الخليج العربي ..اخطار وتحديات .ز

ذاكرة الايام..الخليج العربي اخطار وتحديات ..

مازالت الذاكرة تحتفظ بكثير من الذكريات عن منطقة الخليج العربى , امضيت اكثر من عشر سنوات بين الرياض والكويت , منذ عام 1966  الى عام 1977 , محاضراتى الاولى كانت فى جامعات الخليج العربي  فى الرياض والكويت  , مازلت اذكر الكثير من الذكريات وملامح اصدقاء كانوا من اعز الاصدقاء , كانت الرياض فى البدايات , من ابرز اصدقاء تلك الفترة الدكتور احمد الضبيب اول من حمل الدكتوراه من بريطانيا فى الادب العربي واصبح فيما بعد مديرا لجامعة الرياض اهم الجامعات السعودية  , وكان صديقى الثانى الدكتور عبد الله التركي ابرز اصدقاء جامعة الامام واصبح فيما بعد مديرا لتلك الجامعة الاسلامية التى اصبحت احدى اهم الجامعات وعندما زرتها بعد ثلاثين سنة كانت مدينة علمية متكاملة  , كنا نخرج فى كل مساء الى البر ونجلس فى الهواء الطلق ونشرب الشاي فى المقاهي الشعبية على مقاعد خشبية متواضعة و ما زلت اذكر كل اصدقاء تلك الحقبة التاريخية  , وكان صديقى الثالث الدكتور عز الدين ابراهيم , وكان زميلا فى كلية التربية فى الرياض واصبح بعد سنوات مديرا لجامعة الامارات , مازالت ذكريات تلك الحقبة ماثلة فى الذاكرة , كانت تلك المنطقة اقل صخبا واكثررقيا فى سياساتهم الاخوية واحترامهم لمصالح شعوبهم , هناك سلبيات ولكنها لم تكن خطيرة ,كان ما يجمع اكثر مما يفرق ,  لم تكن الاخطار مستبعدة ولكنها لم تكن محدقة بهم كما هي اليوم  , كان هناك تطلع للافضل , كنا نريد لتلك المنطقة الغالية من الوطن العربي ان تكون مستقرة وان تسهم فى تكوين الوطن العربي الكبير المتماسك , وفى الكويت كانت الامال اكبر وكانت الكويت عاصمة اكبر من حجمها الجعرافى كانت طموحة وآمالها كبيرة وخطواتها سريعة نحو الافضل  , كانت الكويت  الصوت العربى الاكثر تعبيرا عن الضمير العربي , كانت اكثر حكمة فى مواقفها الوطنية والقومية ,  كانت جامعة الكويت هي الافضل فى امكاناتها وفى احتضانها لاكبر الكفاءات العلمية من كل العالم العربي وكانت تحرص على استعادة كل الكفاءات العربية من امريكا واورويا , عرفت الكثير من ابرز كفاءات الكويت واشهرهم الصديق الدكتور عبد الله النفيسى , عرفته منذ السنة الاولى التى عاد فيها من كمبريج فى العلوم السياسية , وكانت له مواقف احتجاجية كثيرة فى تلك الفترة , كان اكثر شجاعة وانفعالا ونزاهة ويملك قدرات متميزة فى فهم واقع الخليج والاخطار التى تهدده  , كانت له مواقف  ضد ادارة الجامعة التى كانت متسلطة فى عهد مديرها الاول , وكان له برنامج تلفزيونى ناجح وقد استضافنى فيه فى ندوة عن الصحراء المغربية وعندما زارنى فى المغرب تحدثنا طويلا الازمات التى تعرض لها وتجربته فى البرلمان ومغادرته الكويت  , واعتبره من افضل الكفاءات الخليجية فهما لازمات الخليج وواقع مجتمعاته والاخطار التى تحيط بها تلك المنطقة المهمة  , كانت الكويت نموذجا ناجحا فى تجربتها الديمقراطية واكثر فهما لمشاكل الخليج ومرونة فى التعامل مع التحديات  , واكثر التزاما فى المواقف العربية , كانت الصحافة فى الكويت متميزة فى حريتها ودورها القومى ,و كانت الكويت تتميز بالحكمة السياسية اكثر من الاخرين وبخاصة فى ازمات الخليج وعليها ان تحسن القرار فيما تختاره من المواقف ,  وكان يمكن لها ان تكون نموذجا يحتذى به لدول الخليج فيما اكتسبته من خبرات فى السياسة الدولية والعربية  ..

وفى عام 1976 حضرت مؤتمرا ممثلا للكويت فى مركز روكفلر الثقافى  المطل على بحيرة كومو على الحدود الايطالية السويسرية , كان موضوعه :  مستقبل منطقة الخليج بعد ظهور النفط بين الاسلام والعلمانية وقدمت دراسة عن القوانين الكويتية والشريعة الاسلامية والموضوع منشور فى المجلات العلمية فى الكويت  , وكان المؤتمر بدعوة من احدى الجامعات الامريكية , وحضر هذا المؤتمر ممثلون عن السعودية وايران وباكستان والكويت ومصر ولبنان بالاضافة الى رؤساء المؤسسات الاستراتيجة فى عدد من البلاد الاوربية , وممن حضر هذا المؤتمر من السعودية  كل من الدكتور محمد عبده اليمانى والدكتور الفارسي وكل منهما تولى وزارة الاعلام فى المملكة فيما بعد ,  والدكتور سليم العوا من مصر والدكتوراسماعيل  الفاروقى الفلسطينى الاصل من امريكا وهو رئيس المعهد العالمى للفكر الاسلامى فى واشنطن  ووفد من ايران وباكستان , مازلت احتفظ بصورة تذكارية لكل من حضر هذ المؤتمر , وكتبت عن هذا المؤتمر تقريرا نشرته فى ذلك العام فى  مجلة دراسات الخليخ الكويتية كما اشر ت  اليه فى كتابى المدخل للتشريع الاسلامى  الذى نشرته فيما بعد , وكان يرأس هذا المؤتمر شخصية امريكية , لم يكن احدا يهتم بمثل هذا الموضوع او يثير اهتمامه فى حينه  , واكدت فى هذاالمؤتمر ان الاسلام سيكون اكثر قوة ورسوخا فى تلك المنطقة لم يكن كل من حضر المؤتمر على خط واحد كان الوفد الايرانى بعيدا جدا عن الاسلام  , كانت ايران تقول لقد انتهى الاسلام فى تلك المنطقة , كان ذلك قبل التورة الايرانية بثلاث سنوات  , مازلت حتى اليوم اتأمل فيما كان فى ذلك المؤتمر من حوارات واهتمامات , بعد ثلاث سنوات كانت الثورة فى ايران  واختلف كل شيء لم يكن ذلك متوقعا ابدا كانت ايران بعيدة جدا عن الاسلام وكذلك تركيا التى كانت بعيدة كليا عن قضايا كل المنطقة العربية والاسلامية كانت اسرائيل هي الخطر الوحيد والعدو الاول ولما اخرجت مصر من الاسرة العربية بعد كامب ديفيد ظل العالم العربى متماسكا فى مواقفه , عندما انتقلت الى المغرب ظلت صلتى بالخليج وبخاصة مع قضايا تلك المنطقة والتحولات السريعة فيها , كان صديقى القريب السفير عبد الله حسين الرومى سفير الكويت فى الرباط وصديقى علي ماجد القبانى سفير السعودية فى الرباط وسفراء الامارات وقطر وعمان ولم تنقطع صلتى ابدا , كان العراق هو الدولة  الاقوى  , فى عام 1989 دعيت الى مؤتمر السلام فى بغداد بعد انتهاء الحرب العراقية الايرانية , كان العراق المنتصر  مفخرة العرب وحضر اكثر من خمسمائة شخصية علمية  من كل البلاد العربي  وهو المؤتمر الاكبر , وكانت الوفود الخليجية هي الاكثر اعتزازا بالنصر  وحماسا للعراق واشادة به , لا احد لم يفرح بشموخ العراق وانتصاره  , وبعد اشهر كان غزو الكويت مفاجئا ومؤلما وجارحا ,  وهي الخطوة الارتجالية الاكثر خطأ وجهلا مهما كانت  المبررات لذلك ولم يكن ذلك الغزو مقبولا عربيا اودوليا او اخلاقيا كان الخلاف فى كيفية تحرير الكويت    , زارنى فى مكتبى  فى الرباط  السيد احمد السعدون رئيس البرلمان الكويتى على رأس وفد كويتى  واراد ان يكون لى موقف مؤيد لقوات التحالف فى حربها ضد العراق , وكانت امريكا  تجهز جيوشها لتحقيق اهداف لا احد يمكن اكتشافها  ومعرفتها , وحضر هذا  القاء عدد من علماء دار الحديث الحسنية , قلت له , هناك امران فى البداية :  تحرير الكويت وهذا امر لا خلاف فيه ويجب ان توجه كل الجهود لدعم الكويت وتحريرها واخراج القوات العراقية من الكويت وهذا امر لاخلاف فيه  , اما الامر الثانى وهو استدعاء القوات الاجنية لحرب العراق وتدمير جيشه  فهذا امر لا يمكن تأييده لانه سيؤدى حتما الى نتائج خطيرة على كل المنطقة العربية  , واهم الاخطار ان السد الذى يمكنه ان يوقف الخطر الايرانى هو العراق الموحد بكل طوائفه  , فاذا انهارت قوة  العراق فكل الاحتمالات السيئة ممكنة , وسوف يفقد الخليج العربى هيبته وحريته واستقلاله ,  وسوف يكون ساحة لصراعات دولية خطيرة , كانت امريكا تريد الحرب وكانت تشجع عليها خطة للقضاء على جيوش المنطقة لكيلا يكون هناك اي خطر على اسرائيل , كان العراق حليفا لدول الخليج ضد التوسع الايرانى واصبح اليوم حليفا لايران وصديقا  , واليوم تتجدد الاخطار فى الصراع  بين دول الخليج  العربى  , كان يمكن تحرير الكويت بالحكمة لو اراد العرب ذلك وبالحوار وبالضغوط الدولية والمصالح الاقتصادية  , نفس الصراعات تتجدد اليوم بين دول التعاون , الكويت هي خير من يدرك اخطار التحديات والمواجهات ولذلك كانت الوساطة الكويتية ولكن لا مصلحة لمن يريد هذا الخلاف ان تنتهي الازمة الا بعد ان تؤدى الى النتائج المطلوبة منها واهمها ما نراه من كشف لكل تلك الاسرار وفتح كل الملفات واضعاف الجميع واستغلال ضعفه وشعوره بالحاجة لمن يحميه , , لو انصت الحكام لصوت الحكماء والعقلاء لكان خيرا لهم ولشعوبهم , اننى اتفهم اسباب الخلاف اليوم بين دول الخليج المحكوم عليها بالتعايش والتكافل والتضامن للدفاع عن وجودها , سياسات الارتجال والانفعال مكلفة وباهظة الثمن , مازالت شعوبنا تدفع ثمن الاخطاء التى تهدد الاستقرار وتجعل الطامعين والحاقدين يمسكون بزمام المواقف ويدفعون هذه المنطفة الى المواجهات والاستفزازات والتوترات , هذه قضايانا اليوم وهذه ارضنا وهي امانة فى اعناقنا , لو استخدمنا مانملكه من اموال ونفوذ لتشجيع سياسة التنمية والنهوض والاصلاح الداخلى ومقاومة الفساد والسماح للشعوب بان تعبر عن رأيها فى امورها والاحتكام للقانون  لا ستطعنا ان نتغلب على الخلافات بعيدا عن التدخلات الخارجية المشبوهة والمريبة , امتنا تحتاج الى صوت عاقل يحسن الفهم لما يجرى اليوم من انهيارات متتالية مخيفة , كلنا يتألم ويحزن , شعوبنا ضاقت بالمحن وما زلنا فى المربع الاول لما هو متوقع , كل دول المنطقة معرضون للخطر ولا احد خارج ذلك  المربع المظلم  , وكل شيء ممكن , قبل مائة عام كانت سايس بيكو وكانت تستهدف كل هذه المنطقة , وسايس بيكو اليوم مازالت لم يرفع الستار عنها بعد  , ارجو الله تعالى ان يحفظ شعوبنا وان يلهم القادة ان يحسنوا القرار وان يكونوا اوفياء لتضحيات الاجيال التى دافعت عن هذه الارض لكي تظل هي ارض العروبة والاسلام..    

( الزيارات : 298 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *