الحاج محمد باحنينى

5 –  الحاج محمد با حنيني

شخصية متميزة اشتهرت بولائها المطلق للعرش ، وكان الملك الحسن الثاني يحبه ويعتمد عليه ويثق به ، وهو أستاذ للملك ، ولذلك فقد كان في موطن الرعاية المستمرة, وتولى الوزارة منذ بداية عهد الحسن الثاني إلى أن توفاه اللـه ،و تولى الأمانة العامة للحكومة لمدة طويلة ، ثم تولى وزارة العدل ووزارة الثقافة ثم وزارة الدولة ، وهو الوزير الذي كان يشرف على المصالح الملكية من الناحية الإدارية والمالية ، كما أسندت إليه مهمة الإشراف على تربية ولي العهد …

وكان يكتب الخطب الملكية والرسائل وخطاب العرش ويكلف بالمهمات الخاصة السرية على مستوى مجلس الحكومة وهو المؤتمن على أسرار القصر والحكومة والوزراء . .

عرفته في أول زيارة لى إلى المغرب عام 1973 ، وبدأت الصداقة بيننا قوية ومتينة ، وأحببته ووثقت به ، وكان أديباً ولطيفاً ولبقاً ، وعندما  استقبلني الملك في يوم تعييني كمدير لدار الحديث حضر الاستقبال الملكي مع الأستاذ أحمد بنسوده ,وكلفه الملك بأن يرأس حفل التنصيب ، وألقى كلمة رائعة الاسلوب عميقة الدلالة في ذلك الحفل، ودعا الوزراء والسفراء والعلماء لتلك الحفلة, وأذيعت الكلمة كاملة في التلفزيون ,ونشرت في الصحف ، وفي مجلة المناهل التي تصدرها وزارة الثقافة .

كان كاتباً لا معاً وأديباً متمكناً جميل العبارة ، ألفاظه منتقاة بعناية ومعانيه جميلـة ، وهو صاحب مدرسة أدبية خاصة في أسلوبه الراقي ، ويحرص على كتابة رسائلـه الإدارية بنفسه ، لكي يحافظ على مستوى رسائلـه …

امتدت صداقتنا لمدة عام منذ فبراير 1977 إلى شهر ابريل 1978 ، كنا نلتقي كل يوم في المناسبات الرسمية واللقاءات  العامة, وكان يحرص على هذه الصداقة كما أحرص عليها ، وكنت الأقرب إليه ..

قال في كلمته الموجهة للمدعوين خلال حفل التنصيب :.

عهد إلي صاحب الجلالة الحسن الثاني أدام اللـه ناضر زمانه وواطد سلطانه بتسليم مقاليد هذا المعهد الموسوم باسم العاهل الكريم الظافر بالسابغ من كلاءته ورعايته إلى مديره الجديد العالم النحرير الدكتور فاروق النبهان ، وإني لمبتهج شديد الابتهاج ومعتز عظيم الاعتزاز بأن يضفي عليّ شرف هذا التسليم ، ويختار للحظوة بهذا المنصب الجليل صديق مبجل عزيز ، وإذا كانت الأعراف جارية في مثل هذه المناسبة بتقديم من يقع عليه الاختيار وتسند إليه المهام إلى الملأ من ذوي الصلة والعناية ، فما أراني اليوم بحاجة إلى ركوب مسلك مألوف والأخذ امتثالاً للعادة بعرف معروف ، ذلك أن الدكتور الفاضل أغنى بما فيه بلاغ للسائلين ، فقد قدم نفسه أحسن تقديم إلى مختلف طبقات المثقفين في مشارق الأرض ومغاربها بما ألقى من دروس وألَّف من تآليف وتحدث من أحاديث وعرف الناس بالواسع من درايته والدقيق من بحثه والصحيح من استنتاجه والمتصل من كفاحه ونضالـه إعلاءً لكلمة الدين وتبييناً لاعلام الفكر الإسلامي وترغيباً فيما أنجبته العبقرية الإسلامية من ثقافة غنية مخصاب وأبقته من تراث شامخ بهيج./

خلال عام ، كانت الصداقة بيننا قوية متينة ، وهي الأقوى من كل الصداقات ، والأحب إلى نفسي، نظراً لما لمسته منه من نبل أصيل ووفاء عجيب ، وكنت أصارحه بكل شيء ، وأستشيره في كل أمر، وأثق بنصحه ورأيه ، وبخاصة وقد كنت قليل المعرفة بالمغرب وبرجالـه وتقاليده ، وقد فتحت لـه قلبي ، فإذا صادفني أمر كنت أعرضه عليه ،وكنت اثق بنصائحه…

ابتعد بعض  أصدقائي السابقين عني بسبب صلتي القوية به , وشعرت كأنني قد التحقت بمعسكر في مواجهة معسكر آخر ,وذلك أمر لم أكن أعرفه من قبل ,وكان أقوى من خصومه مجتمعين بسبب قربه من الملك , واعتماده عليه, وكان مؤتمناً على اسرار الدولة ,و مخلصاً في ولائه ..

لم أكن ادري طبيعة الاوضاع الداخلية في المغرب ,وكانت احزاب المعارضة هي الاقوى  شعبياً,وهؤلاء ينظرون نظرة خاصة لرجال الحاشية الملكية,وهناك تنافس بين رجال الحاشية ناتج عن الاختلاف فى الرأي  فى المواقف السياسية ,وهناك الخط الذي يريد للمغرب أن يكون في إطار محيطه العربي وهناك الخط الذي يؤمن بالغرب ويشجع على أن يقترب المغرب من الغرب ,ويبتعد عن ضجيج المشكلات العربية المشرقية , وهناك تنافس ثقافي بين أنصار الثقافة العربية ودعاة التعريب والثقافة الفرنسية , وكان الملك يعرف كل ذلك ويسمع وجهات النظر المختلفة قبل ان يتخذ قراره , وهو  اسلوب صحيح فى الحكم ,ووجدت نفسي فى البداية أتخبط في محيط كبير لا أعرف أسرار أمواجه الصاخبة ,وكان الكل ينظر إلى هذا القادم من المشرق ويحمل معه أحلامه واندفاعاته الحماسية, ولم يكن يظن أن كل كلمة تسجل عليه,وربما يضيق البعض به..

بدأت ملامح الضيق على الوجوه والمواقف ,وابتدأت الصعوبات تتسع وتضيق الخناق علي  , وكان الحاج محمد باحنيني يقف إلى جانبي ,و لم يكن بإمكاني أن أواجه مجتمعاً وأنا غريب فيه , وجلست على كرسي يتطلع علماء المغرب ورموزه العلمية أن يجلسوا عليه .. وكنت اعلم انهم أحق مني به ولكن لاخيار لى فى الامر ..وأحس البعض بالامتعاض بسبب ذلك .. أليس في المغرب من يشغل هذا المنصب ..ووصلت أصداء ذلك إلى السيد باحنيني الصديق الوفي , ولعلـه شعر أنني وإيّاه لا ننتمي لمدرسة فكرية واحدة , فقد كان يريد أن تظل الدار كما هي من غير تغيير أو تطوير , مجرد مؤسسة تراثية تقليدية أرادها الملك في لحظة عاطفية ان تكون .. وكنت أريدها كما يليق بها أن تكون , مؤسسة ذات رسالة وفكروتسهم فى تحقيق نهضة علمية , وتكون منارة عهد الحسن الثاني العلمية ..ولعل الملك أرادها أن تكون كذلك , لكي يفخر بما تحققه من آ ثار علمية تنير عهده وتميزه بعطاء علمي يعودفضله اليه..

وفجأة انقلب الحاج محمد باحنيني من صديق يقف إلى جانبي ويشجعنى إلى خصم قوي ,    وفوجئت بهذا الانقلاب المفاجئ, وأحسست بالغربة القاسية , وحاولت أن اقدم استقالتى وأغادر المغرب ولكن بعض الأصدقاء حذروني من ذلك , لان هذا هو المطلوب ,وأخذت أتسائل : لماذا يكون ذلك,..

وعندما تمت مناقشة أول أطروحة دكتوراه دولة بدار الحديث حاول السيد باحنيني بكل الوسائل إفشال هذه الخطوة , وأحسست بإرادة التحدي تسري في كياني , ويسمع الأنسان الصوت العميق من اعماقه يناديه  :إما .. وإما ..

مرت الايام وكانت الأقسى في حياتي , إنها المحنة أن تجد نفسك في موطن الضعف في مواجهة من تحبه وتقدره وتحترمه ,والتقينا بعد هذه الفترة , زرته في داره في يوم عيد , فرح كثيراً وتعاتبنا , زاد احترامه لى , قال لي : لقد عرفتك أكثر ..كنت صادقا مع نفسك وهذا هو سر قوتك, عادت الصداقة ليس كما كانت  , زالت حرارتها , أصبحت العلاقة حذرة .. لا يمكن أن تعود كما كانت ،المحنة تعلم صاحبهاالكثير.من الدروس.

في شهر يونيه عام 1990 نظمت جمعية فاس سايس بمدينة فاس حفلاً لتكريم الحاج محمد با حنيني بعد وفاته ,ودعتني لإلقاء كلمة في هذا الحفل قلت فيها: من حق المغرب أن يفخر بالحاج محمد با حنيني , لأنه رمز من رموز الوفاء للتاريخ المغربي ,ولأنه يجسد معنى الانتماء  لحضارة معتزة بخصائصها ,ومن واجب هذا الجيل أن يتعلم من سيرة الفقيد الكبير مواقف الاعتزاز بالتراث المغربي … وكنت معجباً بجوانب عدّة من شخصية الفقيد ,وأهم هذه الجوانب أنَّ الفقيد الكبير كان يمثل جيلاً وسيطاً بين جيلين متعاقبين , ويتميز هذا الجيل بنظرته الوفية للتاريخ والتراث والعادات والتقاليد وهي نظرة تغلب عليها المثالية في أسمى صورها , فالحياة قيم ثابتة والعادات والتقاليد مقدسات لا تقبل التغيير , وفي نفس الوقت كان الفقيد أليفاً متواضعاً يحسن الإنصات حليماً في مواقفه لايُقر إلا بما يراه صواباً من الآراء ,وكان من اليسير على من يعرفه أن يستقرئ معالم وجهه ويعرف ماذا يجول في خاطره من مواقف الإقرار والإنكار ,وأهم خصالـه أنه كان أميناً في مسؤوليته السياسية ومهامه الإدارية كتوماً لما يجب أن يظل في موضع الكتمان , وفياً للعرش متفانياً في خدمته ,مغلباً ذلك على كل ما عداه ,لا يجامل ولا يتساهل ولا يساوم فيما يعتبره أساسياً من المواقف ..

حزنت كل الحزن لما وقع بيننا ,لأنني كنت أقدر الرجل كل التقدير ,وهو يستحق الاحترام ,ولن أنسى الكلمة التي قدمني بها يوم تعييني ,فأنا مَدين لـه بذلك ,ولما انتقل إلى رحاب ربه حزنت عليه ودعوت اللـه لـه ,والدنيا ضيقة وصغيرة ولاتستحق ذلك الخلاف الذي تندفع إليه النفوس في لحظات الضعف ,وما أجمل الحب وهو يقرب بين الناس ويمد بينهم جسوراً من السعادة , ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لما سمحت لنفسى ان تخسر صدديقا مهما كانت الاسباب…

( الزيارات : 1٬206 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *