طفولى الاولى

ذاكرة الايام.. طفولتى

حدثني ابي السيد احمد النبهان رحمه الله عن طفولتي الاولي ، قال :
كنت اذهب الي جدك في الكلتاوية احمل له الطعام وكان في عزلته ومجاهداته فكان لا يفتح لي باب الكلتاوية ، واعود وانا احمل الطعام الذي كنت احمله له. واستمر الامر مدة سنوات ، كان جدك. في عزلته لا يتكلم مع احد ولا يستقبل احدا ، وكنا نراه قليلا ، قلة قليلة كانت تراه وكان زاهدا في الدنيا ولا يعنيه امرها في شيئ. ، واستمر الامر بضع سنوات وعندما ولدت جئت اليه في الكلتاوية لكي اخبره بولا دة اول حفيد له فرأيته ينتظرني.عند الباب الخارجي للكلتاوية وقال لي : هل جاء محمد ، قلت له : نعم جاء ، قال لي : احضره لي : فذهبت وجئت بك ، ووجدته ينتظرني علي غير عادته عند الباب الخارجي وحملك بين يديه فرحًا ، واخذ يؤذن في أذنيك وهو سعيد بك ، ولم اره سعيدا كما رأيته في ذلك اليوم ، وقد أسعدني اهتمامه بك ،وحملك بمساعدة جدتك الي الحمام الخاص الملاصق لغرفته ومسح وجهك بالماء الدافئ ، وقال لي : عد به الي أمه ، واعده لي قريبا ، اريد ان اراه. ، قال لي : عندما كنت أحملك معي اليه كان يفتح لي الباب ويكرمني ويهتم بك ، كان اهتمامه بك منذ ولادتك كبيرا، وقد اثار ذلك اهتمامنا. وفرحنا بذلك ، وسماك محمدا ، وهو اسمك الاول الذي تم تسجيله في الاوراق الرسمية , وكان الكل يناديك به ، بعد سنتين. قال لي : اين الفاروق ، واصبح يناديك بالفاروق. ، وانتشر اسم فاروق ولم يكن مسجلًا في الاوراق. ، وقد أضيف بعد عشرين سنة بعد ان اصبح هو الاسم الغالب ، واصبح. الجد يكثر من زيارته للأسرة لكي يراك علي خلاف عادته ، واصبحت الاسرة تتقرب الي الشيخ بحفيده الصغير الذي كان يحبه ، وتعلق قلبه به منذ أيامه الاولي ، ومرضت آلام وهي في سن الخامسة والعشرين من العمر واشتد مرضها ، واستمرت لمدةً يومين وهي تعاني من النزع الأخير ، وحضر الشيخ وقال لمنً حوله : احضروا فاروق. فلن تموت قبل ان تراه ، وجئنا بك اليها ونظرت اليك. ثم لفظت انفاسها الاخيرة ، لم ارها بعد ذلك ، ولم افهم معني الموت وكنت في الخامسة من عمري ، وانتقلت الرعاية كليا الى الجد ، وبدأت رحلة جديدة تختلف عما كان عليه الامر من قبل ، رحلة كانت جديدة لم اشعر بمحنتها وقسوتها. ، لم اشعر بها. في تلك الفترة ، اصبحت قريبا من الجد وانتقل الجد من الكلتاوية الي البيت الاول في حي الكلتاوية ، وأمضي فيه مدة خمس سنوات ، كنت قريبا منه  ،. وكان يهتم بتربيتي وتكويني بنفسه كان الجد والصديق في وقت واحد ، وقد كلف الشيخ بشير الحداد بتعليمي قراءة القرآن ، وكنت اذهب اليه في الكتاب القرآني في جامع الحدادين ثم في الكتاب الثاني في باب الحديد ، ، وكان يخصني بالاهتمام الكبير . ، وكنت قريبا منه واخصه. بالشكر.فقد كان المعلم الاول لي ، ثم انتقلت الي الكتاب الثاني الخاص بالشيخ أديب حسون , وكانً عالمًا متمكنًا.من العلوم الشرعية ومن محبي السيد النبهان ومن المصاحبين له ، وقد اهتم بتعليمي القراءةًوالكتابة والتجويد وقد اتقنت ذلك ً، وكان يكلفني ان اكون الامام لجميع زملائي في الصلاة ، كنت الاقرب اليه ، وكان يخصني بحسن التعليم والتكوين ، ثم انتقلت الي مدرسة الخالدية الابتدائية ، ودخلت فيها الي السنة الثانية مباشرة وكنت في الثامنة من العمر ، وكنت متفوقا في مستوي تعليمي ، ودرست السنة الثانية والثالثة فقط وكان يشرف علي دراستي فيها. الاستاذ نزار لبنية ، وله فضل كبير في تلك الفترة ، ولما شعر أساتذتي انني املك قدرات اكثر من الصف الثالث الذي نجحت منه الي الرابع اقترحوا علي الجد ان انتقل الي دراسة العلوم الشرعية في مدرسة الشعبانية التي يدخل اليها طلاب العلم بعد الابتدائية. وتضمً اكبر علماء حلب وكنت الأصغر بين الطلاب وكان مديرها الشيخ. عبد الله سلطان ، لم يكن لي اي رأي فيما كان من دراستي وكنت اثق باختيار الجد ، وفي اول يوم البسني العمة البيضاء التي أعدها لي ولبستها وذهبت الي المصور وكان يرافقني السيد ناظم الفرا ، كان الجد هو الذي يختار لي دراستي وكنت اثق به وانا سعيد بذلك ، لم اخالفه قط في اي اختيار او قرار ، في الشعبانية الشرعية تلقيت العلم عن اكبر العلماء. في حلب واكثرهم شهرة ، ومن ابرزهم الشيخ ابو الخير زين العابدين والشيخ عبد الرحمن زين العابدين والشيخ عبد الله حماد والشيخ عبد الله خير الله والشيخ احمد قلاش والشيخ بكري رجب والقاضي عبد الوهاب التونجي والشيخ اسعد عبجي والشيخ عبد الله سراج الدين والشيخ محمد الغشيم والشيخ زين العابدينً جذبة والشيخ أديب حسون والشيخ امينً عيروض والشيخ علاء الدين علايا ، وفي نفس الوقت كنت أتلقي العلم في الكلتاوية القديمة وكنت الطالب الوحيد فيها ، وكان اهم أساتذتي فيها. الشيخ نذير حامد والشيخ حسان فرفوطي والشيخ نزار لبنية , وكان هؤلاء  من اخوان السيد النبهان ومن المحبين له ويقومون بذلك من منطلق المحبة ، كنت انا الطالب الوحيد وانا الذي اختار الاستاذ واضع المنهج ، واختار الوقت ، كنت الطالب والمدير ، كانت مرحلةًمهمة في حياتي العلمية والتربوية ، واذكر هؤلاء. الأساتذة بتقدير وشكر ، لم اشعر قط بمشقة الدراسة ، ولم اعط العلم. ذلك الاهتمام ، كانت صحبتي للشيخ هي الاهم ، كنت معه ةهي التى كانت تثير اهتمامى ، وكنت فخورا بما انا فيه ، كنت انصت لكلام السيد وأتأثر به ، وكنت اشعر بمحبته الكبيرة واهتمامه، كنت معه باستمرار في النهار والليل ،في الحضر والسفر ، كنت. اصلي الصلوات الخمس معه. وكان يوقظني لصلاة الليل والفجر كل يوم ، وكنت اصلي معه صلاة الليل كل يوم واجلس معه الي طلوع الشمس ، وكان يقرأ بصوت عال ، لم اسمع منه كلمة ناقدة او مسيئة لي ابدا او لاي احد اخر ، لم اجد اكثر ادبا منه في الكلام وكان يحترم اختيارات الاخرين فيما يختارون لانفسهم ولم اره قط ناقدا لاحد او مؤنبا , كان يلمح ولا يصرح وتعلمت منه الكثير من ذلك ، كنت احرص الا اخالفه في امر محبة له ، لم اكن افعل مالا يريد ولو في غيابه ، مالا يحبه لا افعله لا خوفا وانما محبة لانني اري فيه صورة الكمال ، سألته يوما عن امر : هل هو حرام قال لي : هذا الامر لا احبه لانه. مناف للكمال لا لانه حرام. ، فما هو خلاف الاولي لااحبه وكان ملتزما ومتبعا للسنة , مالا يراه لم يكن يفعله ولكنه لا يمنع الاخرين منه , لم اره قط يصلى صلاة الظهر بعد الجمعة وكان يقيم صلاة الجمعة فى القرية  بمن كان ، وخطبت الجمعة مرة واحدة فى القرية التويم , وكان مواسعا بغير حدود وصابرا على المحن ولو كانت قاسية , وامتحن كثيرا ولم اره ضعيفا او يائسا و وكان راضيا , ويقول الله ارحم بي من نفسي , ولم اره يدعو بطول العمر او الرزق لاحد , كان راضيا وتلك مرتبة خاصة , لم يكن يهتم بما كان يهتم به غيره من امر الدنيا , وكان يعمل فى الزراعة بنشاط ولكننى لم اره يشعر بهمومها , وفهمت منه معنى الزهد القلبي , وهو عدم التعلق , لم يكن متعصبا لاي مذهب او انتماء , كان يحترم جميع الانتماءات , لم اسمع منه كلمة تدل على المذهبية او الطائفية او القومية  , كان يحترم الانسان مهما كان , ويحترم خصوصيته ,  وكان ينزل الناس منازلهم كما هي فى نفوسهم , كان اهتمامه بي  يشعرني بالمحبة والسعادة في داخلي وكنت راضيا ولم العب مع الاطفال ولم اكن احب ذلك  ولم يكن لي صداقات من الاطفال ، كنت قريبا من اخوان السيد واعيش قريبا منهم واجد منهم المحبة  نظرا لقربي من السيد ، وكان ينمي لدي الشعور بالذاتية والثقة بالنفس.بطريقة غير مباشرة ، كل ذلك كان له تأثير في شخصيتي فيما بعدلم اكن اشعر بتاثير ذلك فى تلك الفترة , وفيما بعد عرفت ذلك , وتاثرت بمنهجيته التربوية , . كان يثق بي بغير حدود ، كان ينصت لي باهتمام فيما اقول ، كان يريدني ان اكون الي جانبه في كل مناسبة في المجالس العامة وفي مجالس الكلتاوية وفى اسفاره ورافقته فى زيارته للقدس ، وكان لا يصلي الظهر حتي اعود من المدرسة فاصلي. معه , وكان يوجه لي كلامه او هكذا كنت أظن ، واستمرت دراستي في الشعبانية. ست سنوات وكنت قريبا جدا من أساتذتي ، وبخاصة الشيخ ابو الخير زين العابدين ، وكان من ابرز علماء حلب وأعلمهم وأتقاهم. وكنت احبه من كل قلبي، كان حسن الفهم عميق الر ؤيةً. وكنت اعتبره من افضل العلماء فهما ووعيا وسعة ، وكان يحسن الظن بي فى تلك الفترة المبكرة من حياتى , وكان هناك الكثير مما كان لا يقنعنى فى الدراسة  , وكدت ان اغادرها  الى التجارة التى لم تقنعنى  وتركتها بعد ثلاثة اشهر ولم اعد اليها  لانها لم تكن تمثل طموحي , كنت ارى ان الحياة اثمن من مجرد البحث عن اسبابها المعاشية وعندما عدت كان الجد سعيدا بعودتى الى العلم  كان يحترم اختياراتى وقرارى , ولم يكن يحب ان يسمع منى كلمة المستقبل ويقول لى المستقبل بيد الله , ويقول لى كن صالحا والله يتولاك ودع الامر يبد الله , تلك كلمات مازلت اذكرها وافهمها واؤمن بها , ولا شيء خارج ما هو مقدر للانسان والتدبير بيد الله , وكان يحب ان ارافقه فى كل زياراته ,  واذهب معه الي كل مكان في كل زياراته وأسفاره. واحضر كل مجالسه ، ، واستمر اثر تلك الطفولة فيما بعد في معظم مراحل حياتي ، واهمً اثر هو ذلك البعدالروحي الذي تربيت عليه ، كنت اشعر به ، في افكاري واحيانا يغلبني ، كانت رؤيتي للحياة مختلفة ، احيانا كنت اجد تلك الطفولة ماثلة في حياتي كمنهج وتربية وتكوين ، كانت التربية الروحية هي الحديقة الخلفية التي كنت احتفظ بها كخصوضية. لي في لحظات التأمل ، كنت التجئ اليها ،. لم تكن روحية مصطنعة ومتكلفة ولم اوظفها لدنيا ولم اتحدث بها في المجالس العلمية ، كانت بالنسبة لي كغذاء روحي يساعدني علي الفهم ، لولا تلك الطفولة الروحية لكنت مختلفا في حكمي علي ما كنت أشهده من تلك الروحيات. بمظاهرها الطرقية التي كنت اضيق بالكثير من. سلوكياتها وأفكارها ومنافسات اَهلها علي الدنيا والمشيخة والظهور,  ومحنة التصوف في رموزه وجهل القائمين عليه بحقيقته وقد اصبح التصوف مهنة معاشية لاجل الدنيا  وليست محنته  في فكره كمنهج تربوي روحي يعمق القيم الايمانية ولا بد من تنقية التصوف من ادعيائه ممن ارادوه مطية الى الدنيا , والاستغناء عن كثير من المفاهيم الدخيلة على التصوف الاصيل والتى شوهت صورته وافقدته هيبته  فى نظر مجتمعه ، كانت عناية السيد النبهان طيب الله ثراه بتربيتي الروحية بغير حدود , وفهمت التصوف كما هونت خلال ماتربيت عليه فى تلك الطفولة  ، كان السيد يفهمني جيدا وافهمه ، كانت طريقته في تربيتي بغير تكلف ، كانت كالنور يتسرب من خلال تلك الثقوب الي داخلي فيحدث اثرا.كبيرا من النور والضياء ,  لم أقلد ولم اكن احب التقليد ، مالا اقتنع به لا افعله وكان السيد يحترم خصوصيتي ويثق بي ، لم اكن اشعر بأثر تلك التربية في تلك الطفولة المبكرة . ، فيما بعد اصبحت اكثر فهما لما كان ، ما ضقت يوما بكلمة ناصحة او موجهة ، كنت عقلاني النزعة وأميل الي التأمل وأحب الوحدة ، لم اكن احب مجالس اللهو ولا الجدل ولا الصخب ، كنت انصت جيدا ، لم اكن انفعاليا في سلوكي الظاهري ولكن في داخلي كنت اشعر انني كبركان متجدد لا يخبو ولا يهدأ .، كانت لدي قناعات خاصة لا افعل خلافها واحترم كل الاخرين ، لم اكن احب المبالغات ولا الشطط ولا التعصب ولا ضيق الافق فى الافكار والسلوكيات ، هناك الكثير مما كنت أنقده وأرفضه من المظاهر والافكار التى كنت اصادفها , هناك الكثير مما لا اراه ولا يقنعنى من الافكار , وكنت اشعر بالحاجة الى التصحيح والتجديد لكي يعبر فكرنا عن قضايانا وقناعاتنا , لا بد من اعادة النظر فى كثير من تلك المقتنيات فى الخزانات التاريخية , الادوية التى انتهي موعدها لا يمكن ان تعالج الامراض وتشفى الابدان , لا بد من فتح تلك الخزانات ورفع الركام عن تلك المقتنيات فماكان نافعا فيجب الاستفادة منه ومالا يفيد فلاحاجة اليه , تلك هي رسالة العلماء فى كل عصر ومجتمع  ، منذ الطفولة كانت لي اختيارات خاصة وقناعات. ، كان يغلب علي الجدية وكنت اريد ان أستفيد من وقتي ، كنت صديقًا للكتب وأحب القراءة. في كل شيئ ، لا شيئ مما كنت اراه امامي لا يخضع. للتأمل ، وليست لدي مسلمات مطلقة , كنت اعتمد على ذلك المشعل الذى اكرم الله به الانسان وهو العقل لكي يهتدى به ويعتمد عليه , اذا كان العقل هو المخاطب بامر الله وهو المؤتمن فتجب الثقة به لاختيار الحق والصواب , رحلة التصحيح حتمية  واداتها امران الثقة بالعقل كاداة للفهم والثقة بالعلم لانه الاداة التى تغذى العقل بتلك المعرفة الضرورية , وقد رايت السيد النبهان ينكر على كثير ممن كانوا يعطلون العقل ويلحقون بالمجاذيب اعتقادا منهم انهم يملكون من العلم مالا يعلمه غيرهم من اصحاب العقول الراجحة , وكان يردد فى مجالسه ان التكليف بالعقل وغير المكلف لا يمكن الثقة به لان الشريعة اخرجته من دائرة التكليف , تلك هي تاملات حول تلك الطفولة , وذاكرة الطفولة هي مستودع الاسرار وهي اهم مصدر للمعرفة الذاتية التى تنبثق من داخل الانسان .. ،

 

 

 

( الزيارات : 153 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *