التدخل الخارجى فى المنطقة العربية

 ذاكرة الايام..التدخل الخارجي فى المنطقة العربية

كان عام 1990 منعطفا كبيرا فى حياة المجتمع العربي , ما بعده لم يكن كما كان قبله , كانت هناك نكسات وهزائم قبل ذلك , وكان المجتمع كله يقف وقفة واحدة متماسكا متكافلا رافضا الهزيمة او الاستسلام , كانت نكسة 1967 مؤلمة وجارحة وحزينة , وكانت هناك نكسات اخرى فيما بعد , وكانت حرب العراق وايران دامية وعابثة , ولكن الانفعالات اذا تحكمت اسقطت , حماقة القيادات لاتعرف الرحمة , وانتصرت العراق ولكن الحرب لم تنته ولو توقفت , وفى لحظة غاضبة غزا العراق القوي الكويت المستضعفة , لا احد يعرف اسرار هذا الغزو , كان العراق فى قمة شموخه , وصعب على قيادته المنتصرة ان تجد تحديا من دولة عربية صغيرة , تلك هي محنة الطغاة فى كل عصر , يهدمون كل ما بنوه فى لحظة غاضبة , استنجدت الكويت باكبر دولة واقواها , ووقفت دول الخليج مساندة فى جبهة واحدة , وكانت هي الفرصة المنتظرة لتنفيذ ماهو مخطط له فى الخفاء , وهو القضاء على تلك الدولة الوليدة التى يمكن ان توقظ المارد فى كل المنطقة , لم يكن اي احد يتصور ما يمكنه ان يكون , كانت العراق كما كانت مصر من قبل , املا لشعوب المنطقة , كانت الجدار الذى يمنع السيول المتدفقة , والاخطار المحيطة , كان العراق اقوى , وكانت الحملة الصليبية الظالمة تتقدمها جيوش عربية واسلامية , وتتقدم الجميع  اعلام الدولة الحامية للحرمين الشريفين  , وحمل ملكها فهد  انذاك علم  الهجوم على العراق لتدمير كل شيء فيه , تلك هي البداية , بعد غزو الكويت ذهب اميرها الى رئيس امريكا شاكيا وباكيا , واعقبته زيارات مماثلة من قادة دول الخليج مستنجدة مستغيثة  , دول قبضت الثمن ودول خافت واذعنت , كانت الحرب ستكون بهم او بدونهم , قبل الحرب انطلقت وفود كبيرة المستوى من الكويت والخليج لاقناع الهيئات الاسلامية الكبرى بتاييد الاستعانة بالجيوش الاجنبية لحرب العراق , كان الشعار هو تحرير الكويت وكانت الغاية  تدمير العراق اولا وهو المطلوب , ما ازال اذكر ان وفدا رفيع المستوى يرأسه رئيس مجلس النواب الكويتى  زارنى فى مكتبى فى دار الحديث الحسنية فى الرباط , وطلبوا منى ان اصدر بيانا مؤيدا للتخل الاجنبي  لتحرير الكويت , واستدعيت عددا من كبار العلماء لحضور اللقاء وقلت لهم : اما تحرير الكويت فهذا امر لاخلاف فيه وكلنا معكم فيه فى كل ما تقررون , اما استدعاء  قوات اجنبية والاستعانة بها فهو امر لا يمكن قبوله  ولا تبريره , انه امر خطير النتائج وهو جريمة بحق هذه الامة كاملة ويتخطى موضوع الكويت , وكنت واثقا انه سيكون ولا عبرة لمن يعترض او ينكر , واعربت معظم الدول العربية وكل الشعوب العربية عن استنكارها لذلك , وكان القرار قد انتهى , كان احتلال المنطقة هو الهدف للسيطرة علي ابار النفط واستنزاف كل الثروات وتمكين الانظمة العميلة من التحكم فى القرار , وانكشفت الاسرار وافتضح ماكان مخفيا , وكانت القبضة قاسية على كل المنكرين والمعارضين , قلت لذلك الوفد : اننا نخون ضمائرنا عندما نبرر العدوان , اذا دخلت القوات الاجنبية فلن تخرج ابدا وسوف تخسرون جميعا , الكويت سوف تتحرر ولكن بارادة عربية وحكمة لاتترك جراحا دامية , تلك كانت امانة , وقد اغضبت البعض , كنت ادرك ثمن التدخل الاجنبي , تلك امنية وكلهم يسعى اليها , وانكشف المخطط ودخلت اقوى الجيوش لتدمير العراق جيشا وشعبا وحضارة , كان الناس فى الشوارع يبكون على العراق , انتهى العراق واصبح هشيما محاصرا جائعا مستذلا , وتمكنت منه ايران وكانت اقسى على دول الخليج من العراق , وتمكنت ايران ان تسيطر على دول المشرق العربي وان تحكم سيطرتها على قرارها , بعد اكثر من عشرسنوات جرى احتلال العراق فى وضح النهار واذلال قادته واعدام رئيسه  بمساعدة دول الخليج العربية التى اصبحت قواعد عسكرية لامريكا  , كل من افتى بجواز الاستعانة باجنبي ضد بلده ودولته وشعبه فقد اساء وارتكب اثما ولا عذر له فيما قال , من استعان بعدو له فنهايته وخيمة , لانه ارتكب جريمة , فان كان من اهل العلم فقد ضل , والضلال قد يكون عن جهل او سفه , وان كان من اهل السياسة فقد خان الامانة , وكان بما فعل ظالما واثما , العدو عندما يدخل ارضك فلا تتوقع ان يخرج منها , فلا تبرر له  عدوانه , فى عصر التخلف والجهل يمتطى الحكم قادة سفهاء قلما يحسنون , يتمسكون بعروشهم ولو كان ذلك مكلفا لشعوبهم  , انهم يشترون الحكم ولو كان الثمن هو الوطن كله , لانهم يعتبرون انفسهم هم الوطن فاذا زالوا زال بزوالهم الوطن كله , تلك هي محنة الشعوب اذا تخلفت وزاد جهلها وتمكن منها طغاتها , والوطن العربي اليوم يمر بازمة كبيرة تهدد الكيان العربي كله , النظام العربي اليوم ليس سليما والمؤشرات ليست سليمة ولا مبشرة , هناك خريطة جديدة قد تنفذ والان يجرى اعدادها والتحضير لها وقد تتقلص رقعة الوطن العربي عن طريق تشجيع التطلعات القومية فى مواطن كثيرة كانت متلاحمة وموحدة , والصراع العربي الفارسى ليس امرا مبشرا ولا مريحا وهناك من يشجعه ويشغل النار فى الغابات التى كانت متجاورة ومتعايشة على امتداد قرون طويلة , اسرائيل هي الخطر الاوحد الذي يستحق الاهتمام والمواجهة وهو الجبهة الوحيدة التى يجب التفكير فى خطرها , اسرائيل سوف تعبث بالمنطقة العربية الممزقة والمتهالكة , وسوف تكون اقوى بسبب ما عليه الدول العربية , منطقة الخليج التى اقيمت فيها عدة دول على ساحل الخليج سوف تتعرض لاحطار وتستنزف الثروة العربية فيها ثمنا لسلاح لا اهمية له وصفقات وهمية لاسترضاء الدول الكبرى المتطلعة لتلك الثروة , ما زلنا فى المربع الاول وهو مربع التفكيك والتمزيق , وهناك مربعان قادمان , كانت حرب الخليج الاولى هي البداية , اما النهاية فقد تكون بعيدة ولا اظنها ستكون مفرحة , الربيع العربي قد يمتد لعدة عقود , وفى النهاية ارادة الشعوب سوف تنتصر , مهما كانت التضحيات , والاسلام يمنح هذه الشعوب قوة الدفاع عن ذاتها مهما كانت التحديات , الانظمة قد تتغير وتتبدل الى ماهو افضل فهما لماهو مطلوب لتلك الشعوب من مطالب , والاسلام صامد مهما كانت التحديات ..

( الزيارات : 40 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *