عبد الرحمن الدكالى

ذاكرة الايام..عبد الرحمن الدكالى

بعض المواقف لاتنسى , وتظل فى الذاكرة , ويبقى اصحابها احياء ولو رحلوا , احيانا تحسن فهم ماجرى واحيانا يستعصى عليك الفهم وتقف حائرا متسائلا عن سر ما سمعت او رأيت , معظم تلك الذكريات فى المغرب , وفى المغرب سر خفى يكاد لا يبين , لم يكن حدثا واحدا , وانما هي احداث مرت ووقفت حائرا امامها وعاجزا عن الفهم , ومن تلك الاحداث التى وقعت لى فى ذلك اليوم الذى حضرت فيه اول درس من الدروس الحسنية التى يرأسها الملك , لم اكن اعلم عنها اي شيء , ولم اسمع بها من قبل و لم تكن وسائل الاتصال فى تلك الفترة كما هى الان , لا احد يعلم ما يجرى خلف الحدود , كان المغرب غائبا الا ما ينقله الاعلام , وهو قليل , امور الثقافة غائبة كليا ولا احد يعلم عنها شيئا , عندما وصلت الى الرباط كان كل شيء مما فى المغرب جديدا علي ومثيرا , خصوصيات المغرب تعبر عن حضارة واصالة وقيم وتاريخ وتقاليد , فى مساء اليوم الثانى انتقلنا الى القصر الملكى داخل المشور السعيد , والمشور هو الساحة الخارجية المحاطة بالاسوار العالية , وبداخل المشور يقع القصر الملكى وعدد من الابنية الملحقة , ودخلنا الى ضريح مولاي الحسن ويقع فى الواجهة الامامية للقصر , قاعة كبيرة مجاورة لاضرحة الملوك والامراء , كان هناك مجلس علمي كبير يتصدره الملك وولى عهده ويجلس عن يمينه سفراء الدول الاسلامية وعن يمينه الوزراء وقادة الجيش وكبار رجال الدولة , وامام الملك يجلس فى الصف الاول ضيوف الملك من علماء العالم الاسلامى وخلفهم يجلس كبار علماء المغرب , عندما دخلت لاول مرة كان المجلس مهيبا , واجلست من المنظمين فى الصف الاول مع الضيوف الى جانب رئيس علماء المغرب الاستاد عبد الله كنون الذى كان يفتتح الدروس , ورأيت علامة المغرب الاستاذ محمد مكى الناصرى وزير الاوقاف ينظر الي وهو الوحيد الذى كنت اعرفه وهو الذى دعانى , ورأيت زعيم المغرب الاستاذ علال الفاسي يجلس قريبا , وكان يجلس فى الصف الاول الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الازهر والدكتور الحبيب بلخوجه مفتى تونس والاستاذ محمد الغزالى ومفتى مصر والدكتور صبحى الصالح والاستاذ محمد المبارك , واقترب رجل لا اعرفه منى وجلس الى جانبي , كان فى السبعين من عمره , وكان مهيب الطلعة واثقا من نفسه , ومد يده لى مرحبا بحرارة , واخذ يحدثنى  , لمدة نصف ساعة , وكنا ننتظر قدوم الملك , عرفنى بنفسه انه احد  علماء المغرب , كان الكل يعرفه ويحترمه ويسلم عليه , قال لى سمعت بقدومك واردت ان اتعرف عليك , تناقشنا فى قضايا عامة , وكان الحديث عاما , قال لى كلمة مرت عابرة لم تثر اهتمامى الا بعد حين , قال لى لقد هيانى الله لخدمتك , واعتبرتها كلمة مجاملة وخجلت منها فقد كان الرجل فى السبعين من العمر وكنت فى الثالثة والثلاثين , فيما بعد عرفت ذلك الرجل , انه احد اعلام المغرب كان محدثا وفقيها وشاعرا وهو الشيخ عبد الرحمن الدكالى الابن الاكبر لشخ الاسلام وعلامة المغرب الشيخ شعيب الدكالى ابرز شخصية علمية فى المغرب , اصبحت القاه كل يوم ونتحدث كما تحدثنا اول يوم , لم يثر الامر اهتمامى , توقعت انها علاقة عابرة اعتدت على مثلها فى بعض المناسبات , كان الرجل يريد ان يسمع منى , وينصت طويلا لما اقول , كان الكل يحترمه , عرفت فيما بعد انه احد المقربين جدا الى الملك , عندما القيت اول درس امام الملك عن الاقتصاد الاسلامى , اقترب منى اكثر , واصبح كثير الاهتمام بى , ومنذ العام الاول استمرت صلتى به , تلقيت منه عدة رسائل الى الكويت وكانت تحمل مشاعر طيبة وكلمات اخوية , فى السنة التالية حمل لى هدية من الملك هي الجلابة الملكية التى كان الملك يرتديها , مقرونة باجمل التمنيات الطيبة , كانت تلك هي اجمل هدية واكثرها اهمية , قال لى : جلالة الملك يقدم لك ثوبه , ومازلت احتفظ بتلك الهدية واعتبرتها رسالة تقدير , وقبلها بفترة  قال لى : جلالة الملك يريد ان يهديك شيئا ,فما ذا تريد , وتوقع ان اطلب شيئا ماديا ,   قلت له : اطلب جلابة ملكية , قال لي : سابلغ جلالة الملك بما طلبت , بعد ايام جاءنى يحمل هدية الملك , وجئت بها الى مجلس الملك , وابتسم وهو يرانى ارتديها امامه , بعد عام تلقيت برقية مستعجلة ان احضر الى الرباط فى شهر رمضان للدروس الحسنية , عندما وصلت زارنى  الاستاذ عبد الرحمن الدكالى عند منتصف الليل فى الفندق , حاملا لى رسالة من جلالة الملك تتضمن  اولا  الترحيب بي فى الرباط ,  وثانيا ابلغنى رغبة جلالة الملك ان اكون مديرا لدار الحديث الحسنية , فوجئت وظننت ان هذه الرغبة هي مجرد كلمة تشجيعية , وغلب على ظنى انها ربما تكون كلمة من الاستاذ الدكالى تعبر عن رغبته ومحبته ,  وليست من الملك واعتذرت بلباقة وادب و وشكرت هذه الرغبة , ولم اتصور قط ان الامر كان جادا , وفى اليوم الثانى وفى نفس الموعد جاءنى مرة ثانية وابلغنى ان جلالة الملك مستعد لكي يرسل رسالة شخصية لامير الكويت لكي يطلب منه الاذن لك بالانتقال الى المغرب , لم اتوقع قط ان الامر سيكون جادا وممكنا , قال لى : بعد غد سيقيم جلالة الملك دعوة افطار للعلماء الضيوف وجلالة الملك يدعوك للحضور فى حفل الافطار فى القصر , وطلب منى عدم التحدث فى الامر , ولما تقدمت للسلام على الملك قال لى الملك وبجانبى السيد الداي ولد سيدى بابا وزير الاوقاف  : مرحبا بك فى المغرب , سوف تكون مديرا لدار الحديث الحسنية , وسمع كل من كان فى ذلك اللقاء كلام الملك وسمعت همسا بين الحضور , وامسك بيدى واخذ يحدثنى , شعرت بالخوف من القرار والتردد والحيرة , واقترب منى الاستاذ احمد بنسودة يشجعنى , ورافقنى السيد الدكالى الى الفندق وقد ازدادت حيرتى وترددى , شعور غامض من الرغبة والخوف , وكيف لى ان اقبل على خطوة لا اعرف ما بعدها , رافقنى السيد الدكالى الى الفندق وهو يحدثنى عن دلا لة الرغبة الملكية , وعدت الى الكويت وتوقعت ان ينتهي الامر ولم اتوقع ابدا ان يتم الامر , فالملك كان مشغولا بشؤون المسيرة الخضراء وقضية مغربية الصحراء وكانت تشغله , بعد شهر تلقى امير الكويت رسالة من الملك يطلب منه ان ياذن لى بقبول المنصب الجديد , استدعانى الامير وكان فرحا واخبرنى بالامر واعتبر ذلك تكريما للكويت , واخبرنى اننى ساذهب باسم الكويت فى مهمة علمية  وسوف احتفظ بمنصبى فى الجامعة وبكل المهمات الاخرى , لمدة ثلاث سنوات , وزار الاستاذ احمد بنسودة الكويت وقابل امير الكويت واعطى بيانا للصحف شكر الامير لموافقته على الانتداب , ولما شعر بترددى شجعنى جدا , وقال لى لن تندم ابدا , وفى المغرب استقبلنى الملك استقبالا رسميا بحضور كبار وزرائه , لمدة خمس واربعين دقيقة وهو امر غير معهود , وكان حديث الملك مشجعا وراقيا , وزال عنى كل خوف وتردد , خلال عام كان الدكالى الى جانبي فى كل خطوة كان يتصل بى فى كل يوم , ولما اغلقت الابواب وتلاحقت الازمات واشتدت العواصف كان السيد الدكالى اقرب الناس الي , كان الوحيد الذى كان فى المقدمة غير هياب ولا وجل , كان الكل يهاب صراحته ويخشى منه , لم اجد وفاء كوفائه , كثيرون كانوا الى جانبي فى السر وهو الوحيد الذى تصدى لكل  المحاولات , كان معى بغير حدود , كان الكل يهابه , لم يكن يخاف احدا , عندما اردت ان اقدم استقالتى قال لى : لا سلطان لاحد عليك , يريدون ان تقدم استقالتك ولكن لن تفعل ابدا , استطيع التاكيد  انه هو الذى كشف المؤامرة التى كانت تحاك لتحريك بعض العلماء ضدى, وقد رفض كثير منهم ذلك  , وعندما اكتشف الملك ما يجرى فى الخفاء توقف الكل , وبخاصة عندما تكلمت عن دار الحديث امام الملك فى الدروس الحسنية و  واؤكد انه هو الذى كشف ما يجرى فى الخفاء من الدسائس المعهودة التى ترافق مثل هذه المواقف , كان يحمل لى رسائل شفهية من الملك كان لها تأثير كبير , كان شجاعا وصادقا وعميق الايمان , اكتشفت فيما بعد انه كان يكشف كل ماكان خافيا ومشبوها , وعندما اراد الملك ان يرشحنى لمهمة كبيرة , وادرك ما يراد من احراجى بها واخبرنى انه دخل على الملك والتمس منه ان يبعدنى عن تلك المهمة , وجاءنى واخبرنى ان تلك المهمة كان يراد بها احراجى  لاننى لا اعرف الكثير عن اسرارها , سبع سنوات فى المغرب كنت على تواصل معه , كان يغيب طويلا ولا القاه , كان يقول لى لا تبحث عنى فلن تلقانى ابدا , وعندما يكون هناك اي خطر عليك فسوف ترانى اقف على باب بيتك فى منتصف الليل لاخبرك به وكان صادقا , لم اجد وفاءا  كوفائه , كان معى بغير حدود من البداية الى النهاية , فى عام 1983 عينه الملك عضوا فى الاكاديمية الملكية المغربية , وذهبت اليه فى منزله لاهنئه وكان يعد نفسه للذهاب الى الحج , قال لي:  لن تكون وحدك ابدا , واخذ يبكى وهو يودعنى , قلت له:  ساراك عندما تعود من الحج , قال لى سادعو لك امام الكعبة بان يتولاك الله ..وبعد اسبوع وصلتنا الاخبار انه انتقل الى رحاب الله فى المدينة ودفن فى البقيع , وقرر الملك ان يعينى عضوا فى الاكاديمية بدلا عنه , ولما اقيم حفل تأبين له فى منزله الجديد فى اطراف الامبسادور القيت كلمة مؤثرة فى تابينه والاشادة بشخصيته ومزاياه الشخصية , رحم الله العلامة المحدث الشيخ عبد الرحمن الدكالى وجزاه خيرا فقد كان صديقا وفيا .

( الزيارات : 51 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *