الاستاذ محمد مكى الناصرى

   محمد المكي الناصري :  :التقيت باالشيخ محمد مكي الناصري لأول مرة في مؤتمر وزراء الأوقاف العرب الذي انعقد بالكويت عام 1972 ، وهي أول مرة التقى شخصية مغربية رسمية ،كان وزيراً للأوقاف وللثقافة في ذلك الحين والتقينا في إطار المؤتمر ثم التقينا بعد ذلك لقاءاً شخصياً بناءً على طلبه ،كان في الستين من عمره وكنت في الثانية والثلاثين من عمري ،كان يرتدي الملابس الأوربية والطربوش الأحمر ، ألقي خطاباً جيداً في المؤتمر ،وكان شخصية وطنية كبيرة ورئيس حزب وطني ،وتولى مناصب سامية في بلده ، ولـه مواقف مشهودة ،ويتمتع بالجدارة والوعي والشجاعة ، حدثني خلال اللقاء عن المغرب ، عن تطلعات الملك لنهضة إسلامية واسعة ، كان متحمساً للعمل وجاداً وصادقاً ، وهو من رموز المغرب من الناحية الثقافية والوطنية، ويحظى بمحبة الملك ، وولاؤه مطلق للعرش المغربي ..

تولى منصب السفارة والوزارة كما كان عاملاً على أغادير وعين رئيساً للمجلس العلمي بالرباط وانتخب أميناً عاماً لرابطة علماء المغرب ، وهو عضو مجلس الوصاية ..

توطدت العلاقة بيننا خلال ذلك اللقاء السريع ، وأبدى إعجابه بمستوى الحوار الفكري بيني وبينه , وكان طموحاً لعمل إسلامي كبير ،وكان يريد أن يحدث شيئاً يُمِّكن المغرب من استعادة دوره القيادي في العالم الإسلامي ..وعندما عاد إلى المغرب رشحني للمشاركة في الدروس الحسنية  التي تُلقى بحضرة جلالة الملك بالقصر الملكي ،عندما وصلت الدعوة ترددت كثيراً في قبول الدعوة لأسباب عدة , أهمها ما كنت أسمعه من خلال وسائل الإعلام عن المغرب من مؤامرات ومحاكمات  واضطرابات, وخشيت أن لا تلقى أفكاري قبولاً لدى الملك ,فضلاً عن طبيعة التقاليد الملكية الصارمة , وأخيراً قبلت الدعوة, وعندما وصلت المغرب طلبت زيارة صديقي محمد مكي الناصري وزير الأوقاف , فأبى أن أزوره إلا بعد أن يزورني في الفندق للترحيب بي ,وقد أكبرت هذا الموقف ,واكتشفت عظمة هذا الرجل ونبله, وكان الترحيب بي كبيراً من الوزير وكل مسؤولي الوزارة الذين زاروني في الفندق ,وحضرت مجلس الملك في المساء وقدمني الوزير إليه ,فرحب الملك بي أجمل الترحيب وأحاطني  برعاية خاصة.. وكان الملك في غاية الادب واللباقة في إ بتسامته وترحيبه ..

عندما نشبت الحرب بين العرب وإسرائيل في 6 أكتوبر 1973 كنت في المغرب , وابلغنا الملك بأخبار الحرب , وطلب من كل الحاضرين ترديد ” ياقوي يا عزيز ” ,وتوقفت الدروس وفرحت لانني تهيبت القاء درس في حضرة الملك وكبار العلماء والشخصيات الرسمية,إلا ان الملك طلب مني أن ألقي درسى في اليوم التالي وهو الدرس الأخير ,ولاأدرى لماذا طلب الملك ذلك , فرح الشيخ مكي الناصري واعتبر ذلك تكريماً لي, وكان يريدني أن انجح في هذه المهمة الصعبة , نظراًُ لأنه هو الذي رشحني ,واتصل بي مشجعاً ,وعندما حضرت المجلس في المساء كانت العيون ترمقني بدهشة , فقد كنت الأصغر سناً بين الحاضرين ,وكنت ارتدي الملابس الاوربية , وكان الحديث أمام كبار علماء العالم الإسلامي محرجاً, والكل يتساءل: لماذا اختاره الملك لإلقاء الدرس الأخير ..

ولما أعطاني الملك إشارة البدء بالكلام انطلقت بعفوية أتحدث عن ملامح الاقتصاد الإسلامي بطلاقه, ونسيت أنني أحدث ملكاً مهاباً .. وشرحت أفكاري واقترحت إعادة النظر في مناهج الفقه  ودعوت إلى تجديدها عن طريق إنشاء المجمع الفقهي ,ولما انتهى الدرس استقبلني الملك بأجمل عبارات الثناء والتقد ير , واراد أن يستقبلني بصفة شخصية لمناقشة هذه الأفكار , وطلب مني أن امدد إقامتي في المغرب لمدة أسبوع آخر وان القي محاضرات فى المدن المغربية, وفرح الشيخ مكي الناصري كل الفرح , وكان سعيداً كل السعادة , واعتبرذلك نجاحا لـه ..

ولما عدت إلى الكويت تلقيت عشرات الرسائل من أصدقائي المغاربة ,من عرفت منهم ومن لم اعرف , ومنهم الحاج محمد ياحنيني الوزير القوي في المغرب ,والداي ولد سيدي بابا وزير التعليم العالي , والشيخ عبد الرحمن الدكالي شاعر القصر , واحمد بن سوده مدير الديوان الملكي ومولاي حفيظ العلوي وزير القصور الملكية ,وعندما دعيت للمرة الثانية للدروس الحسنية كان الشيخ مكي قد غادر الوزارة وتولى السيد الداي ولد سيدي بابا الوزارة خلفاً لـه ..ولما زرته في داره بحي أكدال كان حزيناً لأنه لم يحقق طموحه الذي كان يريد تحقيقه في ا يجاد نهضة ثقافية وفكرية من منطلق الإسلام , وكان محبطا ,لان خصومه أبعدوه عن الوزارة , وكان لـه خصوم كثر , نظراً لاستقامته وصراحته وجرأته .. وكان قليل الكلام وتغلب عليه العزلة ,وأبلغني أن خصوم الثقافة الإسلامية خافوا من خطواته وطوقوه وأبعدوه عن الوزارة ,وكان الملك يحبه ويقدر جهاده وينتصر لـه ..

وعندما جئت إلى المغرب كمدير لدار الحديث الحسنيةبعد اربع سنوات فرح الشيخ مكي الناصرى وقال لي : مهمتك عسيرة وخصوم الثقافة الإسلامية سيقفون لك بالمرصاد كما فعلوا معي .. وكنت على صلة دائمة به ,و كان وفياً صادقاً شجاعاً صاحب حجة قوية , وكنا نحضر المؤتمرات والندوات العلمية معاً .. وأقامت دار الحديث لـه حفلة تكريمية نظمتها جمعية العلماء الخريجين , وألقيت كلمة ترحيبية, وحضر كبار رجال الدولة هذه الحفلة , وكان سعيداً بها , وأطلقت على المدرج العام لدار الحديث اسم مدرج محمد مكي الناصري , ثم أصبحنا زملاء في رحاب الأكاديمية المغربية لمدة سنوات , ولما توفي شاركت في تشييعه وحزنت عليه , , انه الصديق الذي أحببته ولقائي به في الكويت هو الذي غّير مسار حياتي وجعلني انتقل من الخليج إلى المحيط..

( الزيارات : 686 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *