دمشق فى الذاكرة

ذاكرة الايام.دمشق في الذاكرة .

كانت دمشق هي المحطة الاولي التي توقفت فيها لمدة اربع سنوات بعد مغادرتي حلب محتفظا بكل خصوصياتها الروحية التي كانت بصحبة السيد النبهان ، لقد افتقدت ذلك الدفء الروحي الذي كنت اشعر به ، وانصرفت بكل طاقتي الي العلم ، وكنت ابحث عن مظانه فى كل مكان ، وكنت بين مدرستين الاولي تقليدية علي يد شيوخ العلم كما كنت عليه في حلب وفق المنهج الذى كانت البداية به ، القراءة في كتاب وشرح عبارته ومعرفة دلالة الفاظه ولا تجاوز لذلك المنهج ، والثانية منهجية المحاضرة الجامعية. التي يشرح فيها الاستاذ الفكرة دون ان. يشرح النصوص ، والغاية تكوين الملكة العلمية من خلال حسُن الفهم  لما تدرسه والانطلاق منه نحو معرفة جديدة ، وهذه المنهجية التعليمية تحتاج الي رجوع الي الكتاب لفهم ما فيه في ضوء ما ترسخ في الذهن عن ذلك الموضوع ، وهذا المنهج يحتاج الي اعداد وتحضير لكي تكون الفائدة اعم واشمل ، وكنت. اتابع باهتمام هذه المحاضرات ولَم اتغيب عنها ابدا ، وكنت اتابع. المحاضرات التي كنت احبها في الكليات الاخري الاداب والحقوق ،. كنت باحثا عن العلم في اي مكان ، كانت كلية الشريعة. تضم افضل الكفاءات العلمية التي كان لها. مكانة في مجتمعها ، وقد اقترنت تلك الفترة بعهد الوحدة بين سوريا ومصر وهي مرحلة استقرار سياسي واجتماعي ، وتلقيت العلم في الجامعة علي يد اعلامً كبار هم افضل الكفاءات في تلك الحقبة . ، ومن أبرز اساتذتنا الاستاذ الفقيه القدير. مصطفي الزرقا في الفقه. ومدارسه وهو حجة فى الفقه  , واعتقد انه افضل فقهاء عصره فهما للفقه واقدرهم عليه , والدكتور مصطفي السباعي في قانون الاسرة والاحوال الشخصية , وكان يحاول ان يعالج قضايا معاصرة  , والدكتور معروف الدواليبي في اصول الفقه وكانت له منطلقات تاصيلية ومنهج تجديدى والدكتور يوسف العش في التاريخ.وكان من افضل من يفهم فلسفة التاريخ وفهم احداثه  والاستاذ المنتصر الكتاني في الحديث وهو ابن اسرة اشتهرت بالرواية وعلوم الحديث  والاستاذ محمد المبارك عميد الكليةً.وكان صاحب اهتمامات بنظام الاسلام وثقافته  والشيخ بهجت البيطاروهو يمثل المدرسة السلفية  . ، واساتذة القانون وهم كثر في كل التخصصات. ، وكان هناك عدد من الاساتذة المصريين من الازهر ودار العلوم وهم متميزون فى العلم ، ومنهم الدكتور مصطفي زيد الذي بدأت صلتي به في اول عام فى الجامعة  ثم تجددت في القاهرة في الدراسات العليا ، مجتمع العلم مجتمع رائع. الا ان المنافسات تشتد فيه ، كان هناك جيل من الشباب اصبحوا من المعيدين الذين ينتظرون ايفادهم لمتابعة دراستهم في القاهرة، وعندما تخرجت سافرت مباشرة. الي القاهرة ووجدت نفسي فجأة مع ذلك الجيل الذي سبقني بعدة سنوات في الدراسات العليا ، وكان لي في دمشق درس صباحي كل يوم. في منزل شيخ الشام العلامة الشيخ حسُن حبنكة وقد خصني بذلك الدرس وكان يحضر معي الشيخ مصطفي التركماني فقط ، وكانت لي صلة علمية وشخصية. بمعظم علماء دمشق ، كانت الحياة في دمشق راقية الفهم للقيم الاسلامية ، وتلك خصوصية اهل الشام ، وتعلمت الكثير من تلك الحقبة الشامية ومن صحبة ذلك الجيل من العلماء ، في دمشق تشعر بحضارة الانسان فى  السلوك ورقي المعاملات الانسانية ، لم تكن هناك طبقية اجتماعية ، وكان هناك امل في المستقبل ، وكانت الاحلام كبيرة ، كانت الحياة بسيطة ولكن معالم السعادة كانت واضحة في الوجوه ، كان المجتمع متماسكا ومتكافلا ومتحابا ومتعايشا  ، لم تكن هناك طبقية ولا طائفية ولا مذهبية ولا تطرف ولا عنف ولا غلو في المفاهيم ، كانت الامال القومية قوية والمشاعر الايجابية متوهجة ، كنا نحلمً كثيرا ونفرح بما كنا نحلم به ، كانت دمشق في عصر الوحدة مستقرة ، وعندما وقع الانفصال بدأ التفكك الداخلي والصراعات والمواجهات الفكرية , كان الانفصال هو البداية للتفكك الداخلي والصراع علي الحكم ، بدأت كل الامال تتراجع. وكل الانوار تنطفئ ، الصراع علي الحكم مكلف للمجتمع كله ، كانت دمشق في تلك الحقبة هي الرمز العربي الكبير ، كان السوري في كل مكان يشعر بالشموخ العربي ، كان العلم يحظي في بلاد الشام بمكانة كبيرة وتميز ثقافي ورقي سلوكي ، كان الشعور بالوحدة العربية قويا وغالبا وموحدا وملهما لكل الامال ، عندما اتذكر الحقبة الدمشقية التي استمرت اربع سنوات اشعر بالقوة الداخلية  وتتجدد الذكريات الدافئة ، تلك حقبة تكوينية في حياتي تعلمت منها الكثير من الدروس ، اعتقد ان تلك الحقبة من تاريخ الامة العربية هي الاهم في تاريخ العرب الحديث ، كانت سوريا في مقدمة الموكب العربي الصاعد المبشر ، لم يكن هناك النفط العربي ولا الثروات التي انهكت هذه الامة ومزقت. شملها ، كنا نشعر ان العرب هم الاقوي في منطقتهم وهم الاقدر علي حماية مصالحهم ، كنا نعتقد ان العرب هم. قادة العالم الاسلامي بما يملكون. من مقدسات وخصائص حضارية. ، لم نشعر قط بالضعف ولا باليأس، كانت المشاعر القومية اقوي من كل التحديات ، لا احد يمكنه ان يغالب الواثق من حقه والمدافع عن ذلك الحق ، ما زالت الحقبة الشامية هي الاكثر تأثيرا في تكوين ملامح شخصيتي الفكرية بكل ما كان فيها من احداث. ، ومضت اربع سنوات سريعة وغادرت الي القاهرة لمتابعة تحصيلي العلمي في جامعاتها ، وبقيت ذكريات الشام. كما هي وكما عشتها بنفسي ،وانتهت تلك الحقبة الغنية فى تاثيرها فى حياتى , ولم اعد الى  دمشق بعد ذلك الا زائرا او عابرا فى طريقى الى حلب ..

( الزيارات : 67 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *