القاهرة فى الذاكرة

ذاكرة الايام..القاهرة في الذاكرة

بعد تخرجي مباشرة من كلية الشريعة عام 1962 انتسبت الي كلية التربية في دمشق وداومت فيها  لمدة اربعة اشهر ، ولما بلغني نبا قبولي في قسم الدراسات العليا في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة في بداية 1963 تركت كلية التربية والتحقت بالقاهرة في السنة الاولي من الدبلوم  لمدة ثلاثة اشهر  ونجحت فى الامتحانات  وانتقلت الي قسم الماجستير في نفس العام ، وكان استاذي هو الدكتور مصطفي زيد. رئيس القسم العلمي فى دار العلوم ، وكان هو الصديق الاقرب الي في الحقبة المصرية كلها ، كنا نلتقي كل يوم ، كنت قريبا منه  ونتناقش فى كل شيء ، وكنا تسافر في الصيف الي الاسكندرية معا لقضاء الصيف ، وكان استاذا فاضلا طيب القلب حسُن الخلق ، وكان هناك استاذ اخر هو العلامة الاصولي علي حسب الله  , وهناك اساتذه اعلام كنت. علي صلة بهم من كلية دار العلوم.,, ومن الكليات الاخرى من  مختلف التخصصات ، وكانت الفترة المصرية غنية باحداثها واثارها  وكنت محبا  لتلك النشاطات الثقافية فى مصر فى مختلف اشكالها , وكانت مصر في قمة تالقها  فى المجتمعات العربية من خلال دعوتها للوحدة العربية في عصر الرئيس جمال عبد الناصر وكنا نشعر. بالشموخ العربي والمصير العربي الواحد وننفعل بما كنا نسمعه من الشعارات القومية ، كان الحكم في مصر قويا وفرديا. واستبداديا. وامنيا. ، وكانت مصر عاصمة العرب وهي التي تقود المسيرة العربية بجدارة ، كنا نحلم بالافضل ، كنا نمثل الجيل الجديد ، كان المشرق العربي قويا متماسكا متكافلا.متطلعا الي الحرية والاستقلال ، كان الشعور القومي قويا في داخل ذلك الجيل ، التقيت في القاهرة بعدد كبير من الموفدين الي القاهرة لمتابعة دراستهم ، كانت الدراسات العليا في القاهرة فقط  ,  كانت الجامعات الاخري لا تتوفر علي الكفاءات العلمية ، التقيت بكل من كان قبلي بسنوات من المتخرجين الموفدين. من كل التخصصات ، ومن ابرز الاصدقاء في تلك الحقبة الشيخ سعيد رمضان البوطي وكان عالما وتقيا ، ومتحدثا جيدا. ، وعجاج الخطيب وهشام البرهاني وعدنان زرزور ونور الدين العتر وطارق الساطي وفخر الدين قباو ة. ومحمد خير فارس ، وكانت لي مجموعة اخري من الاصدقاء المصريين وابرزهم حسن الشافعي الذي اصلح رئيسا لمجمع اللغة العربية ومحمد البلتاجي الذي اصبح عميدا لكلية دار العلوم فيما بعد ، ووقفت طويلا امام التخصص الذي اريده. من. القضايا المعاصرة لكي اتخصص فيه ، وكنت اميل الي دراسات القضايا التي كنت اشعر بالحاجة اليها ، واخترت موضوع القروض الانتاجية وموقف الاسلام منها ، وتلك محاولة لاقتحام القضايا المعاصرة ذات الاهتمام. الاقتصادي ولو بجهد متواضع ، لم اكن اميل الي الدراسات التراثية ولا الي تحقيق كتب التراث ولا التراجم بالرغم من اهميتها ، كنت الاحظ اننا نعيد انتاج جهد السابقين كما هو من غير اضافة اليه ، كانت تشغلني قضايا الحقوق والاموال والمعاملات المالية اكثر من غيرها ، كنت اشعر اننا نحتاج الي ذلك في المستقبل ، لم اكن اريد ان يكون العلم بالنسبة لي مهنة معاشية كبقية المهن ولو فى التعليم الجامعى , ولست ضد العمل فى التعليم ولكننى ضد ان تكون الغاية من العلم هي التوظيف ، كنت اري ان العلم رسالة تصحيح. اجتماعي وان العلم يجب ان يسهم في رقي مجتمعه اولا ، لم يكن الطريق معبدا نحو الجديد ، كنت احاول ان اتصور الحلول. من خلال تصور قد يكون ساذجا. في البداية.وتدفع اليه العاطفة ، هناك شيئ كنت  ابحث عنه ، كنت افهم الدين رسالة لاجل الحياة ، كنت اري الدين. منهجا لفكر يجب ان يتجدد  بجهد كل جيل عن طريق الاضافة اليه . ، كنت اريد ان افهم من خلال ذاتي واعبر عن قناعتي ، كنت اريد العلم لكي يكون وسيلتي في الفهم وهو اداة ذلك الفهم ، كنت اريد العلم لاجل الانسان لكي تتسع به معرفته بالحياة ، ولكي يكون بالعلم اكثر انسانية. في افكاره واستقامة في سلوكه ورحمة في عواطفه ، كنت اري الانسان . هو المكلف والمخاطب والمستخلف ، الانسان ينهض بالعلم ويسخره لاجل الحياة ، لم اكن اريد العلم مجرد مهنة تعليمية لم افكر في ذلك ، نتعلم العلم لكي تتسع معرفتنا بالحياة التي ارادها الله انً تكون ، الحياة سوف تستمر مهما كانت  المحن والازمات والاوبئة ، و كنت اقول لا شيئ يوقف الحياة وسوف تتجدد بمن يسهم في احيائها من تلك الاجيال ، موت جيل بسبب حروب او اوبئة ليس هو النهاية ، قيمة الحياة تكبر بالعلم فهما لمعني تلك. الحياة كمسؤولية انسانية ان يحافظ عليها ، كنت ابحث عما نحتاجه من العلم لكي ننهض بذلك العلم ، ما لا يفيد لا نحتاجه ، العلم الذي يجب الاهتمام به هو العلم الذي يسهم في تعميق العلم بالحياة والنهوض بذلك الانسان كمؤتمن علي تلك الحياة ، لا تريد العلم مهنة كسبية كبقية المهن , من اراد العلمً مهنة فلن يثمر العلم في قلبه ازهارا ، لو اردت  العلم مهنة لاخترت مهنة. غير العلم ، وتلك محنة العلم ان يكون مطية الانسان للكسب وان يكون الكسب  هو الغاية المرجوة ، وعندئذ يعجز العلم عن اداء رسالته ويفقد العالم هيبته. ويكون العالم كغيره من اصحاب المهن الكسببة ، وتلك ظاهرة عمت واصبح العلم مهنة تعليمية ، هناك من يتقنها ، وهناك من يعبث بها اويببع. علمه لمن يدفع له ثمن بضاعته ، لم اكن اري مهمة العلم في ذلك ،. تلك هي مجرد افكار. عابرة ، كنت اعلم ان الطرق غير المعبدة. متعبة ومرهقة ، قد تشدك اليها وتغريك ولكن لا تعرف اين موقعك وفِي اي مكان سوف تجد نفسك فيه ، تلك مجرد خواطر سريعة كنت افكر فيه فى لحظات التامل ، وناقشت الماجستير وانتقلت الي قسم الدكتوراه واخترت موضوعا بعنوان الاتجاه الجماعي في التشريع الاسلامي الاسلامي ، كنت سعيدا بما اخترت ، ارضيت نفسي علي الاقل ، كنت اريد فقط ان اعبر عن بعض افكاري. ، كانت كلمة الاشتراكية. تتردد في كل مكان في لك الفترةً  كشعار ، لم اكن احب ذلك الشعار. والتوظيف السياسي ولا ار اها بما هي عليه كخط سياسي. ، كنت مع العدالة في اسمي صورها في كل الحقوق والاموال كمنهج تكافلي انساني. ، وكنت اجده في اصول الاسلام في الحقوق والاموال والعقود والمعاملات ، كنت اريد ان ابرز ذلك في كثير من المفاهيم الاسلامية ، واهمها في فكرة الحق ، كانت الفردية والجماعية تتردد في نفسي ، واريد ان اضع معيارا لها يضبط التجاوز في الحقوق ، ويقر بالفردية في اطار المصالح الجماعية التي هي اولي بالاعتبار، كل ذلكً كانً مجرد خواطر وكانت حارج الاهتمام ، لا احد كان يشاركني الرأي ، اعترف انني كنت اشعر بالضعف احيانا وينتابني شعور بالاحباط ، ثم استرد طاقتي واستعيد نشاطي واتابع الرحلة عبر تلك الصحراء النائية  البعيدة عن الاهتمام ، كانت حقبة القاهرة. مهمة في مسيرتي العملية والتكوينية ، كانت دافئة بالمشاعر والامال الكبيرة ، كنا اقوي واكثر صدقا مع انفسنا ، كان يدفعنا شعور ايماني عميق هو ثمرة لتلك التربية الروحية المبكرة، ما زالت اثارها ، الجهاد العلمي هو افضل الجهاد لاجل المعرفة ، لم افكر يوما في الجانب المعاشي ولَم اعمل له وكنت اخجل من الحديث فيه  ، لم يشغلني ذلك ابدا وكنت افكر فيما هو اسمى واكثر اهمية ، عندما نتحرر من الطمع. الدنيوي نعمل صادقين وفِي سبيل الله فيما نري فيه الخيرالتي يحبه  الله من عباده  ، انني اذكر الحقبة المصريةً وكانت حقبة رائعة في حياتي ، وفجأة تلقيت رسالتين من دمشق الاولي من استاذي الدكتور يوسف العش الذي اصبح عميدا لكلية الشريعة والثانية من استاذي المنتصر الكتاني الذي اصبح مستشارا للملك فيصل ، وسافرًت الي دمشق في صيف ذلك العام وهو العام الرابع. ،فى القاهرة :  قال لي الدكتور العش وكنت قريبا منه ويعرفني جيدا ، قال لي : اريدك انً تكون معيدا في الكلية واستاذا في هذه الكلية التي تحتاجك. ويسعدني ان اراك في هذه الكلية ، شكرته واعتذرت. منه فانا علي وشك النهاية فى الدراسة ، وفِي اليَوْمَ الثاني التقيت بالسيد المنتصر الكتاني ، قال لي : لقد رشحتك ان تكون. استاذا في كلية الشريعة. التي اصبحت جامعة الامام. في الرياض ، ترددت كثيرا لسببين انني اريد متابعة العلم كم غير توقف ، والثاني انني تربيت تربية صوفية ومن اسرة صوفية وكلية الشريعة  فى الرياض هي مركز السلفية الوهابية التي تعتبر الصوفية شركا وضلالا ، ولما ألح علي فى ذلك  قبلت على ان اتالع اطروحتى ، كنت واثقا من نفسي ولا اخشي من المواجهة مهما كانت ، تلك طبيعة الشباب ، وكنت في السادسةً والعشرين من العمرفى تلك الفترة  ، ووجدت نفسي في الرياض وانتهت حقبة القاهرة ، ولَم اعد اليها الا عندما عدت اليها لمناقشة الدكتوراه بعد عامين في عام 1968, وبدات حقبة جديدة تختلف كليا عما عهدته من قبل , انها الحقبة التى يكون فيها الانتقال من المثالية الى الواقعية .ش

( الزيارات : 22 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *