شخصيات لا تنسى

ذاكرة الايام ..شخصيات لا تنسى
في اول زيارة لي الي المغرب في رمضان عام 1973للمشاركة في الدروس الحسنية التي يرأسها الملك الحسن الثاني رحمه الله التقيت بعدد من الشخصيات العلمية التي تحظى بمكانة. كبيره في عصرها وفى مجتمعها , مازلت اذكر الكثير منهم  واحمل لهم فى قلبى الكثير من الاحترام  , لقد انتقلوا الى رحاب الله  , ارجواالله تعالى  ان يتغمدهم برحمته  , هناك ممن التقيناهم لا ننساهم  , هؤلاء يستحقون ان نذكر فضلهم , تلك الذكريات مضى عليها اكثر من خمس واربعين سنة , وكنت عندما التقيتهم فى بداية رحلتى  ,  مازلت حتى الام اذكر بعض كلماتهم  والكثير من مواقفهم , الكبار يتركون اثرا فى القلوب  , وعندما اتاملهم اشعر بسعادة  , ولكل منهم موقف لا انساه  ,  وهؤلاء  من المغرب ومن العالم الاسلامي ، وكل واحد منهم يستحق ان يذكر بالتقدير والاحترام.  ، وكنا نمضي مدة عشرة ايّام فى الفندق ونلتقى كل يوم   في مناسبات اخري.، كان من طبيعة الملك الحسن الثانى رحمه الله انه يهتم اجمل اهتمام بالمدعوين لتلك الدروس ويعتبرهم ضيوفه ويكرمهم اجمل تكريم ، وما وجدت تكريمًا اجمل من تكريم الحسن الثاني لضيوفه من العلماء او من غيرهم واذكر الكثير من مواقفه , وما زلت اذكر الكثير من المواقف التى كان يعبر فيها عن محبته للعلماء , واذكر اننا كنا مرة فى مدينةفاس فى اجتماع لاعضاء الاكاديمية  التى تضم ستين شخصية من من ابرز المفكرين والمبدعين من مختلف التخصصات العلمية , وكان قد مضى عشر سنوات على تاسيس الاكاديمية , واراد الملك ان يستقبل اعضاء الاكاديمية فى الرباط و وارسل الى فاس القطار الملكي الخاص به  لكي ينقل اعضاء الاكاديمية الى الرباط  لكي يستقبلهم فى قصره ويوشحهم بميدالية الاكاديمية الذهبية  ، اما فى الدروس الحسنية  فقد كان يأمر كبار مساعديه من المستشارين والوزراء وكبار القادة  ان يتناول الضيوف إفطارهم في بيوتهم الشخصية  للتعبير عن التكريم فى شهر رمضان  ، لم نكن نشعر بالغربة ابدا في رمضان في المغرب ولم نشعر يوما باننا غرباء فى رمضان  ، كان البعض يمضي شهر رمضان كاملا في المغرب ولا يضيق بذلك ابدا ، والكل كان يحظي بذلك التكريم ، ما وجدت مثل هذا ابدا في اَي بلد اخر ، كان الملك يقيم لضيوفه دعوة. عشاء في قصره ويدعو كل الوزراء والسفراء وكبار رجال الدولة ويطوف بنفسه على ضيوفه مرحبا بهم  وكان يمازحهم  بما يحبون من الكلمات كان الحسن الثانى ملكا بكل المقاييس ، وكان يشعر الجميع بالتكريم والرعاية , ، ومن ابرز الشخصيات التي التقيت بهم في تلك الزيارة. الزعيم المغربي الكبير الاستاذ علال الفاسي الذي دعانا الي منزله واكرمنا اجمل تكريم وكان زعيما متميزا جمع بين العلم والسياسة والوطنية  وكان موطن احترام شعبه ، والاستاذ عبد الله كنون رئيس رابطة علماء المغرب وكان من ابرز علماء المغرب  فى سعة علمه وحسن فهمه وهو صاحب كتاب النبوغ المغربي ,  والصديق الشيخ محمد مكي الناصري وكان وزيرا للاوقاف والثقافة  وكان واليا وسفيرا  وتولى رئاسة العلماء  , والعلامة الشاعر عبد الرحمن الدكالي الذى اصبح اقرب الاصدقاء فيما بعد ,  وكتبت الكثير عنه  ،. واهمً من التقيت بهم من العالم الاسلامي الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الجامع الأزهر,  وهو احد اهم رموز الصوفية في عصره  وكان يملك من  الادب  والحكمة مالا يملكه غيره من صوفية عصره  , والعلامة الشيخ محمد الغزالي الذى عرفته عن قرب  وكان من ابرز الدعاة واصدقهم وكان حسن الفهم  فصيح العبارة ,  والشيخ حسنين مخلوف مفتي مصر ، والدكتور صبحي الصالح مفتي طرابلس المعروف بفصاحته والشيخ الحبيب بلخوجه مفتي تونس  والاستاذ مصطفي الزرقا فقيه عصره ، والتقيت خلال السنوات. الأربع الاولي التي كنت  ادعى فيها. كل عام بعدد كبير من تلك الشخصيات  الكبيرة منهم الزعيم الشيعي الاستاذ موسي الصدر والشيخ محمود شاكر والدكتور مصطفي محمود والشيخ محمد متولي الشعراوي ، والشيخ عبد العزيز الخياط من الأردن وعلماء كبار من أفريقياوبخاصة من السنغال  وابرزهم ابراهيم جوب ، كنا نمضي اجمل اللقاءات في الفندق ونتحاور ونشعر كاننا اسرة واحدة ، ومن اهم ما كنت ألاحظه هو ذلك الأدب الي يميز كل هؤلاء والمحبة المتبادلة  ، وكان الكل يحترم الكل ، وكان الملك يشعر الجميع. بالتكريم والاحترام ، كانت تلك الدروس الرمضانية ظاهرة ثقافية. وحضارية تعبر عن قيم مغربية اصيلة من الاعتزاز بالثقافة الاسلامية كمنهج للتربية والتوجيه والتكوين ، كنا نشعر بان مجالس الخلفاء تعود من جديد. ، وقد تحدثت عن ذلك. في مقابلةً صحفية نشرتها جريدةالرأي العام الكويتية بعنوان: مجالس الخلفاء تظهر في المغرب وتحدثت فيها عن تلك الدروس كان الملك طموحا بغير حدود ويريد ان يسمع كل راي وينصت لكل اقتراح واقترحت عليه فى اول درس فكرة انشاء المجمع الفقهي واهتم به وقر ر ان يتبناه ، كان الشيخ عبد الحليم محمود من ابرز من عرفت في تلك المجالس بأخلاقه العالية وشموخ شخصيته كان يملك خصوصية هيبة التواضع  ولم اره فى غيره ، كنا نلتقي كل يوم  ، كان هناك ما يجمعنا من القيم. الروحية ، كنا نلتقي في كل ليلة على العشاء وفى معظم الامسيات ، ونتحدث طويلا ، كان رجلا مختلفا عن كل الاخرين  وقليل الكلام. ويحسن الصمت  وفى غاية الادب  فى حديثه ، كانت له هيبة. خاصة ، كنا نقضي ساعات معا في الفندق ، كنت اشعر بمحبته لى وكان يخصنى بذلك وعندما عاد الى القاهرة التقي الشيخ محمد الشامى وحدثه كثيرا عني وتحدث الشيخ الشامى عن ذلك كثيرا فى حلب  ، وكنت أصغره كثيرا ، كان كثير الصفاء مختلفا عن كل الاخرين ، كان يشعرني بالمحبة فى كل مجلس وفى كلامه ويثق بي ويقول لى انت تفهمنى اكثر من الاخرين ، وكنت الاحظ اثر التربية الروحية في تكوين شخصية ذات خصائص رأقية ، واهمها الأدب مع كل الاخرين واحترام الانسان مهما كان. والترفع عن الصغائر ومحبة كل الاخرين والزهد في كل ما تطمع فيه النفوس من الدنيا ، وعندما اراد الدكتور عبد الحليم محمود زيارة ضريح سيدي عبد السلام بن مشيش شيخ الصوفية واحد أعمدتها فى المغرب هيأ الملك له طائرة خاصة لكي. تأخذه الي ذلك الضريح في احد الجبال العالية ، رحم الله الشيخ عبد الحليم محمود ، كان شامخا بشخصيته وبادبه وباخلاقه ، ما زلت. اتذكر كلماته المشجعة التي سمعتها منه في تلك اللقاءات ، كان يقول لي : لقد تمنيت لقاء السيد النبهان ، وعندما اراك فكأنني اراه واجد اثره في شخصيتك وفكرك ، كان موسم الدروس الحسنية من اجمل ما رأيت من مجالس العلم ، انك تشعر فيها بكرامة العلم والعلماء ، امضيت اكثر من ثلاثين سنة لم انقطع عن تلك المجالس ، وانقطعت عنها بسبب المرض ، رحم الله الحسن الثاني فقد رفع من شأن العلم من خلال تلك المجالس التي نسبت اليه وسميت باسمه و وسوف تظل تلك الدروس من اهم تراث الحسن الثانى رحمه الله , لم تكن مجرد دروس وانما كانت ظاهرة ذات دلالات حضارية , انها من اهم معالم الشخصية المغربية , حاولت بعض الدول ان  تقوم بمثلها , ولم تنجح , انها لا يمكن ان تكون الا فى المغرب ..

 

( الزيارات : 165 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *