افاق العقل ومصادره الروحية

كلمات مضيئة.آفاق العقل ومصادره الروحية

 العقل هو قوة غريزية ذاتية قادرة على التمييز بين الاشياء , وهي متاثرة بالغريزة الفطرية , واداة تمييز للاشياء المادية المدركة بالحواس  , وتبتدئ القوة العقلية ضعيفة متاثرة بالقوة التى توجهها وهي اداة لها , وتعمل لها فى خير تريده  اوشر تعمل له , ونجد هذه القوة العقلية عند الاطفال خاضعة للغريزة كليا , فالعقل يفكر فيما فيه غريزته , عندما يجوع او عندما يغضب لا يملك القدرة على الامساك بزمام نفسه , ولكن هذه القوة العقلية قابلة للنمو كما هو حال الابدان , وتحتاج الى تغذية مستمرة عن طريق التجربة اولا والعلم ثانيا , كلما اتسعت التجربة اتسعت قدرة العقل على ادراك الاشياء  , والتجربة علم الواقع ومستمدة منه , يتعلم الطفل الكثير من تجاربه اليومية , وكلما اتسعت التجربة اتسعت المعرفة العقلية  , وهناك العلم الذى يمكن  العقل من الاستفادة من قوانين الحياة وتجارب الاخرين وكل علم مفيد لسعة الفهم  , وهذه هي فائدة القراءة انها تمكن صاحبها من تنمية قدراته على الفهم من خلال افكار و تجارب الاخرين , والقوة العقلية تستمد قدرتها التمييزية  من مصدرين , اما القوة الغريزية العمياء التى لا تحسن اختيار ما تفعل  , فى حالتى الشهوة اوالغضب , ففى حالة سيطرة الشهوات يعمل العقل لتبرير ما تريده الغريزة من الشهوات وتعمل لكي تختار  الطريق الموصل الى تلك الرغبة , او تعمل تلك القوة لتبرير ما تريده الغريزة من العدوان والانتقام فى حالة الغضب والانفعال , العقل وحده لا يملك القوة لا يقاف تلك الرغبات الغريزية , ولو كان مقتنعا بخطورتها , العقل وليد ما تربى عليه من القيم  والمعارف , القاتل يقتل بموافقة من العقل الذى لا يملك القدرة لا يقاف تلك الرغبة الشريرة وقد يبررها , العقل اداة عاجزة عن التاثير فى السلوك اذا انتصرت الرغبات  , اما المصدر الاخر للقوة العقلية فهو القوة الفطرية الخيرة التى لم تلوث بالمطامع والاحقاد والتى ظلت كما هي صافية طاهرة , هذا العقل يختلف عن العقل الاول ,  لانه عقل نورانى انساني الملامح اكثر رحمة وفهما لما يجب ان يكون ومالا يجب ان يكون , العقل النورانى شديد الصلة بالقلب ومتأثر به , وهو فى خدمة القلب ينفذ اوامره يعمل لما تنشرح له القلوب وينقبض عما تنقبض له القلوب , وهذا العقل يمكن الثقة به وهو الذى يليق بالانسان , انه عقل مختلف عن العقل الغريزى الجاهل الذى يميز بين الاشياء كما يميز بين الالوان والملامح ولا يحسن فهم ما يراد بها , العقل عقلان عقل نورانى يرتقي بمستوى الانسان وعقل مظلم ينحدر به ويجعله اقرب الى الحيوانية التى لاتحسن فهما , العقل النورانى يقود الى الايمان نظرا لانه يستمد نوره من نور الله وتجلياته فى الكون كله , والعقل النورانى هو المخاطب بالفهم وهو اقدر عليه وهو المؤتمن  على الحياة ان تكون انسانية الملامح كما يريدها الله لعباده , ومعاييره فيما يفهم ارقى وارحم , العقل المظلم  الذى يستمد فهمه من القوه الغريزية يخضع للاهواء الشخصية ويتاثر بها , انه منفصل كليا عن العالم العلوى الذى يمده بالنور والضياء , لقد ادرك كبار الصوفية من الائمة الصالحين بعقولهم النورانية من الفهم بحقيقة الكون والحياة والانسان مالم يدركه كبار الفلاسفة الذى ارادوا ان يطبقوا معاييرهم المادية , فخاضوا فى الالهيات بعقولهم القاصرة وضلوا ضلالا بعيدا , وكانت اراؤهم متناقضة غير مقنعة , قضايا الالهيات لا تدركها العقول الغريزية لان قدرات العقول محدودة فى المحسوسات , اما اصحاب العقول النورانية المستمدة من الفطرة الاصلية الصافية فقد ادركت من الفهم ماهو جدير بالاهتمام بفضل صفاء القلوب ومفاهيمها  المستمدة من نور الله , تلك المفاهيم النورانية اصدق واكثر تعبيرا عن الحق والمعرفة , ومن المعرفة العقلية تلك المعرفة الذوقية الالهامية التى تنطبع فى القلوب الطاهرة , بمدد الهي يتجاوز قدرة العقول التى لا تتجاوز ما هي مكلفة به ومؤتمنة عليه , ليس العقل هو الذى يدرك ما هو بديهي مما تدركه العقول او يدرك ببداهته عواقب الامور , هنالك ماهو اسمى وارقى وهو فهم ماهو مؤتمن عليه من اسرار الكون والحياة , تلك العلاقة الروحية التى  تشده الى عالم الارواح , والتى تخرجه من ظلمة الحياة ورتابة ما فيها من المظاهر الكونية , هناك مالا تدركه العقول بمعاييرها المادية , هناك عالم اوسع وارحب يتسع لكل تطلعات الانسان واشواقه الفطرية  الى الاتصال الروحي بعالمه العلوى الذى يجعل الحياة الانسانية فى موطن الرعاية الالهية …

( الزيارات : 56 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *