اي دولة نريد.

كلمات مضيئة ..اي دولة نريد.

عندما كتبت كتابى عن نظام الحكم فى الاسلام قبل اكثر من اربعين عاما كنت اتساءل فى داخلى عن مفهوم الدولة اولا والحكم ثانيا , لم يكن ما كتبته مقنعا لنفسي  لاننى كنت اصف الحكم كما كان فى مفاهيمة الواقعية وفى انظمته التى كانت قائمة فى تاريخ الدولة الاسلامية , كانت الدولة كما عبر عن ذلك ابن خلدون هي الحكم الناتج عن الغلبة والقوة , فالاقوى الغالب يقيم دولة باسمه ويتحكم فيها كما يريد ولا سلطان عليه فيما يريد من حرب او سلام  , هناك الدين الذى يأمره بان يحكم بالعدل والا يظلم , هذا امر الله ولكن ما الحكم فيما اذا ظلم وتجاوز واعتدى , لا شيء الا القوة , وتنتقل الدورة من عصبية حاكمة الى عصبية اخرى بمايماثلها فى الخصائص وقد تكون اكثر ظلما ,  اين المواطن المظلوم وما هي حقوقه , لا سلطان على الدولة اذا ظلمت , من يحكم بالقوة فلا بد الا ان يظلم كل الاخرين من خصومه , كنت اتساءل عن مدى شرعية تلك الدولة , الحاكم مؤتمن على الدين وهو الذى يملك الحق فى تفسير الدين والتحكم فى احكامه , وكان علماء الدين فى ركاب الحكام وهم يؤدون مهمتهم كما يؤدى الجند مهمتهم فى الدفاع عن الدولة التى هي العصبية الحاكمة والغالبة ,لم تكن كلمة حقوق المواطن او الانسان متداولة , لا حدود لسلطة الحاكم على شعبه الا اذا تفى وهذا امر لا رقابة عليه  , هناك كلمات جميلة يرددها الناس عن العدالة والشورى , كنت اتساءل ولا اجد الجواب , بعض ما كنت اكتبه لم يكن مقنعا لي  , كيف يمكننى ان ابرر المفهوم الخاطئ للدولة , كانت الكتابات قليلة حول شرعية الحكم , كنت اتكلم عن التفويض الارادى وهي كلمة لا دلالة لها فى الواقع ,  فليس هناك اي تفويض ارادى , الاصل فى البيعة ان تعبر عن توافق ارادى من اهل الحل والعقد , الدولة ضرورية ولا بد منها ولكن كيف تتكون الدولة , كنا نحتاج الى فهم اكثر عمقا ودلالة وتعبيرا عن موقف الدين , كل الخلق سواء فى الكرامة الانسانية والمساواة من الكرامة والحرية من الكرامة وحق المواطن فى الحياة حق للانسان لا يمكن انتقاصه او تجاهله , كنت ارى ان الواقع لا يعبر عن اصول الدين كما اراده الله فى الدولة ولا فى المال ولا فى العدالة ولا فى المساواة , كيف يمكننا ان نحقق العدالة وكيف يمكننا ان نمنع الظلم فى المجتمع , الطاعة المطلقة تتنافى مع ثوابت الدين , فما كان ظلما فلا يمكن الطاعة فيه , توقف باب الاجتهاد لكي لا يكون هناك من يعترض على ماكان  مجتهدا مبررا  , كانت الحروب والمخاصمات والاغتصايات فى الاموال وكان العدوان على المستضعفين ولا احد يقاوم الظلم والتجاوز ,كنا بالفطرة والبداهة الفطرية ننكر الكثير مما كان فى تاريخنا من التجاوزات التى لا يقرها الدين , وهناك من العلماء من كان يبرر كل التجاوزات والمظالم منعا للفتنة  , قلة قليلة نادرة من العلماء كانت تتكلم و تنكر ما كان ولا شيء يتغير , كنا نغالب الحياة بقدسية الواقع  والدفاع عنه وتبريره , الدولة هي الحاكم المنتصر وهو صاحب الشرعية  والعصبية الغالبة , المنتصر يظل فى الحكم الى ان ينتصر من هو اقوى منه عليه , كان المنتصر والناس كلهم مع مصالحهم معه , من اليسير علينا ان نقول القران دستورنا ونحن نعتمد عليه  ولكن لا احد يلتزم بالقران لان تفسير القران بيد الاقوياء والحاكمين , من اليسير على من اراد ان يظلم ان يجد مبررا لما يريد ان يفعله , المال والسلطة امران مهمان ولا تستقيم العدالة الا بهما معا , كنا نتعلم ونعيد قراءة ما تعلمناه فى رحلة لا تتوقف  , وكل جيل هو صورة لمن سبقه من الاجيال , كنا نجد فى كتب الاولين افضل مما كنا نجده فى كتابات اللاحقين , ما اقسى ما عاشه مجتمعنا بسبب ما نحن فيه من تجاوزات واعراف ومفاهيم , ما زالت كتاباتنا بعيدة عما نحن فيه, كل جيل يكرر كتابة ما كان ولا يضيف شيئا , فان اضاف شيئا انتقد واتهم , مهمة الدولة ان تقوم بما يجب عليها من تحقيق الامن وتوفير الخدمات الضرورية لشعبها , وان تسهر على تحقيق العدالة ومقاومة الظلم , الايمان بالله هو امر فطرى فى الانسان ان استقامت الفطرة كان الايمان عميقا واصيلا , وكل ما اقره الدين من اصول فهو مما تقره الفطرة وتقره العقول التى لم تلوث بالاهواء والمصالح , ما تملكه الدولة على شعبها هو ما يحقق مصالح شعبها فى الحرية والكرامة والعدالة , اذا تجاوزت الدولة او ظلمت فقد اعتدت وكانت ظالمة  , عندما تثق بالحاكم تسلمه امرك لكي يحميك وتقف معه فيما يفعل ليحقق ما هو مكلف به , لا احد افضل من احد عند الله ولا احد يملك مالا يملكه الاخر من الحقوق الانسانية ,

 تمنيت ان اكتب من جديد ما كنت كتبته من قبل عن نظام الحكم كما اراد الاسلام وكما يجب ان يكون , عندما نكتب عن تاريخ المسلمين وواقعهم لا يعنى اننا نكتب عن الاسلام , واقع المسلمين لا يعنى ان ندافع عنه اذا لم يكن عادلا ومنصفا ويؤمن بكرامة المواطن وحريته , دولة العصبية الغالبة ليست هي دولة التفويض الارادي , هناك فرق كبير بين الدولتين , كان ابن خلدون يكتب ما كان من مغالبات كما كانت ولا يعنى انها الصورة العادلة للدولة ..

نريد ان نكتب عن الاسلام وثقافته المستمدة من اصوله الانسانية كدعوة الاهية  لا عن تاريخ المسلمين كما كانوا عليه او كما نقله المؤرخون عنهم . ..

( الزيارات : 184 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *