الطريق الى المغرب

 ذاكرة الايام..الطريق الى المغرب

اهم منعطف فى حياتى هو ذلك اليوم الذى تلقيت فيه دعوة باسم الملك الحسن الثانى رحمه الله للمشاركة فى الدروس الحسنية الرمضانية التى يترأسها الملك , كانت البرقية التى وصلتنى من السيد محمد المكى الناصرى وزير الاوقاف والثقافة , كنت فى الثالثة والثلاثين من العمر , كان ذلك فى شهر اكتوبر عام 1973 , ترددت كثيرا لاسباب عديدة , لم اكن اعلم اي شيء عن تلك الدروس , كان المغرب يعيش ازمة محاولتى انقلاب على الملك , الصخيرات والطائرة الملكية , لم اكن اعرف اي شيء عن الملك ولا عن المغرب الا ماتكتبه الصحف , واخيرا قررت ان البي الدعوة , فى الرباط كان كل شيء مختلفا عما توقعته , مجلس الدروس الحسنية مجلس علم وادب وحضارة ووقار , كان مجلسا مهيبا , تذكرت مجالس الخلفاء فى عهد العباسيين , لم يكن الملك كما تصورته ابدا , كان فى غاية الهيبة والوقار , مجلس الدروس الحسنية لا يمكنه ان يكون فى اي بلد اخر , هيبة العلم من غير تكلف , كان المجلس يضم اكبر علماء العالم الاسلامى من امثال شيخ الازهر الدكتور عبد الحليم محمود والشيخ حسنين مخلوف  مفتى مصر والشيخ محمد الغزالى والدكتور صبحى الصالح مفتى لبنان والدكتور الحبيب بلخوجة مفتى تونس والاستاذ محمد المبارك , كما يضم المجلس اكبر علماء المغرب ,  ومن ابرزهم الزعيم الاستاذ علال الفاسي والاستاذ عبد الله كنون رئيس علماء المغرب وكبار علماء المغرب والسفراء والوزراء وقادة الجيش وكبار رجال الدولة , تهيبت المجلس وتمنيت ان اجد طريقة للتخلص من الحرج  , قامت حرب اكتوبر وتوقفت الدروس , وطلب منى الملك  ان القى درسي ولا ادرى لما ذا اختارنى من دون كل الاخرين , تكلمت عن الاقتصاد الاسلامى , لم اتوقع قط ان درسي سيحظى بالقبول , وفوجئت بموقف الملك , تلك هي البداية , كان الملك فى غاية النبل والخلق فى تشجيعه وكلماته التى تعبر عن التقدير والتكريم  , لم اقل شيئا مختلفا عن الاخرين , اشعرنى الملك بالاهمية والرعاية واسعدنى ذلك  , خلال ثلاث سنوات كنت اشارك فى تلك الدروس , وفى السنة الرابعة كنت فى الرباط مديرا لدار الحديث الحسنية , مازلت اتساءل كيف تم كل ذلك , لم اكن الافضل ابدا  من الاخرين  ولا املك ما يملكون , فى منتصف  شهر فبراير عام 1977 استقبلنى الملك فى قصر السلام واستلمت مهمتى  الادارية , فى السنة الاولى كانت المهمة شاقة , كان كل شيء جديدا , لم اكن اعلم شيئا عن المغرب , توقعت ان الطريق ستكون ممهدة ومعبدة , لم يكن الامر كذلك , كنت اريد شيئا كبيرا , طرحت تصوراتى الطموحة امام الملك , كان مسرورا بما سمعه , كنت اريد للقرويين ان تكون منارة علمية لكل العالم الاسلامى ولافريقيا , قدمت مشروعا طموحا , كان الملك مستعدا لكل ذلك , ادرك الملك اننى صادق فيما اقول , بعد عام اكتشفت اننى لا يمكننى ان احقق ما اريد , تذكرت كلمة الاستاذ عبد الله كنون عندما قال لى:  لن تتمكن من تحقيق ما تريد , بعد عام توقف كل شيء وادركت انها النهاية  , حاولت ان اقدم استقالتى , قال لى عبد الوهاب بنمنصور : هذا هو المطلوب  ان تقدم استقالتك , كان الملك رائعا , فهمت الرسالة ,  , الامل الكبير تضاءل , اشيد بمواقف رجال لم اكن اعرفهم من قبل , مازلت اذكرهم , كنت استقبل كل يوم شخصيات ذات مكانة واجد منهم التشجيع , كنت اجد التشجيع من الملك من البداية الى النهاية , كان رحمه الله يحسن الظن بي , قال لى مهمتك شاقة ولكننى اثق بك , كانت ثقته بغير حدود , لم اكن اريد ان اثقل عليه , كان  فى مقدمة الاصدقاء الاستاذ عبد الرحمن الدكالى كان محبا وصديقا وكانت له مواقف شجاعة , وكان فى الصف الاول دائما قال لي : لاتبحث عنى  لانك لن ترانى , وعندما تكون فى ازمة ففسوف تجدنى امام باب بيتك , لم يفعل احد ما فعله من البداية الى النهاية , قال لى لقد هيانى الله لخدمتك ولما توفى حزنت عليه  , وهناك اصدقاء عبد الوهاب بنمنصور مؤرخ المملكة , وكان يعمل بصمت , كان وفيا بغير حدود , واستمر حتى النهاية ,  وهناك احمد بنسودة مدير الديوان الملكى وعبد الهادى بوطالب , كانا الى جانبي  فى كل المواقف , وهناك الصديق ابراهيم فرج الحاجب الملكى , وهناك محمد عواد , وهناك علماء دار الحديث , ومن ابرزهم الدكتور السعيد بوركبة والدكتور يوسف الكتانى والدكتور عمر الجيدى والدكتور نورى معمر والاستاذ محمد الصقلى , وكانوا يعملون بحماس ,  واذكر علماء سوس ومنهم الشيخ عبد الله شاكر الكرسيفى  والشيخ الحسين وجاج , وهناك علماء تطوان , ومن ابرزهم الحبيب التيجكانى والدكتور ابراهيم بن الصديق وادريس خليفة , وممن زارنى فى تلك الفترة الاستاذ عبد الله ابراهيم ولم اكن اعرف الكثير عنه , ثم عرفت فيما بعد انه من ابرز الشخصيات السياسية فى تاريخ المغرب , وكان رئيسا للحكومة فى عهد الملك محمد الخامس , وعرفت الكثير من قيادات حزب الاستقلال , ومن ابرزهم الاستاذ محمد بوستة زعيم الحزب والاستاذ ابو بكر القادرى والاستاذ عبد الكريم غلاب عميد الصحافة والاستاذ عباس الفاسي  , اما رجال الفكر والثقافة فقد عرفت الكثير من ابرز الكفاءات العلمية , ومن ابرزهم الدكتور عباس الجرارى والدكتور محمد بنشريفة والدكتور عزيز الحبابى والدكتور محمد الكتانى والدكتور حمزة الكتانى والاستاذ محمد المنونى والدكتور عبد الهادى التازي والدكتور مولا ي ادريس العلوى العبدلاوى , كانت صلتى كبيرة بمعظم الرموز العلمية فى الجامعات المغربية , وقد اتاحت لى عضوية الاكاديمية المغربية ان اكون على صلة قريبة من اعضاء الاكاديمية وتضم الاكادية افضل الكفاءات من مختلف التخصصات , كنت اتمنى ان احقق اكثر مما فعلت فى دار الحديث الحسنية , كنت اريد ان احقق امل الحسن الثانى فى هذه الدار لخدمة الثقافة الاسلامية وللتعريف باعلام المعرب واسهامهم  فى اغناء ثقافة الاسلام , ادركت منذ السنة الاولى اننى لا يمكننى ان افعل اكثر , وحاولت ان احافظ على ما تم انجازه , واهم ذلك هو تكوين جيل من العلماء يقود مسيرة الثقافة الاسلامية فى معظم الجامعات المغربية من خلال الاشراف على اقسام الدراسات الاسلامية وكليات القرويين , ومن واجبى ان اشيد بتلك الشخصيات التى وقفت الى جانب دار الحديث فى تلك الفترة , كانت دار الحديث معلمة علمية وثقافية , وهي احدى اهم انجازات الحسن الثانى لخدمة الثقافة الاسلامية , وعندما سيكتب عن عصر الحسن الثانى فلا يمكن تجاهل دار الحديث الحسنية والدور الذى اسهمت فيه فى اغناء المكتبة الاسلامية بعشرات البحوث القيمة , بالاضافة الى مجلة دار الحديث وماتضمنته من دراسات علمية , كنت اتطلع لبناء قلعة حصينة للباحثين والدارسين و للبحوث العلمية لتكوين قيادات فكرية متميزة وفاعلة تؤثر فى مجتمعها وتعبر عن فهم اسلامى اكثر عمقا واثرا , كنت اطمح للكثير , ولكن قانون السير هو الذى يحدد السرعة المطلوبة , فلا تجاوز لما هو مطلوب , اذا لم تكن الطريق معبدة فمن الصعب ان تختار السرعة التى تريدها , مهمة الانسان ان يبذل جهده وان يدعو الله تعالى ان يتقبل منه ما احسن فيه من اعماله ..

( الزيارات : 148 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *