الكلتاوية فى الذاكرة

ذاكرة الايام..الكلتاوية فى الذاكرة منهج روحي
لم تكن الكلتاوية في ذاكرتي مجرد ذكرى عابرة او مرحلة تاريخية كانت تمثل الطفولة الاولي ، كانت اعمق بكثير وما زلت حتي اليوم استعيد تلك الذكريات المؤسسة لشخصيتي فيما بعد والمحددة لملامحها وفكرها ،. في العشرين في عمري غادرت الكلتاوية الي دمشق اولا في رحلة طويلة  لم تتوقف حتى اليوم ، وما زالت الكلتاوية حاضرة في حياتي بكل ملامحها كما كانت عليه فى منهجها الروحي  البعيد عن الشطط  والمبالغات  والاحوال المتكلفة , لم اعتد على ذلك ابدا ومازلت انكر كل تلك الانزلاقات فى تاريخ التصوف الاسلامى التى تراكمت واستفحلت واصبحت عبئا على التصوف الحق الاصيل الذى يهدف الى تنمية القوة الروحية لكي تغالب تلك القوة الغريزية العمياء والقوة العقلية المادية , وتلك هي محنة التصوف الذى ابتعد عن اصوله واصبح طقوسا وعادات خالية من التاثير الروحي , واذا لم يتحرر التصوف الاصيل مما دخل اليه فلا يمكنه القيام بمهته والصمود فى وجه منتقديه والمنكرين عليه ما هو فيه من الاهتمامات الدنيوية والمغالبات على قطف ثماره من المشيخات والجاه الاجتماعى الذى زهد فيه الاولون ، في الخامسة من عمري كانت زيارتي الاولي للكلتاوية التي ما زلت اذكرها حتى الان وهي حية  فى الذاكرة ،. وكانت البداية كما أتذكره وهي المنعطف الاهم فى تلك الطفولة ، كانت تلك الذكريات هي الصفحة الاولى في ذلك السجل الكبير من حياتي الاولى ، في ذلك اليوم التقيت السيد النبهان طيب الله ثراه ، كان بالنسبة لى هو الجد الكبير الذي كنا نفرح لزيارته ونحظى بحبه ورعايته  ، ما اذكره عن الكلتاوية هو تلك الحديقة الغناء الجميلة ذات السواقي المائية وبرك الماء الجميلة ذات الالوان الزاهية والا زهار والورود داخل حدائق صغيرة محاطة بأعواد القصب ، وفِي كل زاوية هناك بركة كبيرة ونوافير مائية تدل على ذلك الاحساس بالجمال الطبيعى والاستمتاع به ،. وهناك شجرة صنوبر كبيرة كنا نجلس تحتها ونستمتع بجمالها ، وهناك مسجد قديم متواضع جدا  يتسع لصفين من المصلين فقط ، وتطل نوافذه علي هضبة ترابية مهملة يرتادها بعض سكان ذلك الحي النائي البعيد عن كل حياة الترف والعمران  ، لا احد كان يهتم بتاريخ الكلتاوية وذلك الحي المهمل في أطراف باب الحديد ويطل عليه من عل ,  ويقال بان احد الولاة في ايّام المماليك قبل مئات السنين قد بني هذا المسجد في تلك الهضبة العالية المطلة علي اهم الاحياء المحيطة وهي حي البياضة والمستدامية  ، كان الطريق الى مسجد الكلتاوية شاقا ومرهقا ، لوعورة الطريق اليه ، لا احد يمكنه ان يصل الي الكلتاوية الا من كان من سكانها او القاصد اليها ، كانت البيوت متواضعة وصغيرة والطرق اليها  متعرجة ، عندما زرت الكلتاوية برفقة والدي كنت سعيدا لانني سوف اري الجد الذي كنت اسمع عنه من والدي وهو السيد النبهان طيب الله ثراه وكان يحظى بكل الاحترام فى اسرته ومجتمعه وقد تفرغ للعبادة فى ذلك المسجد بعيدا عن الناس , وكان قد امضى اكثر من خمسة عشر سنه فى عزلته تلك متفرغا للعبادة وللعلم قليل الكلام كثير التامل , ولم اشهده فى تلك الفترة , ولكنه حدثنى عنها فيما بعد  ، استقبلنا السيد النبهان وفرح بنا كثيرا ، كان السيد يعيش في غرفة صغيرة ملحقة بالمسجد ، والي جانبها مطبخ صغير وحمام متواضع وفيه ماء دافئ ، لا ادري لماذا ادخلني السيد الي تلك الحمام وغسلني فيه ، والبسنى  ثوبا جديدا هدية من السيد الجد الي حفيده ، احسست بتلك العاطفة من اول يوم ، شيئ ما احدثته تلك الزيارة في حياتي وفى مشاعرى لم اكن افهمها  حينذاك ، تلك هي الصورة الاولي لزيارة الكلتاوية في الذاكرة الاولي ولا اذكر شيئا اخر ، احببت ذلك الجد من اول يوم وتعلقت به وأحببت الكلتاوية  كمكان يعيش فيه ذلك الجد الذي أحببته ، وبعد فترة وجدت  نفسي من جديد في الكلتاوية ، كنت مختلفا عما كنت عليه من قبل ، كنت حزينا اشعر بالوحدة ، كنت قد فقدت والدتي في نفس العام ، في زيارتي الثانية للكلتاوية ابتدأت تلك العلاقة الروحية بين الجد والحفيد، كانت اكثر من علاقة نسبية ، كثرت زياراتي وانتقلت للعيش مع السيد النبهان في منزله في الكلتاوية وقريبا من ذلك المسجد ، وهناك تعرفت علي الشيخ بشير حداد الذي كان مشرفا علي المسجد وإماما ، وهو الذي تولي تعليمي القرآن الكريم ، ثم انتقلت الي مكتب الشيخ أديب حسون لمتابعة حفظي للقران واصول الكتابة. ، كنت اقضي النهار كله في الكلتاوية ، كان المكان المفضل لدي انه مكان للعلم  والعبادة وللحياة اليومية ، كان المسجد يكتظ بمحبي السيد النبهان واخوانه في كل مساء ويوم الجمعة ، كانت هناك اسرةً الكلتاوية وهي اسرة حقيقية متحابة متماسكة متكافلة ، كان الاخوان يفطرون صباح يوم الجمعة فى الكلتاوية ,  اجمل اللقاءات كانت في الكلتاوية ، كنت الطالب الوحيد في الكلتاوية فى تلك الفترة ، كان هناك مجموعة من الأساتذة من محبي السيد يقومون بتدريسي من منطلق المحبة للسيد النبهان وهم يعلمون مكانتى فى قلبه ، ومن ابرزهم الشيخ نذير حامد والشيخ نزار لبنية والشيخ حسان فرفوطي والشيخ أديب حسون ، كنت اشعر انني اكبر مما انا فيه لانني الحفيد المدلل ، كنت صديق السيد والحفيد الغالي عنده ، مرت عشر سنوات وانا في الكلتاوية القديمة ، كان السيد يستقبل محبيه وزواره في الكلتاوية ، كانت هناك مجالس الكلتاوية وهي الاجمل في ذاكرتي ، كان السيد يتكلم باستمرار عن مدرسة الكلتاوية. ، وكان ينظر الي تلك الهضبة الخلقية المهملة ويقول : اري في تلك الهضبة علماء وطلاب علم ارجو الله ان ينفع بهم  ، اري مدرسة ستكون هنا لتكوين العلماء ، مدرسة الكلتاوية لم تكن . ، عشر سنوات كانت الكلتاوية القديمة بازهارها ومجالسها الروحية ، كانت الكلتاوية مهوي الأفئدة لكل محبي السيد النبهان من كل اطياف المجتمع من حلب والمدن الأخري ، واهمهم من العراق والفلوجة والمدن العراقية ، وأول من ارتبط بالكلتاوية من اهل العراق شخصان هما الشيخ محمود المهاوش الكبيسي والحاج جاسم الفياض ، وكانا من اهل التجارة وأقاما في حلب في صحبة السيد ، كان السيد يحب اهل العراق حبا كبيرا ويهتم بهم ، وبخاصة اهل الفلوجة وكنا نراها كلتاوية العراق ، وتتابعت وفود العراق وزوارها من المحبين واشهد لهم بالصدق والمحبة والوفاء، واهتم السيد بريف حلب الجنوبي ، وبخاصة القرى المحيطة بقرية التويم التي احبها وكان يقضي الكثير من وقته فيها ، كانت فترة الخمسينات هي الاهم في حياة السيد النبهان ، كانت الكلتاوية مكتظة بكل اطياف المجتمع من العلماء والتجار والفلاحين والسياسيين ورجال الفكر والثقافة ، ما زلت اذكر اليوم الاول لبناء الكلتاوية الجديدة في تلك الهضبة الخلفية للمسجد ، كنت مع السيد في كل تلك الخطوات ، كانت الكلتاوية رمزا لمنهجية السيد النبهان الروحية ولصوفيته المجددة الخالية من تلك الشطحات والطقوس الصوفية ، صوفية بغير طقوس ولا أوراد ولا شطحات ولا فتوحات ، منهج الكلتاوية كان تغذية القيم الايمانية والروحية. ومحبة الله تعالي والعمل لله والاستقامة وصفاء القلب والأدب ، في تربية السيد النبهان  يمكنك ان تعمل في كل شيئ في امر دنياك  ان تكون سياسيا او تاجرا او عاملا او مزارعا او عاملا ، لا مكان للمظاهر ولا لما تختاره لنفسك من اللباس ,  المهم ان تكون مع الله في كل عملك. وان تكون صافي القلب لا تحقد ولا تظلم وتعمل لخدمة العباد وتمد يدك لكل الاخرين ، داخل الكلتاوية لا حديث في السياسة او التجارة او اَي امر دنيوي ، الدين هو الدين وهو لاجل كمال الحياة , الدين رسالة هداية قوامها الايمان والخلق والادب ,  وليس مهنة معاشية ، الكل في خدمة الكل محبة وتكافلا ، لا عصبية ولا انساب ولا طبقية ولا جدل ، رأيت كبار العلماء في مجالس السيد ينصتون بادب لما يقول ، لم اشهد حوارات ومناقشات ، كان السيد في خدمة الكل وبعمل لكل الاخرين ، ولا يعنيه من يكون ذلك الآخر ولو كان عاصيا او مذنبا ولَم اره قط يسأل اَي احد عن دينه او طائفته او مذهبه , كان الانسان هو الانسان المكلف والمستخلف من الله ،. لم اجد ذلك التعصب لاي موقف او فكرة او مذهب ، كانت هناك سعة في الفهم لمعني الدين في مجتمعه وسعة في الصدر لكي يتسع لكل الاخرين والتخفيف عنهم في معاناتهم ، كان المنهج الذي يميز السيد النبهان هو احساسه. الداخلي بمعاناة المستضعفين وكان قريبا منهم بمواقفه ومشاعره ، كان يعيش حياة بسيطة ، لا مظاهر للترف ولا اهتمام بامر الدنيا ، كان يهتم بامر المستضعفين والجائعين في اَي مكان ، كان يهتم بهم وأنشأ جمعية النهضة لمساعدة الأسر الفقيرة والأيتام والعجزة فى مدينة حلب وكانت تساعد الاف الاسر ، وفِي ايّام المجاعات وسنوات الجفاف كان يرسل للبادية والقري ا لنائية الجائعة القمح والطعام ويحض التجار وأصحاب الثروات علي مساعدة اخوانهم المستضعفين والجائعين ويبدأ بنفسه , لم تكن تعنيه السياسة ولا الحزبيات ولم يكن يهتم بذلك  ، ولَم يترك شيئا من الدنيا لاسرته ، وكان لا يملك دارا للسكن ولَم يفكر في ذلك ، تلك التربية الاولي أسهمت في تكويني النفسي ووجهت اهتمامي لقضايا اجتماعية ، واهمية الاصلاح الديني والاجتماعي ، ذلك هو الفهم الأعمق للإسلام كرسالة الهية للإصلاح الاجتماعي ولتعميق قيم الخير والرحمة في مجتمعها ، كانت الكلتاوية بالنسبة لي من اهم مصادر شخصيتي وامدتني بكثير من القيم الانسانية في فهم رسالة الدين في المجتمع ، ما زلت اذكر الكلتاوية وتلك الحقبة من حياتي ، كنت استعيد بعض تلك الذكريات بين الفيئة والاخري لكي اجدد تلك القيم في نفسي ، وكنت اشعر بأثرها في حياتي وفكري ، تلك الحقبة من حياتي الاو لي كانت الاهم تأثيرا في تكوين فكري ، كنت أفهم الاسلام كدين يراد به تكوين ذلك الانسان المؤتمن على الحياة ..

 

( الزيارات : 121 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *