ايام فى الكلتاوية

ذاكرة الايام.. ايام فى الكلتاوية
ما زالت الكلتاوية هي الذاكرة الأهم والأبرز في حياتي ، هي المحطة الاولي التي نشأت فيها وتأثرت بها وكانت هي النافذة الوحيدة التي أطللت منها على الحياة ، كانت هي البداية لرحلة الحياة وظلت هي الأهم والأعمق تأثيرا ، كانت هي عالمي الوحيد ، ومنها كانت الرحلة الاولى الى دمشق ، كانت حلب بالنسبة لى هي الكلتاوية ليست كحي ومكان ومدرسة ، وانما هي منهج حياة وتربية روحية وتكوين ومجالس وأصدقاء وذكريات ، كانت وما زالت فى ذاكرتى ,  وكنت استرد ما احتاجه من تلك الذاكرة عندما احتاج اليه ، غادرت الكلتاوية كمكان قيل العشرين من عمري ، وبدأت الرحلة الطويلة التى لم تنته بعد , ستون عاما بعد العشرين  ، ما زالت ملامح الوجوه في مخيلتي وما زالت الكلمات التي كنت اسمعها حية في داخلي ولَم انسها ابدا ، كانت الحياة اكثر دفئا ، كانت المعايير مختلفة والموازين اكثر رقيا ، لا شيء مما كان قد انمحي من الذاكرة ، اليوم استعيده وأستمتع به ، لا استعيده كأحداث ووقائع ، وانما كمنهج حياة لفهم الحياة ، أصبحت اليوم اشد اشتياقا وحنينا لتلك الحقبة المؤسسة ، كان كل شيئ مختلفا عما اصبح عليه ، حياة بغير تكلف ، وجمالها بعفويتها ، كانت لها خصوصية روحية ، كل شيئ استعيده كما عشته وكما احسست به ، كنت اتساءل ماالذي تغير، كنا اكثر صفاءا ، هي الحياة كما كنا نراها ، هل الحياة هي ما كنا فيه او هي ما أصبحنا فيه ، وشغلنا بالحياة عن الحياة فأصبحنا نلهث خلف سراب وهمي تحسبه جنة ونهرا وأزهارا ، ما كان يلفت نظري كان شيئا مختلفا ، كنا كعصفور يحلق عاليا ولا يعنيه ان يرى ما انصرف اليه اهتمام الآخرين من تحته ، كانت كل المعايير مختلفة ، كنت صغير السن واصغرمن  كل من كان حولي ، ولكن كنت اشعر انني الأكبر وكأن ما حولي يدور حولي ، كان الكون ينطلق من داخلي ، يكبر ويصغر ، ولكن بمعيار مختلف ، كان النظر للحياة مختلفا ، مما نهتم به هو ما حولنا ، لم نكن نفكر في المال ، كان المال هو الأداة للحصول على ما هو ضروري للحياة ، كنا كمن يمشي في طريق ولا تعنيه وعورته ولا يضيق بكل ما يصادفه من عقبات ، ما كنا فيه هو الحياة وكنا راضين بها كما هي ، وبفضل تلك الذكريات أصبحت التمس العذر لكل الآخرين وأفهمهم اكثر واقبلهم كما هم من غير تثاقل ، كل الآخرين شركاء في الحياة ، كنا نحب كل الناس لانهم مثلنا يملكون ما نملك ، كنا ننفعل ونغضب , ولكن لا نحقد ولا نسيئ ولا نعتدي ، كانت الحياة بسيطة ولكنها اقل تعقيدا واقل انانية واكثر رحما ، كان الكل قريبا من الكل ، التربية الروحية تشعرنا بالسعادة الداخلية والرضا والسكون، ، كنا اقوياء في داخلنا ، السعادة تكبر في داخلنا كحياة ، الخمسينات والستينات كان هو العصر الذهبي الأجمل الذي عشته بكل احداثه ورموزه ومجالسه ، كانت الكلتاوية القديمة حديقة غناء جميلة كثيرة الاشجار والأزهار فيها عبق التاريخ ، وكانت مجالسها ممتعة ولقاءاتها دافئة وكان كل من يصعد الي الكلتاوية كا ن يحبها ويقصدها ، كان الطريق اليها صعبا ولا يمشي فيه الا من يريد الوصول الى الكلتاوية ، كنت اشعر اننى اكبر مما انا فيه , كان الكل يحترمنى فانا الحفيد الذى يملك القربى , ما زلت اعرف كل الوجوه التي كانت تأتي الى الكلتاوية ، انتقل معظمهم الى رحاب الله ، كانوا صالحين وأهل تقوي واستقامة ، استعرض أسماءهم ،كانت الكلتاوية جامعة للصالحين وكل من فيها كان صالحا تقيا , عالم مختلف فيه دفء خاص ومتعة  ، كانوا في يوم الجمعة يحضرون من الصباح ويتناولون الطعام معا في مائدة جماعية بسيطة يملؤها الحب والاخوة والملامح المريحة، كان الكل في خدمة الكل ، والكل يحب الكل محبة خالصة صادقة ، لكل واحد شخصيتان شخصية في الكلتاوية وهي شخصية لا تشغلها عن الله دنياها وتحلق عاليا في نظرتها للحياة ، شخصية لا تفكر الا في الخير وخدمة كل الآخرين، وشخصية اخرى وكأنها ليست هي الاولي ، شخصية تحسن اختيار امر دنياها ، وكأنها خلقت للدنيا ، وتعمل بجد ونشاط ،. لا شيء من امر الدنيا يبعد الانسان عن ربه ما دام ملتزما بثوابت الحقوق واخلاقية التعامل ، الحياة بكمالها وتعددها ، الدين غذاء إيماني والتربية منهج لتهذيب النفوس ، والعمل في الدنيا امانة واختبار ،لم اشهد في الكلتاوية تلك المنهجية المتكلفة في المجاهدات والخلوات ولا تلك الانزلاقات الشطحية في الأقوال والاحوال ولا تلك الطقوس الطرقية ولا ذلك التعصب الجاهل في المعتقدات ، لم اعتد ذلك منذ الطفولة وكبرت وكبر نفورى منه ولا اجد له سببا ,  كانت المنهجية المفضلة هي منهجية الالتزام العاقل والاعتدال المنضبط ومحبة كل الآخرين والانفتاح عليهم وفهم ما هم فيه والإمساك بيدهم في المنعطفات ، كان الأدب شعارا في الكلتاوية والاستقامة هدفا والاخلاص منهجا في الطريق الي الله ، كل المجالس مازلت اذكرها بمن فيها ، وكأنها لوحة في الذاكرة ، مجتمع خاص كان اهله يريدون ان يتطهروا ظآهرا من كل الآثام والشهوات والأهواء وباطنا من كل خواطر السوء ومذموم العادات ، في الكلتاوية لاتعصب ولا تطرف ولا رياء ولا نفاق ، فلا مبرر لهذا في مجتمع الكلتاوية ، ما سمعت فيها حديثا عن احداث السياسة ولا عن اعمال التجارة والمال ولا عن التفاخر بالأحساب ومجد الأجداد ، كان الامر مختلفا في الكلتاوية ، كنا فى الكلتاوية كاسرة مشدودة الى عالم السماء , لا شيء خارج هذا الاهتمام ,  عندما اسمع بعض الاسماء من جيل الابناء والأحفاد استعيد بسرعة ملامح ابائهم وأجدادهم من بناة الكلتاوية وأعمدتها التاريخية ، هناك أعمدة شامخة  كان لهم دور كبير في بناء ذلك الصرح ، ما زلت اذكر الكثير من تلك الاسماء ، ذكرت في كتابي عن السيد النبهان اسماء خمسين اسرة من الرجال وهناك اكثر منهم من النساء ، واكثر منهم في ريف حلب الجنوبي ، واكثر من هؤلاء في العراق وفِي الفلوجة بشكل اكبر ، تلك اسرة كانت ملتفة حول السيد النبهان   وفيما بعد أنشئت مدرسة النهضة العلمية وكثر علماؤها وكبر أثرهم في مجتمعهم ، وكنت اشعر بسعادةًكبيرة كلما التقيت بهم في مجلس الجمعة ومجلس الأحد وفِي لقاءات اخري ، كنت اجد في تلك الباقة الطيبة من شبابنا الامل ان يكونوا مشاعل نور في مجتمعهم ، كانت الكلتاوية ذات رسالة تربوية روحية وذات مهمة علمية وتريد تعميق القيم الايمانية والروحية ، عندما أتكلم عن احد ممن صحبوا السيد النبهان  اريد ان اسعد ابناءهم وأحفادهم ، وهناك الكثير مما لا يعلمون من ابائهم  في تلك المرحلة ، تلك ذكريات تستحق الاهتمام ، تاريخ الكلتاوية يستحق ان يسجل وفاءا لذلك الجيل الذي بنى الكلتاوية وأقام أعمدتها الراسخة ، دلك جهد كان يراد به الله ولا شيئ اخر ، وكل انسان يترك منه شيئا لمن سيأتي بعده من ابنائه وأسرته ، وكانت اسرة السيد كبيرة ولَم تنل منه أسرته الصغيرة اكثر مما تركه لكل محبيه ممن جاؤوا بعده ، كانت الكلتاوية قلعة حصينة للإسلام الأصيل بكل قيمه الراقية وأخلاقيته المتميزة ، كان السيد صوفي النزعة ولَم يكن طرقي التربية والتكوين ، كان صوفيا بعير سذاجة واخلاقيا بغير تكلف وكان يعمل لله وفِي سبيل الله ، لان الله تعالي امره بالعمل الصالح ، لم يكن يتكلف في اَي عمل من أعماله ، لم يكن يعنيه ما يقوله الناس عنه من مدح أوذم، كان يريد ان يعمل لله ، كان في خدمة الله ويعمل ما امره الله به ،لا لاجل ثواب او خوفا من عقاب فما سمعته يوما يتكلم عن ثواب وعقاب ، كان يريد الله ولا يبحث عن جنة او نار ، كان بعيدا كل البعد عن البدع والمبالغات والتعلقات الدنيوية ، كان مختلفا عن كل الاخرين ومجددا للمفاهيم الصوفية ورافضا كل الشطحات والانزلاقات والاحوال المتكلفة ، كانت رويته للدين مختلفة كليا ، كان يري في الدين محبة الكمال ومحبة الخير واحترام كل الاخرين، تميز بمنهجه التربوي الروحي الذي تأثر به أصحابه من كل الطبقات ، من العلماء والتجار والعمال والسياسيين والفلاحين ومن كل الطبقات الشعبية ومن النساء بصورة خاصة ، كان السيد الرمز الكبير للشخصية الاسلامية في هيبتها وأدبها ونزاهتها وترفعها عن الصغائر ، كان بعيدا عن السلطة وكل رموزها ، ولَم يزر في حياته صاحب سلطة ابدا في مكتبه او منزله ، ولَم يخطر بباله ابدا ان يرد زيارة مسؤول او يشارك في حفلة رسمية ، كان كبير المواقف ذَا هيبة ووقار في مشيته وفِي اناقة ملابسه وعفة لسانه ، ما رأيت اكثر منه حرصا على النظافة الظاهرة فى المكان الذى يجلس فيه ، لم اره قط يمزح او يقول كلمة خارجة عن الوقار والتهذيب والادب فى مخاطبة كل الاخرين , كان خجولا عندما يتكلم , وكان سيدا فى كل المجالس التى كان يحضرها , كان الكل يهابه اجلالا واحتراما ,  وكان اذا غضب امسك عن الكلام , وكان يكره ان ينقل له أي احد كلمة سيئة عن الاخرين , كان يتجاهل ذلك ويعرض عن المتكلم , ولم اره قط يشكو من احد او ينتقده ولو اساء اليه , احيانا كنت احاول ان اداعبه بكلمة فيبتسم ,  واهم مالا حظته عليه اننى لم اجده قط متعلقا باي شيء من الدنيا , لم اجده مدخرا لمال , ولا متحدثا عنه , لم يكن يملك دارا ولا اذكر اننى سمعته يتحدث عن حاجته لملكية دار , ولم نكن نجرؤ ان نخاطبه بذلك , كانت حياته بسيطة , وكانت غرفته التى يعيش فيها بسيطة جدا وليس فيها الا ما يحتاج اليه , لم يكن الامر مهما , ولم اره يوما يتكلم عن طعام بانه يحبه او يشتهيه , وياكل مما كان موجودا فى البيت , وكان من عادته ان يتناول افطاره عند الضحى بعد صلاة الضحي , ثم يتناول وجبته الثانية فى المساء قبل المغرب , ولا ياكل بين الوجبتين , كان يسهر طويلا الى الفجر مع بعض اخوانه , وفى اواخر حياته اصبح ينام مبكرا بعد العشاء  , كان يحب اخوانه ويشاركهم ما هم فيه , ويقف معهم فى ازماتهم , مااستشير فيه اجاب صادقا ناصحا , وما لم يستشر فيه كان يتجاهله ولا يتكلم فيه وكانه لا يعلمه , لم اره يتدخل فى خصوصية احد من اخوانه فيما اختار لنفسه , كان له نظام خاص فى حياته , فى كل صباح من يوم الخميس كان ياتيه الحلاق الى منزله وهو الشيخ هاشم النجار بعد اخيه الشيخ صالح , وفى صباح يوم الجمعة يغتسل ثم يفطر ويرتدى افضل ملا بسه ويتعطر ويذهب الى الكلتاوية لصلاة الجمعة , وبعد الصلاة يستقبل عددا من ضيوفه واخوانه الى العصر ثم يعود الى منزله , وكان يخرج بعد عصر كل يوم الى مزرعة خاج المدينة وتسمى الكرم , وكان يقضى فترة فيها الى المغرب ويشرب الشاي وكان يحبه , وفى يوم الجمعه كان يصحبه عدد كبير من اخوانه  الى الكرم , ويحرص على ان يعود الجميع الى المدينة وان يطمئن عليهم , وكانت هناك ثلاث سيارات وكانت تتولى اعادة الجميع فى رحلات متتابعة , وفى معظم زياراته كان يصحبه عدد من اخوانه المقربين اليه , وابرزهم الحاج فوزى شمسي والحاج احمد الصغير وابو عمر الدباغ والحاج جاسم الكبيسى والحاج محمود مهاوش الكبيسى والحاج محمود الناشد الذى كان يصاحبه فى كل تنقلاته بسيارته الخاصة , ويعد له الشاي الاحمر بطريقة خاصة ومتقنة , وهناك مجموعة اخرى من اخوانه الشباب وهم قرابة خمسة عشرة وكانوا يسمون انفسهم الحلقة , ومن ابرزهم حسان فرفوطى وناظم الفرا وعبد الله عزو وعادل دباغ والحاج ظافر دباغ وابو عبده البيك ومصطفى مخزوم , وكان هؤلاء يقمن  بالمهمات الشاقة التى تتطلب جهد الشباب واهم ذلك مساعدة المستضعفين , وهناك حلقات اخرى متعددة , , وكان هناك العلماء وهم الشيخ اديب حسون والشيخ محمد الشامى والشيخ بشير حداد والشيخ محمد لطفى والشيخ نذير حامد والشيخ نزار لبنية والشيخ عبد البر عباس والدكتور عبد الرحمن عتر , وكان اخوان الريف له خصوصية اخرى وهم جماعة قرية التويم وما جاورها , ثم تكونت مجموعة تجار المدينة وتضم مجموعة كبيرة من تجار المدينة ويشرف عليها الحاج فوزى شمسي , اما مجموعة المهندسين فكان يشرف عليها الاستاذ مروان باقى واسرة السيد والعاملين فى مجال الهندسة والبناء , اما النساء فلهم نشاطهم الكبير , ويضم نخبة من السيدات الملتزمات والذين يتابعن دروس السيد ومذاكراته , وهم اكثر من مائة سيدة فاضلة من كرام الاسر , وكان السيد يستقبل باستمرار كبار علماء حلب من اصدقائه وكان يسر بهم ويكرمهم ومن ابرزهم الشيخ ابو الخير زين العابدين والشيخ عبد الوهاب سكر والشيخ اسعد عبجى والشيخ ناجي ابو صالح والشيخ عمر ريحاوى والشيخ حسن حاضرى , وكان يستقبل كل يوم الضيوف الذي يزورونه فى الكلتاوية وبخاصة من اخوان العراق الذين وبخاصة الفلوجة وكانت لهم مكانة خاصة فى قلبه , اهل الفلوجة كانوا يحبهم وكانوا فى زيارات متواصلة , هناك الكثير مما فى الذاكرة عن الكلتاوية النبهانية , عندما كنت ازور الكلتاوية كنت اشعر اننى شخص مختلف عما انا فيه , وتستيقظ فى داخلى ذكريات الكلتاوية , لقد اعطت الكلتاوية ازهارها واعتقد تلك الحديقة ستظل تعطى افضل ما لديها من فهم للاسلام اكثر عمقا فى ظل تربية روحية تغذى قيم الخير والمحبة فى الانسان . 

( الزيارات : 91 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *