ذكريات قرية

الشيخ محمد النبهان

ذكريات الايام..التويم مدرسة تربوية:

في «قرية التويم» فى ريف حلب الجنوبى كانت هناك نواة لمدرسة تربوية في الريف، لا تعني بالتكوين العلمي وإنما تعني بالسلوك الأخلاقي والتربية الروحية وتكوين الانسان ، والريف فضاء يتسع لكل إصلاح، لوجود قابليات نفسية تستجيب بسرعة لكلمة الحق، ولم تكن أمية الريفيين لتمنعهم من أن يشعروا بإشراقة الحق، ولم تكن أمية الريفيين لتمنعهم من أن يشعروا بإشراقة النور في كيانهم، لأن قلوبهم صافية كصفاء الطبيعة ونقاء هوائها، حيث لا يحدث ذلك التلوث الذي تثيره الغازات والزيوت المحترقة في سماء المدن، فالهواء النقي تعتاده النفس وتستمع به وتضيق بما يلوثه من سلوكيات الأنانية.
ومن هنا فقد أحس السيد النبهان طيب الله قراه بسعادة وهو يرى أثر تربيته في سلوكيات إخوانه في الريف، فانصرف إليهم واهتم بأمرهم، وأصبح يقضي معظم أيامه في «التويم»، حيث الجو النقي النظيف والفضاء الروحاني اللطيف.
صحبته يوماً من حلب إلى التويم بالقطار حيث كان يسافر في ساعة محددة بعد ظهر يوم السبت في كل أسبوع، كان يرافقه عدد من إخوانه، وكان القطار يمر بالقرى المختلفة ويعبرها من غير توقف، في كل قرية كان يقف عشرات الرجال من إخوان الشيخ يلوحون له بالتحية، وينتظرون بفرحة مرور القطار الذي يأخذه في طريقه إلى التويم، وكأنهم على موعد معه، كان منظراً مؤثراً وشيقاً يجذب الانتباه خصوصاً حين كان الشيخ يلوح بيديه لإخوانه بفرحة وابتسام.
وفي هذه الأثناء نظر الشيخ إلى وجهي، ورأى دمعة محبوسة في عيني، أمسكت بها لكيلا تنزلق على خدي، ولكي لا يراها الشيخ، حينها سألني عما يثيرني، قلت له: أخشى مما أرى، وأخاف منه ، وهناك من لا يرغب في ذلك، ويخشى منه ويرقب الأمور…كانت الدولة لا ترغب فى هذا ولاتسمح به , واتجه الحزب الحاكم بكل طاقته للتضييق على الشيخ طيب الله ثراه فى شخصه واسرته واخوانه واعماله , وكلما اتسعت دعوة الشيخ فى الريف الجنوبى من حلب اتسعت المضايقات واحكمت سيطرتها على القرية لاخراج الشيخ من تلك المنطقة كلها والتضييق على اخوانه ..
وبدأت خلافات صغيرة بين إخوان الشيخ، بين عائلات متجاورة ومتنافسة، كان الشيخ يمسك بمقود الأمور ولا يسمح بتجاوز مبدأ الأخوة والمودة والالتزام بالتسامح المتبادل وحل كل خلاف بالحوار الأخوي الهادىء، وتدخلت أيادي خارجية معروفة بعدائها للشيخ بتوجيه من الحزب الحاكم وهو حزب البعث الذى كان يحارب الشيخ بكل طاقته.. ألهب الحزب هذا الخلاف وعمقته ووجهه الى غاية مرجوة ومدروسة وهي اخراج الشيخ من قرية التويم وكل الريف الجنوبى وترسخت القطيعة بين أخوة الأمس…كان الحزب خصما يخشى من نفوذ الشيخ فى الريف ..كان الحزب يملك القدرة على توجيه الامور لاضعاف نفوذ الشيخ واخوانه الذين كانوا يقاومون بقوة نفوذ الحزب وفساد رموزه..ووقعت فتنة ادت الى خروج الشيخ نهائيا من التويم وكل الريف ..
وحزن الشيخ وتألم، كان يريد لإخوانه أن يكونوا متحابين متعاونين، تجمعهم الرغبة في إخلاص النية، وإصلاح النفوس، واشتد الخلاف وأصبح عميقاً، وترك الشيخ القرية عائداً إلى المدينة، وكان يحذر من تغير القلوب، فإذا تغيرت وزالت المحبة منها تمسكت بالدنيا، ووقع التزاحم والتدافع، ولا شيء كان يؤلمه مثل هذا التدافع المذموم لأجل مطامع دنيوية.
وأدرك الجميع أن المطلوب هو إبعاد الشيخ عن إخوانه، وإشغاله بما كان لا يحب الإنشغال به، ووقعت مواجهة قاسية بين الجماعات المتخاصمة، أدت إلى ابتعاد الشيخ عن القرية وعن كل ذلك الريف المجاور واستولت الدولة على القرية واحكمت سيطرتها على كل املاك الشيخ فى القرية التى بناها واقام فيها اهم مشروعاته الزراعية من ابار وانهار واشجار واغنام .
وعاد الشيخ إلى الكلتاوية كما كان من قبل، وظل إخوانه في الريف على وفائهم له وملازمتهم لمجالسه، ولم يحزن الشيخ أو يتألم بالرغم مما أصابه من أضرار كبيرة.
وسألته بعد ذلك عن سر هذا الابتلاء والاختبار، وهو ابتلاء شديد آلمه وأحزنه.
أجابني بلهجة المؤمن بالله الراضي بقضائه:
«هذا الابتلاء ليس لي، فأنا راض بقضاء الله وحكمته وتدبيره، وإنما هو ابتلاء لإخواني، فمنهم من يصبر عليه ومنهم من تتقلب قلوبهم، وأخذ يردد: يا مقلب القلوب ثبتنا على ما اخترته لنا، واشرح قلوبنا لفهم أسرار حكمتك وتدبيرك».
لم يذهب الشيخ إلى التويم بعد ذلك ابدا..بعد ربع قرن مررت بها فى طريقى لم اعرفها ولم اجد فيها اي اثر للحياة ولم اصدق ما رايته … 
عادت التويم كما كانت من قبل.. غربت شمسها بعد يوم ربيعي جميل، وأقبل الليل بظلامه الدامس، ولم يبق سوى أطلال ملقاة هنا وهناك وذكريات قافلة النور حلّت قليلاً ثم ارتحلت وغابت خلف الأفق بكل ما تحمله من مشاعل الأمل والنور.

( الزيارات : 1٬315 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *