الأدوار التاريخية للفقه الإسلامي

الدكتور محمد فاروق النبهان

الدكتور محمد فاروق النبهان

… الأدوار التاريخية للفقه الإسلامي…

المحاضرة التي ألقاها الدكتور محمد فاروق النبهان في الأكاديمية الملكية المغربية في الرباط في 12 ديسمبر 2013.. وقد شارك أعضاء الأكاديمية في مناقشتها والتعليق عليها وقامت إدارة الأكاديمية بتسجيلها وكتابة نصوصها من التسجيل الصوتي لها

مقدمة المحاضرة

يسعدني أن أتحدث في هذه الجلسة في موضوع مهم جداً، هو الأدوار التاريخية للفقه الإسلامي.

هذا الموضوع من الموضوعات الشاقة التي تحتاج إلى اهتمام كبير ومتابعة لتطور علم الفقه من مرحلة النشأة إلى مرحلة التأسيس، ومرحلة الازدهار؛ ثم إلى العصر الحديث، وما يمكن أن يكون أيضاً في المستقبل.

لم أكتب هذا الموضوع في أوراق مقروءة لأنني أعرف أنه بسبب طبيعته قد تكون القراءة فيه مملة ، ولا يمكن أن تحيط الكتابة بالجزئيات المرتبطة به ، لذلك اخترت ان أتكلم مرتجلاً معتمداً على ذاكرتي فيما أقدر عليه ..

الموضوع شامل وواسع، سأحرص ألا أخوض في الفروع الجزئية المرتبطة بكل مشكلة من المشاكل.

هناك قضايا كثيرة جداً مرتبطة بهذا الموضوع، ولكن سأحاول أن أمر بها سريعاً لأنني لابد أن أتكلم عن التطور التاريخي للفقه الإسلامي، كيف نشأ وكيف تطور وكيف توقف.

فهو ككل شيء يبدأ صغيراً، ثم يكبر، ثم يمر بمراحل قد تكون مرحلة توقف أو ركود.

هذا ما نعيشه نحن اليوم فيما يتعلق بالفقه الإسلامي، كل الحضارات، والثقافات. تمر بمراحل صعود وهبوط ، وأحياناً تتوقف.

كيف يمكننا نحن أن نستوعب هذه الدروس ونستفيد منها في فهم هذا التطور. ما أسباب الازدهار؟ ما أسباب التوقف والركود والجمود؟

تعريف الفقه الإسلامي

سأبدأ الحديث بتعريف الفقه.. الفقه في اللغة هو الفهم “اللهم فقِّهْهُ في الدين” أي فقِّهْه، وفهِّمْهُ شؤون الدين.

كما نجد في الآية الكريمة ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها﴾ أي لا يفهمون بها.

أصبحت كلمة الفقه الإسلامي دالة على معنى خاص – ليس مجرد الفهم بالمعنى اللغوي. الفهم في كل العلوم، ويراد بالفقه : مجموعة الأحكام الشرعية المستنبطة من الأدلة الإجمالية. ويشمل كل حكم اجتهادي مستنبط من النص، أو مستنبط عن طريق الرأي، ولكن بتأصيله، وارتباطه بالفقه عن طريق القياس – كل رأي في السابق أو في اللاحق، أو في ما يحدث في المستقبل. كل ذلك يعتبر فقهاً إسلامياً.

إذن الفقه : مجموعة الأحكام الفرعية التفصيلية المستمدة من المصادر الإجمالية للفقه الإسلامي، مجموعة الأحكام، وتشمل كل ما قاله العلماء على امتداد التاريخ، في كل المذاهب الإسلامية.

لا يمكن أن نقول : هذا خارج نطاق الفقه طالما له تأصيل، حيث يمكن أن نقول خطأ أو صواب. لكن لا يمكننا أن نقول إنه ليس من ضمن الفقه الإسلامي.

لو أن أي إنسان اليوم قال رأياً، نحن اليوم في الأكاديمية، لو حاولنا الاجتهاد في أمر وكنا من أهل الاختصاص، سينضم هذا الرأي إلى الفقه الإسلامي. فالفقه الإسلامي لا حدود له… ويشمل كل الاراء المستنبطة من الادلة …

كما هو الشأن في الفقه القانوني، فهو لا حدود له أيضاً. لا حدود لقدرات فهم الإنسان طالما هناك نص موجود، هناك عقل يستنبط، هناك خطاب، هناك مخاطَب يفهم النص. وهناك مخاطَب به. وهو الحكم المخاطَب به.

ما دام الإنسان يتغير فإن الفهم يتغير…ز الأجيال ليست متكافئة. في قدراتها و ليست متماثلة في عطاءاتها.

هناك أجيال أعطت، وأجيال لم تستطع أن تعطي… وهذا هو السبب في ظهور عصر الازدهار وعصر الجمود والركود. الأجيال ليست متماثلة في عطائها…هناك أجيال عاشت عالة على الأجيال السابقة. لها.. وهذا العصر الذي سنتحدث عنه. هو العصر الرابع من هذه العصور.

ما الفرق بين كلمة الفقه والشريعة؟الفقه أضيق من كلمة الشريعة؟

الشريعة قد يُراد بها الفقه أحيانا. نقول: هذا الحكم مستمد من الشريعة الإسلامية، بمعنى مستمَدّ من الفقه الإسلامي. وأحياناً نريد بكلمة “الشريعة” مجموعة العلوم الشرعية. فالتفسير والحديث هما من علوم الشريعة.وأحياناً يراد ب “الشريعة” كل الأحكام الفقهية.

إذن علم التفسير ليس من الفقه، وإنما من مصادر الفقه. القرآن من اهم مصادر الفقه. وليس هو الفقه،

ماهي المصادر الكلية لهذا الفقه؟ مصدران اثنان: نص ورأي.

او وحي وانسان , او رواية تقابلها الدراية أي الفهم، والنقل يقابله العقل، والنص يقابله الرأي.

فالنص هو الأساس في مصادر الفقه. لابد من النص. وهو الخطاب الإلهي. أو يراد به ما يرتبط ببيانه وهو السنة.النبوية ..

القرآن هو الأساس، والسنة البيانية، بيان للقرآن﴿ وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم﴾هذا هو البيان.

الإنسان هو المخاطَب، والمخاطَب متجدد , في قدراته، وفي ظروفه، وفي بيئته.

إذن، فهمه للخطاب لن يكون واحداً… ستتعدد المدارس الفقهية ما بين الالتزام بالنص كاملا، وما بين التوسّع في مجال الرأي. هذا ما حدث فى تاريخ الفقه الإسلامي.

المراحل التاريخية في الفقه الإسلامي عرفت أحداثاً لا أريد الخوض فيها. هناك شكوك أثيرت حول الفقه الإسلامي، وهو أنه مستمد من القانون الروماني.

استقلالية الفقه الإسلامي

أثبت علماء القانون أن هناك خلافاً كبيراً بين الفقه الإسلامي والقانون الروماني من جوانب ثلاثة. في مصادره، وفي خصائصه وفي الطابع العام للفقه الإسلامي من حيث الرضائية والشكلية وأشياء كثيرة يختلف فيها القانون عن الفقه الإسلامي كعلاقة الفقه بالأخلاق.

ففي مؤتمر دولي عقد في لاهاي عام 1949 م ، حول قانون الفقه المقارن أقر بأن الفقه الإسلامي هو مصدر من مصادر الفقه العام. أو القانون العام. الذي ينبغي أن يؤخذ في الاعتبار.

وفي هذا المؤتمر الدولي اعتراف كامل بأهمية الفقه الإسلامي كفقه مستقل متكامل. وهو أحد مصادر الفقه المقارن على مستوى الدراسات القانونية.

عمداء كليات الحقوق عام 1973 – 1974، أقروا بأن الطريق الوحيد للتقريب بين القوانين العربية هو أن يكون لها مصدر واحد يساعد هذه القوانين على إيجاد وحدة بينها من حيث المرجعية الإسلامية الفقهية.

الأدوار التاريخية للفقه الأسلامي

الأدوار التاريخية خمسة ويمكن أن تكون ستة.

-المرحلة الأولى مرحلة النشأة. وهي عصر النبوة، هذا العصر الأول هو عصر النشأة. وله خصائص مختلفة عن الأدوار المختلفة.

العصر الثاني هو عصر التأسيس، وينقسم إلى قسمين.

المائة سنة الأولى من بعد الهجرة كانت لها خصائص. ومائة وخمسين سنة تالية وهي عصر ظهور الأئمة وله خصائصه.

وهو عصر واحد نسميه عصر النشأة.

في هذا العصر، مائتان وخمسون سنة، من وفاة النبي ﷺ إلى عام مائين وخمسين سنة وهو عصر التاسيس..

وهو عصر له خصائص مختلفة عن خصائص العصر الأول والعصر اللاحق، هذا العصر التأسيسي للفقه الإسلامي.

العصر الثالث، وهو عصر التدوين الفقهي، ازدهار التدوين الفقهي، والمؤلفات والموسوعات الكبيرة التي ظهرت ما بين 250 هـ إلى عام 500 هـ.

ظهرت أوسع الموسوعات الفقهية المعروفة اليوم مثل كتاب “الأم”للشافعي وكتاب “بدائع الصنائع” وكتاب “المبسوط” وكتاب “والموطأ والمدونة وكتب الرسالة والخراج والكتب الستة للشيبانى ..هذه الكتب تعتبر موسوعات كبيرة،او كتب ذات قيمة علمية رائدة وذات قيمة. فقهية كبيرة… كل الموسوعات الفقهية الكبيرة ظهرت في هذه الفترة التى ازدهر فيها التدوين فترة دامت ثلاث أو أربع مائة سنة، يختلف العلماء في تقسيمها. ..كان عصر ازدهار تدويني، لا حدود له.

–عندما كنا ندرس أطاريح الدكتوراه، نقول للباحث : «ينبغي أن ترجع إلى الكتب الأصيلة» لا يمكن أن يأتي الباحث ويقول قال الشافعي، ويستشهد من كتاب فقه المذاهب الأربعة. فالباحث يجب أن يرجع إلى كتاب اصيل معتَمد في المذهب. فإذا أراد أن يتحدث عن المذهب الحنبلي مثلا، سأقول له: ارجع الى كتاب المغنى لابن قدامة ، أو في المذهب الظاهرى، سأقول له ارجع إلى كتاب المحلى لابن حزم الخ…

الدور الرابع وهو أطول هذه الادوار. وقد امتد من عام 600 هـ. إلى ما قبل 100 سنة. سبعة قرون تقريباً. وهو ما أسميه عصر التوقف…بعض العلماء يسميه عصر الجمود أو الركود.وانتشرت فيه ظاهرة التقليد والتعصب المذهبي.

لم يعد هناك خروج عن المذهب. وليس هناك جديد، كانت هناك أشياء جديدة فى الغرب الاسلامى مقابل هذا الركود في الشرق. وكان هناك ازدهار في الغرب الإسلامي. فقد ظهر أعلام كبار في هذا العصر من أمثال الشاطبي الذي ظهر في الغرب الإسلامي في هذه الفترة. ..في الأندلس والغرب الاسامى بدأت الحركة الفقهية متأخرة. كان الاعتماد الأول على الرواية أيام ابن وضاح. ثم بعد ذلك بدأت الدراية؛ وظهر أعلام مثل القاضي عياض وابن عبد البر.وابن العربى المعافرى .. عدد كبير من أعلام كبار ظهروا في هذا العصر الذي كان فيه ركود وتوقف.

أصبح الرأي الفقهي الذي يخرج عن آراء السابقين او يخالفهم خروجاً مذموما على الأصل. المذهبى

ابن تيمية خرج في هذه الفترة. كانت له آراء فقهية مهمّة جداً. واعتبرت آراؤه خروجاً أو خلافاً لما هو سائد ، حتى كانوا يقولون : لمن يخالف مجتهد في إطار المذهب أو مجتهد مطلق.

ليس هناك مجتهد مطلق، أو مجتهد في إطار مذهب الاجتهاد هو اجتهاد حيث كان احيانا تراعى اصول المذهب ، مثل ابن رشد الذي خالف الإمام مالك في قضاياكثيرة في كتاب “بداية المجتهد” قال: لي اختياراتي. ، لم يخرج عن المذهب المالكي، ولكن كانت له آراء واختيارات. قد تتفق مع اصول مذهبه

لقد اشرفت على دكتوراه شارك فيها الدكتور محمد بنشريفة، حول موضوع “اختيارات ابن رشد الفقهية من خلال كتابه بداية المجتهد”، ونوقشت هذه الأطروحة في دار الحديث الحسنية.

بداية العصر الحديث

هناك العصر الأخير. متى ابتدأ العصر الأخير؟ ولماذا سميناه خروجاً عن عصر التقليد ؟

يجب أن ننتظر زهاء مائة سنة حتى ندرك ان هناك تحولاً من حالة إلى حالة….قبل مائة سنة عام 1895 م كانت الدولة العثمانية في أواخر عهدها.وكان المذهب الحنفي هو المذهب السائد. لم يكن هناك خروج عن المذهب الحنفى إطلاقاً. كان الخروج عن المذهبية خروج عن الدّين.

وقع تطور في مجال القضاء. دول أجنبية تدخلت لتنظيم القضاء في الدولة العثمانية. أصدرت الدولة العثمانية مجلة “الأحكام العدلية”. أول قانون مدني مستمد من الفقه الإسلامي. وفيه قرابة 1800 مادة معظمها من الفقه الحنفي، إلا القليل الذي خرج عن هذا المذهب.

لكن أهمية هذه المجلة، هو أنها أصبحت قانوناً معتمَداً واستمرت 50 سنة. فقد انتهت الدولة العثمانية واستمرت هذه الأحكام في كثير من الدول مثل مصر وسوريا والعراق. فكانت هذه الأحكام هي السائدة. وتدرس في كلية الحقوق. و الأساتذة المسيحيون كانوا يدرسون القانون المدني ويرجعون إلى الكتب الفقهية لأنها قانون، إلى أن تم استبدال هذه المجلة بالقانون الفرنسي.

في بداية هذا التحول واجهت هذه المرحلة الكثير من الصعوبات، إلى أن وقع إقرار بأن يكون هناك تقنين للمواد الفقهية. لأن اللغة الفقهية، هي غير اللغة القانونية.لأن اللغة القانونية لغة آمرة.

اللغة الفقهية. فيها بيان وشرح ، وقد تقول بهذا الرأي أم ذاك أما اللغة القانونية فهي لغة ملزمة، ليس فيها اختيارات.

السعودية حتى اليوم، لا تقبل فكرة التقنين، ليس هناك قانون والاعتماد على الفقه الإسلامي!

القضاء يأخذ من الفقه مباشرة. ولذلك يقع التناقض أحياناً بين محكمة ومحكمة لعدم وجود نص آمر واضح لا يمكن الخروج عنه،

التقنين عملية تنظيمية. وهو لا يعني الخروج عن الشريعة. ,التقنين هو إعادة صياغة الأحكام واختيار الرائي المحقق للمصلحة كما فعلت “مدونة الأحوال الشخصية في المغرب”. فهي مستمدة من الفقه الإسلامي. ولكن بصيغة قانونية ملزمة.وكما فعلت كل قوانين الاسرة ..

هذه هي المرحلة الأخيرة. وأنا أعتبرها بداية تحول صدرت فيها مجلة الأحكام العدلية وصدر أول قانون للأسرة، عن الدولة العثمانية في أواخر عهدها سمي بقانون العائلة. ثم بعد ذلك بدأت قوانين الأسرة في كل بلد، في المغرب، في مصر، في سوريا. فأصبح قانون الأسرة قانوناً مستمداً من الفقه الإسلامي ولكن فيه سعة.

هناك ماخذ على مجلة الأحكام العدلية أنها كانت مغرقة في المذهبية التي كانت سائدة في تلك الفترة. لم يكن هناك خروج عن المذهب الحنفي، ولم يكن الخروج ممكنا حتى على المذاهب الأربعة الموجودة إلا في نطاق ضيّق. وهذا ما أخذ عليها.كما أخذ عليها كذلك بعض الجوانب في الصياغة القانونية.

هذه هي المرحلة الأخيرة، ولا زلنا نحن في هذه المرحلة. وهناك نظرة للمستقبل. نتطلع اليها ..

أعود إلى هذه المراحل الخمسة المختلفة التي عرضتها باختصار.

عصر النبوة هو عصر النشاة

العصر الأول هو عصر النبوة، هذا العصر لم يكن فيه علم الفقه. هو عصر النشأة. فهو عصر المصادر. لم يكن فيه اجتهاد… العلماء اختلفوا في هل النبي ﷺ يجتهد أم لا ؟

الأشاعرة قالوا: لا يجتهد لأنه لا ينطق عن الهوى. ..عدد من العلماء الأخرين قالوا إن النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد. ولو كان معصوما، فهو يجتهد. وقد اجتهد في بعض القضايا كقضية تابير النخل.

ولكن كلام النبي صلى الله عليه وسلم هو نص شرعي نقلي ملزم كالقران له صفة الالزام لأنه بيان. للقران فلا يقبل خصائص الاجتهاد القابل للخطأ والصواب. فهو بيان للقرآن. وله منزلة القران

عصر النبوة من خصائصه أنه عصر لم يكن فيه فقه والقضايا الجديدة المستحدثة يُسأل عنها النبي صلى الله عليه وسلم فيجيب، فإن أجاب اعتبرت الإجابة حكما نصياً آمراً.وإن سكت عنها اعتبر إقراراً بها. وهناك احتهادات محدودة مثل اجتهاد معاذ بن جبل فى اليمن

نحن نعرف أن السنة قول أو فعل أو إقرار. فإذا أقر النبي أمراً فكأنه أقره على ما عليه.

عصر الصحابة

عندما ننتقل إلى العصر الثاني، وهو عصر الازدهار أو عصر تأسيس الفقه – عندما توفي النبي صلى الله عليه وسلم  بدأت قضايا جديدة كان لابد فيها من الاجتهاد.

أول قضية واجهت المسلمين هي قضية الخلافة…كان لابد من إيجاد طريقة لاختيار خليفة لرسول الله ﷺ هذه هي القضية الأولى. وكانت أول مواجهة تحتاح للرأي كيف نختار ؟ ماهي الكيفية لكي نختار بها خليفة رسول الله ؟

النقطة الثانية هي جمع القرآن… القرآن كان موزّعاً.بين كتاب الوحي كل كاتب من كتاب الوحي كان له مجموعة من الايات فى صحف مما كتب .. وكان لابد من جمع القرآن. وهنا أيضاً وقع الاختلاف في هذه القضية بين الصحابة.

هل يجمعون القرآن أم لا؟

قام أبو بكر بهذه المبادرة، وجمع القرآن. لكن بقيت نصوصه موجودة لدى الصحابة، و اعتمدت لجنة رباعية لجمع القرآن.

القضية الثالثة وهي قضية حروب الردة. بعض الذين ينتمون للإسلام ارتدوا عنه أو امتنعوا عن دفع الزكاة. هل نحاربهم أو نتفاوض معهم؟

أبو بكر يميل لمحاربتهم. هذا يحتاج إلى اجتهاد. واجتهاد الخليفة يكون ملزماً، ليس كاجتهاد الفقيه… الفقيه يجتهد ويبدي رأيه وهو ليس في موطن الالزام أما القاضي عندما يجتهد فهو في موطن القرار. الخليفة أيضاً عندما يجتهد فهو في موطن القرار لابد أن ينفذ.

عصر عمر بن الخطاب

التطور الأكبر الذي حدث في عصر عمر، قضايا فقهية صغيرة، لم يكن لها نص.كيف نواجه هذه القضايا؟

قضايا في الإرث وقضايا في القتل وقضايا في توزيع الغنائم ، وفي المؤلفة قلوبهم فى الزكاة …الخ. قضايا جديدة لم تكن موجودة من قبل. كان لابد من الاجتهاد فيها.

عصر عمر كان من أفضل العصور. ويمكننا أن نقول أن عمر هو مؤسس المنهج الاجتهادى فى الفقه الإسلامي من خلال فهم واسع. يراعى فيه المقاصد التي نزل النص لأجلها. ويراعى المصالح الاجتماعية، مصالح الناس. وتراعى روح النص وماذا أراد النص…

ولهذا كان يتخطى في بعض الأحيان النصوص الظاهرة ويبحث عن المقاصد منها ، لكي يجد حلولا ممكنة لقضايا وقعت في المجتمع الإسلامي. وكانت تقع فتن كبيرة في هذه القضايا.

ومن بين هذه القضايا قضية أراضي السواد.

ماهي أراضي السواد؟

أراضي العراق والشام عندما فتحت.اثيرت قضية ما يسمى حكم الغنائم، في الشريعة الإسلامية ..أربعة أخماس للغانم والخمس لله ورسوله اي المصالح العامة !

وتطبق هذه على الأراضي وعلى المنقولات وعلى كل شيء.

عندما فتحت أراضي الشام والعراق، وكانت أراضي واسعة، جاء الغانمون وقالوا:«يا عمر، قسم علينا هذه الأراضي ». فأجابهم عمر: هذا لا يمكن، فكيف تقسّم هذه الأراضي؟

أولا أين سيذهب سكان هذه الأراضي؟

سيخرجون ويعودون مقاتلين!

النقطة الثانية، أن من ستوزع عليه هذه الأراضي من الجيش، سوف يصبح ملاّكاً لهذه الأراضي، فسوف يتفكك الجيش ولن يكون هناك جيش

ومن أين سأمول هذه الجيوش؟

إذن هذا لا يمكن أن نطبقه. ورجع إلى نص القرآن، وبدأ يبحث عن نص يساعده على التوصل لحل.

جمع عشرة صحابة، خمسة من المهاجرين، وخمسة أنصار وقال لهم أعطوني رأياً… أنا لا يمكن أن أقسم الأراضي على الغانمين.

حتى وجد في القران فى اية الفيء ما يساعده وقال:«الغنائم تكون في المنقولات وليس في الأراضي. هذه الأراضي تبقى بيد أصحابها، ولا يخرجون منها، ويدفعون عنها خراجا ». وهذا ما أدّى إلى دخول أراضي الشام والعراق وشعوبها فى الاسلام وكانوا يدفعون الخراج والجزية

هذه أهم قضية مرت في عصر عمر.

القضية الثانية، قضية المؤلفة قلوبهم.

جاؤوا لعمر وقالوا له: أعطينا من أموال الزكاة.

قال: لا، كنا ضعافا ودفعنا لكم لكي نستميلكم. أما الآن إما أن تكونوا مسلمين وإما أن تكونوا غير مسلمين، ولا حصة لكم في أموال الزكاة.

طبعاً كان عمر يشعر بالقوة ولم يعطهم زكاة.

القضية الثالثة: قضية الإرث. الجد ليس له حكم في ايات الارث ..عمر قال لهم: الجد يأخذ حق الأب. ما يأخذه الأب يأخذه الجد.

عندما يغيب الأب، الجد يأخذ حكمه. هذا اجتهاد الصحابة ، قضية أكبر من هذه وهي ما يسمى القضية العمرية.

العمرية أو الغمريّة وهي قضية في الإرث. ماهي هذه؟

سيّدة توفيت، تركت زوجاً، أباً وأماً، وليس هناك أولاد. كيف نوزع الإرث عليهم؟

القاعدة هنا في توزيع الإرث: الزوج سيأخذ النصف. الأم ستأخذ الثلث.

كم سيبقى؟ المسألة تكون هنا من ستة. أي أن توزيع الأسهم ستة. الزوج النصف والام الثلث والباقى للاب

بقي واحد، الأم أحذت اثنين، الأب أخذ واحداً، فقال عمر: لا يمكن هذا، فنحن ما أعطيناه العصبة الا لكي ياخذ الاكثر ولا يأخذ نصف حصة الأم، فإذا كانت المسألة على ستة، إذن الزوج سيأخذ ثلاثة بالفريضة. والسدس (اثنين للأم.

إذن بقي واحد، .زالأب أخذ نصف الام .

قال: لا أبداً.. يأخذ الزوج الثلث وثلث الباقي نعطيه للأم واحد. والباقى للأب

هذا يعتبر خروجاً عن القاعدة القياسية المعروفة.

قضية أخرى، هي قضية قتل الجماعة بالواحد…وقعت هذه الحادثة في اليمن. مجموعة من الناس هجموا على شخص وقتلوه.

فجاؤوا إلى عمر وقالوا ماذا نفعل؟

قال عمر يقتلون جميعاً. والله لو اجتمع أهل صنعاء جميعاً على قتل رجل لقتلتهم.

هذه قضايا في عصر عمر. ونلاحظ في ظاهرها خروجاً عن النص القرآني.الظاهر الاانه لم يكن خروجا عن مقاصد الحكم المراد

في حقيقة الأمر هي ليست خروجاً عن النص. بل هو فهم لحقيقة النص.

كما هو أيضاً موضوع قطع الأيدي فى حالة المجاعة

فلما كانت هناك مجاعة، قال عمر «الذين يسرقون في أيام المجاعة ليسوا لصوصاً. هؤلاء لا أقطع يدهم ولا أعتبرهم مجرمين لأن هؤلاء دفعهم الجوع إلى السرقة». هذا يبدو أيضاً خروجاً على ظاهر النص. وفي الحقيقة هو تحقيق لغاية من غايات النص.
النقطة الثالثة فهم روح النص.

النص لا يفهم بطريقة جامدة. هذا منهج عمر.

وهو في الحقيقة لم يدرس هذا المنهج بطريقة جيدة.

نحن نحتاج إلى دراسة هذا المنهج في الفهم.

كيف نتعامل مع النص بنوع من السعة، بنوع من الفهم، هذه هي غاية النص.

فالغاية ليست أن نأخذ النص ونطبقه بغض النظر عن غايته، بدأت بعد عصر عمر قضايا كثيرة.

هنا سنجد أن الحركة الفقهية بدأت فى الازدهار والتوسع

هذا هو الحوار الذي بدأ يدور في المجتمع الإسلامي في قضايا بين مختلف أطراف المجتمع، قضايا جديدة لم تكن موجودة تؤدي إلى أسلوب جديد في الفهم.

المدارس الفقهية

جاء عصر التابعين وبدأت المدارس الفقهية، بدأ تكون اتجاهات فقهية مختلفة.

اتجاه تغلب عليه الرواية. والتمسك بالرواية وعدم الخروج عن الرواية.

وفريق آخر يوسع دائرة الرأي والعقل، بدأ هذا منذ بداية الأمر.بدأ يتطور لمدة 30 عاماً والحركة الفقهية تأخذ هذا المنحى.

تكونت مدارس، المدرسة الأولى هي المدرسة الحجازية التي ظهرت فى النصف الثانى من القرن الثانى ، فقد جاء الإمام مالك، وأرسى دعائم هذه المدرسة التي تسمى المدرسة الحجازية.

فى منتصف القرن الثانى أو أقل من الهجرة ، ظهر أبو حنيفة في العراق وأرسى دعائم مدرسة الرأي في العراق.

100 سنة من التطور. ماذا حدث خلال المائة سنة الأولى؟ لم يكن هناك تدوين فقهي إطلاقاً. لم يكن هناك كتاب فقهي، فلم يكن هناك تدوين للحديث أصلاً. هناك تدوين بسيط للقضايا الفقهية تسمّى مسائل.

لم يكن هناك تدوين للحديث لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تدوين الحديث وكتابته. «لا تكتبوا عني غير القرآن».

المجتمع الإسلامي يخشى من الكتابة. .. أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم  ألا يكتبوا غير القرآن، كان ذلك لكيلا تختلط الكتابة بالقرآن. أن يختلط نص الحديث بالقرآن. لكن هذه المشكلة انتهت.

لما جاء عمر بن عبد العزيز في نهاية القرن الثاني وجد أنه قد اختلط الحديث الصحيح بغير الصحيح. أصبحت عشرات الآلاف من الأحاديث، ولا نعرف إن كانت صحيحة أم لا. وبخاصة عندما وقعت الفتن وأصبح كل واحد يقول “قال الرسول…” وازدهرت الإسرائيليات والوضع فى الحديث

في نهاية القرن الأول جاء عمر بن عبد العزيز وأمر الامام الزهري لأول مرة بتدوين الحديث، وهذه أول مرحلة من مراحل التدوين.

لما قام الإمام الزهري بتدوين الحديث، لم يكن هناك الإمام مالك. صاحب الموطا ولكن كيف يدون؟

الأحاديث لم تكن تعرف هل هي صحيحة أم لا.

إذن لابدّ من البحث عن منهج جديد في التأكد من هذه الرواية.

عندما يقول: “قال رسول الله” يسأله من أين سمعت هذا؟ سيجيب سمعناه من شيخي فلان وشيخي سمعه من الشيخ فلان.

إذن علي أن أبحث عن الشخص الذي روى أولا، أن أبحث عمن يروي، وهل اجتمع معه. إلى أن يصل الحديث. الى منتهاه وأن أتأكد من أمرين: العدالة والضبط. العدالة في الراوي، فعندما يقول لي فلان، أعرف إذا كان صادقاً أم غير صادق، وأعرف هل هو قادر على ضبط ما يروي أم لا.

فيمكنه أن يكون رجلا تقياً وصالحاً لكنه لا يُحسن الرواية. إذن لابد من ضبط أمرين العدالة والضبط. ثانيا سمعته، ماذا يقول الناس عنه؟ أسجل كل هذا وأقول في النهاية هو عدل لا علة فيه

هذه العملية كلفت 100 عام من الجهد الكبير إلى أن جاء الإمام البخاري وأقامها على أسس صحيحة إذن يجب عليناأن نتأكد من كل هذا السند ونتأكد من التواصل فيما بينهم. ونتأكد ألا يكون هناك جرح. فى الراوى .. وهذا ما يسمى علم الجرح والتعديل.

لابدّ إذن أن يكون السند المتصل من فلان عن فلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. بدأ علم الجرج والتعديل. ,بدأ كثقافة لدى أهل الاختصاص يتناقلون هذه الأخبار، فلان عن فلان الخ… يعتمدون على الحفظ. لم تكن هناك مدونات.

في القضايا الفقهية، بدأ أيضاً التفكير : كيف نستنبط.

عندما يأتي عمر ويجتهدـ يقول عمر من أين جئت بهذا النص؟ يقول جئت به من القرآن. نعود نحن ونقرأ القرآن ونرى هذا النص. قد يأتي لنا نص آخر ويناقض هذا الاجتهاد.

إذن علينا أن نأخذ بوجهة النظر هذه أو بنقيضها.

هنا بدأ تكوين خطين أحدهما في العراق والثاني في الحجاز.

كانت طبيعة الحياة في الحجاز ميسّرة، على نفس ما كان عليه الأمر في عهد النبي صى الله عليه وسلم  لذلك لما جاء الإمام مالك قال نعتمد على عمل أهل المدينة. وهكذا بدأ العمل في الفقه المالكي.

. علماء العراق قالوا: نحن لنا قضايا ليست موجودة في المدينة.

هناك قضايا في القيم وفي المعاملات ليست موجودة في المدينة ولابدّ أن نجتهد فيها.

والحديث كان يصل إلى العراق مكذوباً.

في الحجاز ما كان يمكن أن يقع ذلك لكثرة الرواة.

لكن في العراق من سيقول هذا الحديث ليس صحيحاً؟ لا أحد. ..فكثر الوضع في العراق إلى درجة كبيرة.

جاء أبو حنيفة (توفي عام 150 هـ) معنى ذلك أنه عاش في مرحلة الفتنة، سقوط الدولة الأموية، وخروج الدولة العباسية. أبو حنيفة كان تاجراً. ووجد أن المعاملات التجارية تطورت في العراق، وظهرت قضايا جديدة. ومستحدثة حتى في موضوع البيع وفي موضوع العلاقات والأعراف.

كان لابد من وضع قاعدة قياسية، وهو أن تعتمد على الرأي وهو أفضل من رأي الأحاد.

بمعنى إن كان عندنا رأي أحاد أو رأي في حديث لا نعرف مدى صحته، نأخذ بالرأي القياس. فالقياس على الأقل يعتبر دليلا ظنياً ليس يقينياً – ولكن هو أفضل مما نأخذ بحديث لا أصل له.

بدأت معالم هذه المدرسة، التي بدأها عبد الله بن مسعود في العراق. ثم انتقلت إلى أن وصلت إلى أبي حنيفة. أبو حنيفة كان تاجراً ومن أصول فارسية. ولكنه كان موهوباً في الأقيسة العقلية.

ولهذا نجد البعض من تلاميذه كانوا أعلم منه في الفقه وأكثر منه معرفة به، كالإمام محمد بن الحسن الشيباني وأبو يوسف. وكتبوا كتباً في هذا الميدان.

مدرسة العراق الفقهية

أبو حنيفة لم يكتب شيئاً، كانت هناك كتب لتلاميذه الذين كانوا أكثر منه قدة على فهم وإضافة الكثير من الآراء. إنما كانت لأبي حنيفة موهبة في الاستنباط، وهو القياس. ماهو القياس ؟أي إلحاق الفروع بالأصول.

القياس يتطلب أشياء أربعة: وجود أصل ووجود فرع. الأصل هو الذي ورد فيه النص… الفرع لم يرد فيه النص. نحن نبحث عن الحكم، إذن يجب أن نعرف علة الحكم. إذا عرفنا علة الحكم في الأصل، نستطيع أن نقيس عليه.

مثلا يطلب منك الطبيب ألا تأخذ كوكا كولا. تسأل نفسك لماذا ؟ هل لأن فيها سكر ا أم لأنها سائل ؟ فإذا قال الطبيب لأنها سائل، فسوف تمتنع عن كل السوائل , أما إذا قال لأن فيها سكراً فهذا شيء آخر. وكل ما فيه سكر ينطبق عليه الحكم وإن لم يكن سائلا…

هذا مبدأ القياس. أن أقيس الفروع الجديدة على الأصول عندما تكون العلة واحدة.

هذا هو الرأي.

هنا بدأت مدرسة العراق. واضطرت هذه المدرسة أن تترك الحديث. ليس الحديث الصحيح، ولكن الحديث الذي كان منتشراً في تلك الفترة لم يكن موثقاً.

توفي أبو حنيفة عام 150 هـ، والإمام مالك بعد 30 سنة، عام 179 هـ،. رد مالك على أبي حنيفة وقال له: كيف تترك الحديث وأنت تستعمل القياس… الحديث هو موضوعي وأنا عالم الحديث وعالم المدينة.

الامام مالك والموطأ

اتخذ الإمام مالك خطاً معارضا لأبي حنيفة، وكتب أول كتاب في الفقه الإسلامي والحديث هو كتاب “الموطأ”، هو أول مدونة فقهية. حديثية , وقبله لم تكن هناك كتب إطلاقاً. ..ينسب إلى الإمام زيد كتاب اسمه “المجموع” ولكنه ليس موثوقاً أنه له.

إذن ..أول كتاب موثق في الفقه والحديث هو “الموطأ”. وضعه الإمام مالك قبل عام 179، أي في حياته. وأراد به أن يثبت لأبي حنيفة و علماء المدرسة العراقية بأن الحديث يستوعب كل القضايا التي يحتاج إليها الإنسان.

ورتب الامام مالك الموطأ على أساس الترتيب الفقهي وفقاً للأحكام، أحكام الصلاة، أحكام الزكاة، أحكام العبادات …الخ، الترتيب الفقهي ليؤكد أن الفقه والرواية تغني عن القياس……

مدرسة الشافعي

ظهر الإمام الشافعي، (المتوفى عام 204م )أي 25 سنة من وفاة الإمام مالك. ..كان تلميذاً لمالك وملتزما مع مالك… نقل الإمام الشافعي بتهمة سياسية إلى العراق، بتهمة الانتساب لآل البيت.. فتشفع له الإمام محمد الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة، وشهد له شهادة خرج منها من تهمته وبقي يلتقي بعلماء العراق، يسمع منهم كيف يفكرون في القضايا الفقهية.

الإمام الشافعي تربى على يد الإمام مالك في الأخذ بالحديث. وكان عالماً بالحديث، ولكنه سمع من رواد المدرسة العراقية منهاجها في القياس. وخالف الإمام مالك في كثير من القضايا التي أخذ بها الأمام مالك. وبدأ يجمع ما بين الحديث وما بين العقل. والرأي و القياس.

أوجد مدرسة وسيطة بين الخطين اشتهرت بالوسطية، حافظت على الحديث، وتوسعت في مجال الرأي…هذا هو منهج الإمام الشافعي.

قام بعمل أكبر بكثير من هذا، ولأول مرة، وهذا نوع من الإبداع لدى الإمام الشافعي. كان من العلماء الكبار ويتميّز بعقلية. منطقية كتب كتابا سماه ‘الرسالة”،

الرسالة للشافعي

ما أهمية هذا الكتاب؟

هو أول كتاب في أصول علم الفقه.

ظهور علم اصول الفقه

أصول الفقه ليس هو الفقه… أصول الفقه هو القواعد المتبعة في استنباط الأحكام الفقهية.كيف استنبط، وماهي الطريقة التي استنبط بها.

وكما نقول اليوم: هناك قانون وهناك أصول المرافعات، كيف تتقاضى، وكيف تصل إلى الحكم ؟

أصول الفقه هو العلم الذي يوصلك إلى كيفية استنباط الحكم الصحيح، أن تبحث في قضايا ثلاث في أصول الفقه:

– تبحث في الخطاب

– تبحث في المخاطب

– تبحث في المخاطب به.

او الحاكم والمحكوم عليه والمحكوم به.

الحاكم : هذا النص من أين جاء، هذا قرآن، هذه سنة.

المحكوم عليه: من هو ؟ هو إنسان مكلف؟ الجنين في بطن أمه هل تثبت له بعض الحقوق؟ يجب أن نبحث إذا كان له وجود فى مجال الحقوق الخ…تثبت له له واهمها حقه فى الارث ..

هذه ضوابط الفقه.

النقطة الثالثة في هذه الأصول وهو المحكوم به، وهو الحكم، كيف تستنبط الحكم ؟ كيف نفهم الخطاب ونستنبط منه الحكم أن الصلاة واجبة ﴿وأقيموا الصلاة﴾

هذا أمر، والقاعدة الأصولية تقول: “الأمر يفيد الوجوب”، كل أمر يفيد الوجوب.والنهي يفيد التحريم

إذن إذا قال القانون افعل هذا، فهذا يفيد الوجوب إلا إذا قام دليل على عدم الوجوب.

والنهي، يفيد التحريم، إلا إذا قام دليل على خلاف ذلك.

وإذا كان الخطاب عاما وخاصاً، كيف تفعل؟ هل تقدم العام أم الخاص؟ تقدم الخاص. إذا قلت لطلابي : اكتبوا – أي كل الطلاب عليهم أن يكتبوا، وإن قلت يا فلان أنت لا تكتب، هذا خاص.

إذن هذا خطاب خاص له ألا يكتب. فهو خرج عن دائرة العموم.

ولذلك.. الاستثناء يكون أحياناً بالصفة… البالغون العاقلون، البالغون الساكنون في الرباط. … هذه دلالة الألفاظ.

والشافعى هو أول من كتب هذا العلم في كتابه “الرسالة”، . وكان مبدعاً في هذا الكتاب. أثبت فيه كل القواعد التي اعتمدها.

كان في الماضي الكل يجتهد بغير قواعد…كانت قواعد منطقية ولكن لم تكن مدونة.

أول عملية قام بها الإمام الشافعي أنه قام بتدوين هذه القواعد التي كان يفكر فيها ويعتمد عليها ويطبقها كمعايير للفهم والاستنباط .

في قضية الإجماع كان يقال إجماع أهل “المدينة”، الإمام الشافعي قال الاجماع أن يكون إجماع المسلمين جميعاً، ليس فقط إجماع أهل المدينة ..وطبعاً بدأت اختلافات في المصطلحات والمفاهيم وفي قضايا كثيرة.

بفي نهاية هذه المرحلة، أي ظهور الأئمة، ظهر الأمام أحمد وهو تلميذ الإمام الشافعي…الإمام أحمد كان مُحدِّثاً أكثر منه فقيها. لم يترك منهجاً واضحاً. اشتهر بالمحنة التي مرّ بها وهي خلق القرآن.

كانت له قاعدة وهي : لا نضيف شيئاً في العبادات ولا نحرم شيئاً في المعاملات ولا نضف حكماً في العبادات ليس موجوداً. وهذا منهج السلفية اليوم.

في العبادات لا نضيف شيئاً وفي المعاملات كل شيء مباح إلا ما قام الدليل عليه. هذا المعنى صحيح. فالأصل في الأشياء الإباحة.

أبو يوسف كتب كتاب الخراج. وهو أول كتاب يكتب في قضايا المالية. ثم ظهرت الكتب الستة للإمام محمد الحسن الشيباني التي هي أصل لكتاب “المبسوط” وكتاب “بدائع الصنائع”.

عصر الازدهار التدويني

بعد عصر الأئمة، ، ، بدأ عصر ما سميته الازدهار التدويني، بدأت فيه عملية التدوين بغير حدود. حركة قوية جداً. فأصبحنا نجد مئات الكتب في كل العلوم المختلفة، وكتباً أصيلة في كل المذاهب ابتداء من مذهب مالك، مذهب أبي حنيفة، مذهب الشافعي، .. كتب علم الأصول، التدوين فى كل العلوم حركة نشطة في كل شيء…

أصبحت هناك موسوعات في علم الحديث وفي التفسير، موسوعات لا حدود لها.

ظهر مثلا تفسير الطبري الذي يعتبر من أهم كتب التفسير وبعد ذلك تفاسير أخرى. في علم الحديث بدأ الإمام البخاري ثم الكتب الستة المعروفة (الصحاح الستة) وتفاسيرها وشروحها. وتطورت هذه البحوث إلى درجة كبيرة.

هذه البحوث خدمت آراء الأئمة، علماء المذاهب والأئمة لم تنجب علماء آخرين. كان هناك علماء لا يقلون عن العلماء السابقين. , ولكن لم يتركوا منهجاً متميّزاً كما تركه الأئمة.

كانت هناك مذاهب أخرى غير سنية.كالاباضية والزيدية والجعفرية ..

جعفر الصادق ترك تراثاً كبيراً. فالمذهب الجعفري اليوم له شأن كبير…كان هناك المذهب الزيدي الموجود اليوم في اليمن..كان هناك مذهب الاباضية الخوارج الموجود اليوم في عمان.

كان هناك منهج ظهر متأخراً للإمام ابن حزم الظاهري في كتابه “المحلى “

عشرات العلماء الكبار الذين لم يُخدم فقههم، بالإضافة إلى هؤلاء الذين خدم فقههم. الإمام مالك خدم فقهه في بلاد الأندلس والمغرب وبلاد الغرب الإسلامي كله. خدم فقهه بطريقة كبيرة جداً.

مذهب الحنفي خُدم في أيام الدولة العباسية وأيام الدولة العثمانية، وظهرت مئات الكتب. والموسوعات والفتاوى فيه

كما اشتهر المذهب الشافعى الذى انتشر فى مصر والشام حتى اليوم، خُدم خدمة كبيرة جداً.

الإمام أحمد يُخدم الآن.جيدا ربما السعودية اليوم تحاول أن تخدم الفقه الحنبلي عن طريق كتابات ابن تيمية. وهو أبرز من ظهر في هذا.المذهب بالاضافة وهناك فتاوى ابن تيمية

هناك كتاب مهم جدا في مذهب الفقه الحنبلي وهو كتاب “المغني” هو أقرب ما يكون للفقه المقارن. فهو يتحدث عن آراء الفقهاء في القضية الواحدة….

وإذا انتقلنا إلى العصر الثالث عصر الموسوعات العلمية في التفسير وفي الحديث وفي الفقه وفي الأصول.

خصائص المرحلة الفقهية الاولى

هنا حدث بالنسبة لهذا العصر ثلاث خصائص بالنسبة للقرآن. وثلاث خصائص بالنسبة للسنة وثلاث خصائص بالنسبة للفقه.

ماهي الخصائص الثلاثة المتعلقىةبالقرآن في هذه العصور.

-النقطة الأولى : جمع القرآن

-النقطة الثانية : التنقيط والشكل والتجويد

-النقطة الثالثة : ظهور علوم القرآن والتفسير.

الفراهيدي كان مبدعاً في عملية التنقيط. فلم يكن هناك تنقيط، ووقع التباس كبير. وكان هناك موضوع الشكل لم يكن هناك شكل مثل قضية العروض وقواعد النحو.طبعاً تطورت علوم النحو في هذا العصر.

بالنسبة للحديث أيضاً أشياء ثلاثة :

– تدوين الحديث أولا

– ظهور علم مصطلح الحديث كعلم مستقل لا سابق له. وهو علم الرجال أو علم الجرح والتعديل.

– النقطة الثالثة، ظهور كتب الصحاح والموسوعات الحديثة.

بالنسبة للفقه ظهرت أيضاً امور ثلاثة :

– الامر الأولى : تدوين الفقه

– الامر الثاني : ظهور علم أصول الفقه، وهو علم جديد

– النقطة الثالثة : ظهور الموسوعات الفقهية.

 

عصر الركود الفقهي

ننتقل إلى المرحلة الرابعة وهي العصر الذي جاء بعد ذلك، عصر الركود…عصر تقليد ظهر فيه التقليد والتعصب المذهبي.

التقليد، بمعنى أي أنه لم يعد هناك اجتهاد، أغلق باب الاجتهاد.

لماذا ؟ لأن المجتمع تخلف.

تدخل الأنظمة في القضاء أخاف الناس من الاجتهاد. كان الحاكم يأتي ويقول اجتهد في هذه القضية. إذا أراد أن يأخذ أموال الناس يأمر الفقهاء بالاجتهاد في ذلك. لتبرير ما يريد من مظالمه

قرر العلماء إغلاق باب الاجتهاد. خوفا من استغلال الدين لتبرير الواقع وحدث ذلك.

بدأ الانكباب على الفقه المذهبي المدون. إما أن تكتب متناً له، او تشرح هذا المتن ثم تكتب عليه حاشية. نقول مثلا هذا متن الأجروميّة في النحو من عشرين صفحة. يأتي شخص ويقول هذا شرح الأجرومية.

يأتي آخر ويكتب : حاشية الأجرومية. ثم يعود رابع ويكتب تعليقات فلان على هذا الكتاب. لم تعد هناك إضافة.

ففي إطار المذهب ، كان هناك منهج تقليدي. لم يكن هناك أحد يخالف شيخ المذهب أو يراجع في المذهب، مهما كان عالما. فقد ينظر إليه بازدراء كبير كأنه خرج عن المذهب وعن الإسلام.

فأصبح هناك تعصب من المذاهب.

الشافعي ينظر إلى الحنفي نظرة ازدراء، والمالكي ينظر إلى الحنفي نظرة ازدراء وهكذا. أصبح هناك نوع من المذهبية الضيقة وكل مذهب يرفض المذهب الآخر. بل يقع أحيانا صراع بين اتباع المذاهب وكأنه هو الخصم الكبير.المنافس له واحيانا تلعب السياسة دورها فى تعميق المذهبية لاهداف غير مشروعة ..

أصبح هناك نوع من التعصب المذهبي. وهنا لا نتكلم عن السنة والشيعة، فحتى في المذاهب السنية كان هناك تعصب مذهبي، وانخراط في دائرة المتون والشروح .. لم يعد هناك شيء جديد إلا اجتهادات بسيطة لا تمس الأصول. ولا تخالف فى الفروع

أصبح التقليد هو المنهج المقرر. وامتد ذلك لمدة طويلة جداً ونحن في هذا المنهج. وما زلنا حتى اليوم نعانى من اثر ذلك ..

لم تكن هناك إضافات، هناك كتب ظهرت ولكن هذه الكتب لا تحمل جديداً. ..هي تقرير لما هو موجود. إلى أن جاءت الدولة العثمانية وبدأت في اعداد قانون الأحوال الشخصية. قانون المجلة.العدلية

ظهور مجلة الاحكام العدلية

عندما صدر قانون المجلة، كانت أاول مرحلة أنه بدأنا ننتقل من مرحلة ركود إلى مرحلة فتح باب الاجتهاد. جزئيا لكي نخرج من الإطار المذهبي.

خلال المائة سنة الماضية، ظهرت بحوث قيمة.

الفقه الإسلامي في العصر الحديث

بدا الفقه الجديد، والخروج من الفقه المقارن إلى فقه جديد اليوم مدونة الأسرة في المغرب تستمد أحكامها من كل المذاهب الفقهية. لم يعد المذهب المالكي هو المصدر الوحيد ولكن يمكنها أن تأخذ من أفكار المذاهب الفقهية الأخرى…وأحياناً قد تستحدث حكما جديداً لم يكن موجوداً.

النقطة الثانية : أسلوب الكتابة في الفقه اليوم تغير.عما كان عليه .. كان أسلوب الكتابة الفقهية فيه شيء من الضغط الكبير. وعندما تقرأ النص تجد صعوبة كبيرة كي تفهم النص ..اليوم أصبحت الكتابة الفقهية ميسرة. فأصبحت تقرأ الكتاب الفقهي مثلما تقرأ الكتاب الأدبي.أما في الماضي كنت تقرأ سطرين وتحتاج إلى ساعة كاملة لكي تفك ألغاز الكتابة الفقهية.

قديماً كان الأستاذ يشرح النص الفقهي كلمة كلمة وليس كموضوع. ..اليوم لما تقرأ كتابة فقهية تجد أسلوباً راقياً، أدبياً جميلا، وكذلك استفادوا كثيراً من الكلمات القانونية التي لم تكن في الماضي. ..نقول التعسف فى استعمال الحق الخ. لم تكن كلمة حق موجودة في الفقه الإسلامي. كنظرية متكاملة للحقوق ..

إذن ..أخذت بعض الألفاظ من القانون، فقد استفاد العلماء من المناهج القانونية في تطوير الفقه الإسلامي.وتيسير فهمه كما استفاد القانون من كثير من المصطلحات الفقهية ..

ظهرت موسوعة فقهية ..لأول مرة في الكويت منذ سنوات. وهذا مجهود كبير. وقد أخذت من المذاهب الأربعة.

أصبحت هناك مؤتمرات مختصة في علوم مرتبطة بالفقه الإسلامي، عن الاقتصاد الإسلامي، وعن السياسة الشرعية والمعاملات والعقوبات فأصبحت الدراسات اليوم تأخذ جانباً منهجياً…. لم نعد نسمع موضوع الفقه الإسلامي. فالفقه الإسلامي فيه موضوعات يمكن أن نقارن بين النظام السياسي والنظام الاقتصادى وانواع المعاملات الخ….

أصبح هناك نوع من التخصص. فالعالم أصبح اليوم متخصصاً في نوع أو آخر من مواضيع الفقه الحديث.

تطور الفقه الإسلامي، مازالت قضية الاجتهاد خجولة، فالأنظمة تتهيب من الفقهاء و العوام يغلب عليهم التقليد.

لكن قوانين الأسرة استطاعت أن تستفيد من الاراء الفقهية المختلفة

المجمع الفقهى امام الملك الحسن الثانى

في عام 1973 اقترحت على جلالة الملك الحسن الثانى فى الدروس الحسنية موضوعاً هو إنشاء مجمع فقهي إسلامي، تطرح فيه قضايا الإسلام.المعاصرة من الناحية الفقهية واهتم جلالة الملك بهذه الفكرة وقرر إنشاء مجمع فقهي إسلامي في ذلك العام وأعلن عنه وكان ممكناً أن يكون فى المغرب .. مؤتمر القمة الاسلامى تبناه وأنشأ المجمع بعد عشرين سنة ولكن ليس بالصورة التي كنت أتمنى أن تكون فقد .أخذ يدرس بعض القضايا ولكن لا يضيف شيئاً… الفقه الإسلامي ما كان وما سوف يكون.

كل جهد نبذله في الفقه الإسلامي سيضاف إلى هذا الفقه وطالما أن الحياة الاجتماعية تتطور فالفقه الإسلامي يتطور مع الحياة الاجتماعية ويعطي حلولا مناسبة لقضايا الناس.

لا يمكن أن أعيش مشكلة اليوم وأبحث عنها في كتاب كتب قبل 500 أو 700 سنة….اسلافنا كانت لهم قضاياهم. ويناقشون قضاياهم من منطلق واقعهم…والفقه يعب عن قضايا كل عصر ويضيف الجديد من اراء فقهاء كل عصر ..

نحن اليوم أمام قضايا جديدة لها طبيعة مختلفة. ولهذا، فالفقه المالكي كان واسعاً فيما يسمى النوازل.فقه النوازل كان يعبر عن حاجات اجتماعية مختلفة أو ما يسمى فقه العمل. العمل الرباطي والعمل الفاسي والعمل السوسي والعمل الأندلسي.

فهذا يعبر عن حاجة المجتمع لقضايا قد تكون مستجدة ، لها ظروفها ولها أحوالها. هذا موضوع من الموضوعات التي تحتاج إلى دراسة.

أهمية دراسة تاريخ الفقه

لكي نفهم الفقه الإسلامي لابد ان ندرس تاريخ الفقه الإسلامي كيف بدأ، كيف تطور، عوامل الازدهار، عوامل الجمود والتوقف. لكي نستفيد منها في إظهار منهج جديد، نستطيع به أن نواكب حركة التاريخ ومسيرة الإنسان في مناقشة قضايانا الفقهية، التي لا نستطيع أن نستغني عنها. سواء في مجال الأسرة أو في مجال المالية، أو في مجال الحكم وكل المجالات الفقهية المختلفة.

أشعر بسعادة كبيرة وأنا أقدم هذا البحث. الى اعضاء الاكاديمية وأعتذر لأنني أطلت كثيراً. ولكنى حاولت الاختصار بقدر الإمكان. أرجو أن يكون الموضوع واضحاً، واستطعت أن أوضح مواضيعه بطريقة مبسطة. وقريبة من الفهم واشكركم لمتابعتى فى هذه الرحلة التاريخية الشاقة والله يحفظكم ..

( الزيارات : 7٬635 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *