الاستاذ احمد بنسودة

3 –   أحمد بنسوده :

هو الشخصية الأكثر شهرة في عهد الحسن الثاني , عمل كمدير للديوان الملكي وكمستشار للملك لمدة تتجاوز ربع قرن  , واستمر في منصبه بالرغم من مرضه وانقطاعه عن العمل , وينتمي إلى أسرة بنسوده المعروفة بمكانتها العلمية , وهي أسرة فاسية هاجرت من الأندلس إلى فاس قبل قرون , واشتهرت هذه الأسرة بعلمائها وفقهائها ومحدثيها , وهم رواد المنابر الشهيرة بالعاصمة العلمية فاس .

نشأ احمد بنسوده في أحضان أسرة علم وفقه وحديث , وكان من رموز الحركة الوطنية ومن المجاهدين الأولين في الكفاح الوطني , ودخل السجون في عهد الانتداب الفرنسي , وكان خطيباً مفوهاً وكاتباً صحفياً لامعاً , وعمل في صفوف حزب الشورى المنافس لحزب الاستقلال , وكان صديقاً شخصياً للسيد عبد الهادي بو طالب المستشار الملكي والسياسي المعروف.

سمعت باسم احمد بنسوده قبل أن القاه واشتهر بنشاطه المؤيد للمنظمات الفلسطينية عندما كان سفيراً في لبنان, وتولى قبل ذلك الوزارة بعد الاستقلال , وعرفته شخصياً عندما ابلغني رسمياً بقرار جلالة الملك تعييني مديراً لدار الحديث , وكان مديراً للديوان الملكي , ولما زار الكويت بعد ذلك بشهر استقبلني في الفندق الذي كان ينزل فيه وابلغني ان جلالة الملك أرسل رسالة إلى أمير الكويت الشيخ صباح السالم الصباح يبلغه فيها بهذا الترشيح ويطلب منه الموافقة على ذلك , وأعطى تصريحاً لجريدة الرأي العام الكويتية يتضمن شكره للأمير على انتدابي للمغرب , ونشر هذا التصريح في هذه الجريدة ..

وأثناء لقائي به فى الكويت ابلغني موافقة الأمير على انتدابي للمغرب , ولما رأى ترددي ومخاوفي شجعني كل التشجيع , قال لي : لا تخف ولا تتردد فأنت في المغرب في رعاية ملك المغرب ,.

ولن تندم أبداً على انتقالك للمغرب , فملك المغرب هو الذي اختارك بنفسه وهو الذي رشحك , ولا سلطة لأحد عليك ..وكنت قبل لقاء الأستاذ احمد بنسوده في الكويت أظن ان الترشيح مجرد مبادرة ملكية غايتها التشجيع والتكريم , وكنت أدرك صعوبة هذا القرار ومشقته ,

أحسَّ الأستاذ بنسوده بهذه التساؤلات,و كانت ملامحي تدل على ما يجيش في نفسي من خواطر , قال لي : أُدرك جيداً ما تفكر فيه هنا في الكويت ،, ولكنني أقول لك : لن تندم أبداً , سيقدر الملك تضحيتك بعملك وسينزلك المنزلة التي تليق بك ..

عدت إلى داري  وقد ترجح لي قبول هذا الانتقال , وشعرت بالطمأنينة والأمان , وأنني لن أكون وحيداً .. ولن أكون غريباً .. منطقي العقلي كان يحذرني من مغبة المجازفة والمغامرة , وعاطفتي تشدني إلى الرحيل , شوق خفي يناديني ويلح عليّ .. كنت في منعطف , تمنيت أنني ما عرفت المغرب لكي اخلص من هذا التردد , لست قادراً على الاعتذار فالصوت الخفي في أعماقي يناديني , الرحيل الرحيل .. لا خيار لي .. لست قادراً على تجاهل هذا الصوت القادم من أقصى بلاد العرب والإسلام .. كلمات الأستاذ بنسوده بقيت حية , أيقظت ذلك المارد النائم , كلمات رجل تجد في ملامحه نبل الرجال وصدقهم .. وعندما توجد الإرادة تهون الصعاب ولا تشعر بأي مشقة .. وصلت الرباط ورأيت احمد بنسوده في مكتبه في الديوان الملكي كما هو في ابتسامته المعهودة قال لي : أسرتنا قبل قرون هاجرت من الأندلس إلى المغرب , نحن مثلك لسنا مغاربة , نحن أحفاد لأولئك الرجال الذين رحب بهم المغرب قبل قرون , وها نحن نرحب بك .. من يدري فقد يصبح أحفادك مغاربة وتابع حديثه : أنت أتيت إلى المغرب مدعواً من ملك المغرب والمغاربة يحبون العلم والعلماء .. وسوف تكتشف المغرب , وأبلغني أن الملك سيستقبلني غداً استقبالاً رسمياً وسوف يصحبني إلى قصر السلام الذي يقع في طريق زعير .. وفي الطريق إلى القصر الملكي اخذ يحدثني  عن المغرب والتقاليد المغربية , وكان يرافقنا وزير التعليم العالي الدكتور عبد اللطيف بن عبد الجليل ورأيت الملك في قاعة جميلة من قاعات القصر واقفاً ورحب بنا أجمل ترحيب بعبارات رقيقة وكان فى غاية اللطف والتهذيب, وتوقعت ان الأستاذ بنسوده حدث الملك عما كان يدور في ذهني في الكويت , قال لى الملك : أنت ضيفي وطريقك لى مفتوح دائماً, وهذه بلدك ونحن اهلك.. ونحن معك في كل خطوة ولن تكون وحدك ..

ولم اسعد بلقاء كما سعدت بهذا اللقاء , وشعرت بالطمأنينة تغمرني , وزال الخوف كلـه , وشعرت بالأمان .. نظر إليَّ الأستاذ بنسوده وابتسم ,وكأنه كان يقول لي ما قالـه لي من قبل أثناء لقائي به في الكويت ..

وكنت أشعر دائماً أن أحمد بنسوده هو الأقرب إلي والأصدق , كان على خلق ونبل , وكان صدره رحباً باستمرار , وأصبحنا فيما بعد صديقين حميمين , كنت أحبه وكان يحبني , كنا نصلي الجمعة معاً في مسجد أهل فاس في المشور السعيد في الرباط , داخل القصر الملكي لمدة سبعة عشر عاماً , ونجلس متجاورين , في زاوية خاصة محجوزة لي ولـه ولا يجلس فيها أحد , وحضرت يوماً ورأيت مكاني مشغولاً فجلست بعيداً , قام الأستاذ بنسوده من مكانه وجاء إلي وامسك بيدي وقادني إلى مكاني بعد أن طلب من الجالس  فيه أن يبتعد قليلاً , وعندما كان يدخل المسجد يقرأ القرآن بصوت عال مع مَنْ يقرأ  قراءة جماعية كما هو الشأن في المساجد قبل صلاة الجمعة . وكان يحفظ القرآن جيداً ويتلوه بصوت جهوري جميل على الطريقة المغربية , فإذا انتهت صلاة الجمعة جلسنا معاً في حديث ودي لمدة تزيد عن نصف ساعة ,  ويخرج كل من المسجد ونبقى معاً في حديث ثقافي أو فقهي وأحياناً نبحث عن التقاليد المغربية أو عن واقعة تاريخية ,وفي بعض الأحيان نتحدث في القضايا المعاصرة والقضايا المستجدة  , واسمع رأيه وأحياناً يسألني عن رأيي فأجيبه بصراحة كما أرى الأمر , ولم أكن أسألـه عن أمر سياسي إلا إذا بادر هو إلي تناولـه ,فإذا تحدث فيه أبديت رأيي فيه ,حرصاً مني على ألا أحرجه في سؤال ,وبخاصة وإنني أعرف انه مؤتمن على أسرار الدولة ومواقف المغرب , وكثيراً ما كان الملك يوفده في مهمات سرية إلى رؤساء الدول العربية , ولم يكن من المستحسن أن اسألـه عن ذلك إلا إذا بادر هو لذلك.. وكان يصلي إلى جانبنا سفير المملكة العربية السعودية السيد علي ماجد القباني الذي كان عميداً للسلك الدبلوماسي , واستمر سفيراً لبلاده لمدة سبعة عشر عاماً , وكان يشاركنا  في جلسة الجمعة في بعض الأحيان , وأحياناً كان يخرج بعد الصلاة مباشرة , وكان صديقاً شخصياً لي ..

اشتهر الأستاذ احمد بنسوده بالدماثة واللباقة وحب الخير ومحبة الناس ومساعدة من يحتاج إلى مساعدة , وهو شخصية إسلامية ملتزمة, ويحب المشرق العربي والعالم العربي , ولـه صداقات عربية كثيرة , وهو موطن ثقة الفلسطينيين, وتربطه صلات جيدة مع السعودية ودول الخليج .وعندما أقعده المرض والشيخوخة أقامت لـه وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية حفلة تكريم بعد وفاة الحسن الثاني , ودعوني لإلقاء كلمة في هذا الحفل التكريمي , وزرته مراراً في مرضه , الذي أقعده في داره لمدة سنوات..

احمد بنسوده شخصية متميزة , ولـه مساهمات كبيرة في كل المواقف الوطنية , وكان الملك الحسن الثاني يقدره ويعتمد عليه , وهو أول عامل مغربي على الصحراء المغربية بعد تحريرها , وكان محباً لمدينة فاس ولكل الأسر الفاسية , وانشأ مكتبة باسمه في داره بمدينة فاس ..

كان عالماً ووطنياًً ومجاهداً وخطيباً وهو المدافع عن العلماء في مجالس الملك و ولـه دور في إنشاء المجالس العلمية , وهو رجل مؤمن وملتزم بالدفاع عن قضايا العالم العربي والإسلامي , ومن أنصار التقارب بين المغرب ومحيطه العربي والإسلامي ..وعندما انقطع عن عملـه بسبب المرض بقي مكتبه في الديوان الملكي فارغاً لمدة سنوات , ولم يسطع احد ان يملأ الفراغ الذي تركه على مستوى القرار السياسي , وفقدت الرموز الإسلامية سنداً كانت تعتمد عليه وتثق بصداقته ووفائه لها ودفاعه عنها..



  أنظر كتاب الأكاديمية عن كلمات استقبال الأعضاء ص 201

( الزيارات : 1٬128 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *