة فى الاموال والملكيات , والسلطة تفويضية وتمثيلية ومقيدة بالمصالح , والعدالة مطلوبة فى الاموال والحقوق وفى كل شؤون الحياة , ومهمة الدولة ان تسهر على المصالح المشروعة والكل فى موطن الاحترام ولاتجاوز فى الحقوق , ولا احد فوق المساءلة عن افعاله , والدولة هيئة مؤتمنة ومفوضة ولا سلطان لها على احد الا بحق مشروع , وما ارتبطت به الحياة فهو حق لصاحبه ..

كنا نناقش  فى المجالس العلمية مكانة العقل ومدى الثقة به , العقل هو اقرب القوى التى يملكها الانسان الى معرفة الحق , وهو جهد نسبي لا يقين فيه وهذا لا يقلل من اهميته ومرجعيته  , وليس من الضرورى ان تكون اجتهادات العقول يقينية كاستحالة المستحيلات فهذا لا يمكنه ان يكون ,  و كنت اثق بالعقل والعلم معا , ولا بد من التاكيد على اهمية التربية الروحية التى تدفع صاحبها الى محبة الخير والفضيلة , العلم بوسائله المعرفية هو اداة العقل للفهم , العلم هو اداة العقل لحسن الفهم والتربية الاخلاقية هي التى تحصن العقل من الانزلاق وراء مطامعه واحقاده , ما زلت ارى ان التربية الاخلاقية هي المنطلق الاهم لتكوين شخصية انسانية اقرب لمحبة الخير وابعد عن الشر , وفى ظل الخير يكون المجتمع الانسانى اكثر تكافلا للدفاع عن الحياة وتخفيف معاناة المستضعفين والمحرومين من اسباب الحياة التى ضمن الله لعباده ان تكون لديهم كفضل منه تعالى  لكل عباده .

( الزيارات : 57 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *