كمال القوة الغريزية فى اعتدالها

كلمات مضيئة..كمال القوة الغريزية فى اعتدالها

اهم قوة فى الانسان  هي القوة الغريزية  وهي اهم  القوى الثلاث الاساسية التى تتحكم في الانسان الغريزية والعقلية والروحية , ولكل قوة وظيفتها الخاصة بها فى كمال الانسان وضبط افعاله الاردية ورقي سلوكه نحو الافضل والاسمى , وبكمال القوى الثلاث يتحقق الكمال البدنى والعقلى والروحي , ولا يمكن ان تستولى احدى هذه القوى على الانسان فينقص به ويحدث الخلل فيه , ولا تستقيم الحياة الا بكمال اسبابها  الغريزية والعقلية والروحية ,  وتتجلى القوة الغريزية في  مظهرين  يؤدي كل منهما وظيفته بطريقة  فطرية , القوة الاولى دافعة والقوة الثانية حامية ومانعة وكل منهما  قوة كمال ,  ويتحقيق الكمال الفطرى فى حالة اعتدالهما  وتؤديان الى النقصان فى حالتى جموحهما او ضعفهما , فالقوة الدافعة هي الشهوات التى تدفعنا للبحث عن اسباب كمالنا الفطرى من الطعام والشراب وكل الملذات الاخرى التى هي مطالب انسانية ضرورية , وهي حقوق لصاحبها اقرها الله لعباده لكي تكون بها الحياة , وبها يكون كمالهم البدنى , فاذا حرم الانسان من حق من حقوقه  شعر بالغضب وكان مستعدا للمقاومة دفاعا عما يعتبره حقا له , وهذه هي القوة الغريزية المانعة والحامية والتى تهيئ صاحبها للدفاع عن نفسه  فى حالة العدوان على حق من حقوقه ,  والقوة الغريزية بنوعيها عمياء لاتحسن التمييز ولا التفكير ,  وهي موجودة فى الحيوان والانسان  معا , فالحيوان يبحث عن طعامه بقوته الذاتية التى  تمده بالقوة وتدله على الطريق الذى يجد فيه طعامه ولو كان بعيدا , لا احد لا يبحث عن طعامه  من الانسان والحيوان , وكل منهما يعرف طريقه فى  البحث عن طعامه   ومن طبيعة القوة الغريزية انها كلما استجيب  لها قويت وترسخت وكبرت الى ان يعجز صاحبها عن الامساك بزمامها , وهذه القوة الغريزية هي مصدر اهم صفتين سيئتين فى الانسان هما الطمع  فى حالة جموح القوة الشهوانية ,  والحقد فى حالة نمو القوة الغضبية  , القوى فى بدنه اوفى سلطته ا وفى ماله  اوفى مركزه الاجتماعى اذاتمكنت منه قوته واستولت عليه  طغى واستكبر وازدادت انانيته وفرديته , وتولدت لديه الرغبة فى العدوان على من هو اضعف منه ولو كان اقرب الناس اليه , وهذه هي محنة الانسان عندما يستسلم  لغريزته , يطمع فيمن هو اضعف منه ويحقد على من يقف فى طريقه  معترضا عليه , هناك من تستولى عليه غريزته فتظهر عليه  اثارها ويستسلم لها  , وهناك من يمسك نفسه ويخفيها  او يتحكم فيها على الاقل  ,  الطمع والحقد صفتان متلازمتان , عندما يكون الطمع فى جانب يكون الحقد فى الجانب الاخر فالطمع يدفع للعدوان  والحقد هو ثمرة لذلك العدوان , الحقد ليس اصبلا فى النفس , ولهذا فان الطفل لا يشعر بالحقد ولا يعرفه  , وكلما زاد الاحساس بالظلم ازدادت  قابليات النفوس للحقد  , والحروب فى الغالب تكون بين  قوي طامع  وبين ضعيف حاقد يشعر بالظلم  ويدافع عن نفسه , وفى معظم الاحيان ينتصر المظلوم ولو كان ضعيفا لانه لا خيار الا ان يدافع عن نفسه ,  ويكون اكثر استعدادا للتضحية  والاستشهاد , وقلما ينهزم المظلوم لانه لا يملك سوي خيار واحد وهو الصبر حتى النهاية  , وقلما يبتدئ الضعيف بالعدوان   لانه لا يملك القوة التى تشجعه على العدوان  , واقصى ما يفعله ان يدافع عن حقوقه عندما يبلغ الظلم مداه وينفد الصبر لديه , المدافع عن نفسه ليس ظالما ولا معتديا , قد يسرق طعامه  لكي ياكله  وقد يرتكب جريمة  ضد من اعتدى عليه  عندما لا يجد العدالة , وعندما يثق بالعدالة فانه يسلم امره للعدالة لكي  تنصفه من ظالمه , الطغيان هو مصدر الجريمة  لانه يدفع صاحبه للطمع فى حق  الغير , ولا احد يطمع فيمن هو اقوى منه وانما يطمع فيمن هو اضعف منه , وهذا على نطاق الافراد والمجتمعات والقبائل والدول  , الضعيف يعنيه امره ولا يتجاوزه , اما القوى فانه يبحث عن غنيمة  يعتدى عليها  طمعا فيها , الاستعمار هو وليد طمع القوى فى ثروات الدول الضعيفة ولهذا يقع الاعتداء عليها واحتلالها  , الحقد  وليد الشعور بالظلم , ولو اكتفى القوى بحاجته وتوقف عند حدود حقه لماكان الحقد قائما , فالحقد ينتج عن الغضب الناتج عن الظلم  , والغضوب يكبر حقده كاما المه ظلمه  , الحقد  قد يصبح مرضا نفسيا ناتجا عن شعور ضمنى بالظلم  وقد يشتد الى ان يترسخ فيكون صفة  تحتاج الى علاج وقد يصعب  التحكم فيه , عندما يمنع الاقوياء من التجاوز  بقزة القانون وبقوة السلطة  وبقوة العدالة فلا مبرر للحقد  ويمكن التعايش  والشعور بالامن  , النظام الاجتماعى الذى يقبل الظلم  ويتعايش معه يشجع الظالم  على ظلم من هو  اضعف منه  , وكلما كبر الظلم  فى مجتمع كبر الحقد فيه الى ان يشعر المظلوم فردا او طبقة بحاجته للدفاع عن نفسه  وعن حقوقه , وهذا مبعث الثورات فى التاريخ  , عندما يبلغ الظلم مداه تكون النفوس مستعدة للتمرد على واقعهم ,  وفى المجتمعات الطبقية تكبر الاحقاد الطبقية بطريقة حتمية , والنظام الراسمالى يحمل فى نفسه جذور ضعفه واسباب انهياره لانه مجتمع الاقوياء ضد الضعفاء والاغنياء ضد الفقراء , الحياة لكل الخلق  وكلهم عباد الله , وكلهم يملك حقه فى الحياة وفى اسباب الحياة وضرورياتها , ومن العدالة ان يملك كل فرد او مجتمع قيمة جهده وعمله , وهو الملكية الفردية , وهو الذي يملك التصرف فيه فى حياته وهو الذى  يقع توارثه , ومالا شرعية له  من الاثراء غير المشروع  المعتمد على الاستغلال والاحتكار والامتيازات والتحكم فى  الثروات  والنقود  واستغلال الازمات لا ستغلال الحاجات  فهذا شكل من اشكال الربا المحرم المذموم , والثروات الفاحشة هي ثمرة  للاستغلال البشع وتحكم اصحاب الثروات بالتجارات والشركات واسهم الشركات  والمعادن والطاقات والثروات الطبيعية , وكلما اتسعت الفجوة بين الطبقتين  التى تملك والتى لاتملك  كان  الحقد اقوى الى ان يحكم سيطرته على مجتمعه ويهدد التعايش والتساكن  فى المجتمع الواحد ولو بين الاخ واخيه والجار وجاره  , لا احد يحقد الا اذا شعر بالطغيان والظلم , وهذه هي محنة المجتمعات الانسانية ,  وهي محنة الشمال والجنوب , ومحنة اليمين واليسار , وهي محنة التمييز العنصرى  والقبلى والعرقى  والقومي  , التعدد ظاهرة طبيعية , اما التمييز غير العادل فيولد الحقد لدى الطرف الضعيف لاحساسه بالظلم , وهذه هي محنة الاقليات الذين يشعرون بالظلم والاقصاء , وهذه هي المحنة التى سوف تهدد  المجتمعات الغربية التى استأثرت لنفسها بالقوة  العسكرية وتحكمت فى الثروات والتجارات والصناعات  , واصبحت تلك المجتمعات تملك من القوة السياسية والاقتصادية  والعسكرية ما يجعلها وصية على كل الشعوب , المستضعفون فى الارض  هم الاكثر عددا والاكثر استعدادا للتضحية  , وهم صابرون الى ان تزول الهيبة من قلوبهم  ويكبر الحقد فى داخلهم ويصبح بركانا وجمرا , المخادع الامنة لاتقوى على الصمود امام العواصف  الخريفية التى تسقط كل الاوراق الصفراء اليابسة والاغصان  المتهالكة التى بلغت شيخوختها ,  الضعيف يحتاج لمن يدافع عنه وينصره فى مواجهة القوى الذى تحكمت فيه انانيته واستباح كل حقوق المستضعفين , مهمة الدولة ان تحقق العدالة وتمنع التجاوز فى كل الحقوق  الانسانية , وعندما تتحالف الدولة مع القوى ضد الضعيف  ومع الظالم ضد المظلوم ولو بالتجاهل  لظلم الظالمين يفقد الضعيف ثقته بالدولة , ويقاومها لانه يتهمها بالتقصير فى حمايته ,ويقاومها  لانه لايراها عادلة وياخذ عليها انها لم تكن وفية  للعدالة فى نظره  ومن المؤسف ان معظم الدول  والانظمة تخضع لسلطة الاقوياء واحيانا تتحالف معهم  وتمنحهم امتيازات  تشترى بها ولاءهم  وتريدهم ان يكونوا  معها  ,  واحيانا يكون اصحاب السلطة  شركاء لرموز المال  فيما يعملون  , واصحاب المال فى معظم المجتمعات هم حلفاء السلطة لنها هي الى تعبد لهم طريق الثروة والكسب  وتمنحهم الامتيازات والاعفاءات  , واسوأ من هذا عندما تسند لهم المهمات والمسؤوليات  لانهم اصحاب كفاءة ومهاره , وما اجتمعت السلطة والمال فى  امر الا كثر الفساد والاستغلال , وهذه محنة الكثير من المجتمعات  التى يكثر الفساد فيها ويكثر الفقر ويقل  الانفاق على الخدمات الضرورية ,  وما لهذا انشئت الدولة  , فالدولة اداة تحقيق العدالة  فى المجتمع الذى اقامها وفوضها ومنحها الشرعية لكي تحمي المستضعفين ,  وتقف فى وجه الطغاة والفاسدين  , اما الدين فهو حليف المستضعفين  دائما  لانه من الله تعالى , والله هو رب العالمين والكل عباده , ومن ثوابت الدين انه يأمر بالعدل والاحسان , وهذا هو ما يحبه الله من عباده , الدين لا يتحالف مع الظالمين ابدا , فاذا انحاز رموزه الى معسكر الاقوياء والظالمين  كما حدث فى تاريخ الكنيسة فى اوربا  انصرف المؤمنون عن الكنيسة وعزلوها عن مجتمعهم  لانها خانت الامانة ,  ولم ينصرفوا عن الله ابدا  لانه  خالقهم  وتجب له الطاعة والعبادة  , وما جاء عن الله ورسوله فهو حق  لا يمكن تجاوزه وهو الدين الحق ,  والله تعالى لا يرضى بالظلم ابدا ولو بمثقال ذرة , الاسلام دين الله وهو حليف المستضعفين فى الارض , ولهذا حرم الاسلام كل الاسباب التى تؤدى الى الظلم فى المعاملات  , ولا يحتج بالدين لتبرير ظلم  ولو افتى به المفتون  , الطامعون فى متاع الدنيا  لاتقوى لهم  ولاثقة بهم  ,  اهل الله  هم الصالحون  الذين لا تغريهم الدنيا ولا ينافقون ولا يطمعون ولا ببررون  منكرا ولا يقرون ظلما ,  مهمة الدولة ان تحقق العدالة فى مجتمعها  وتحمي المستضعفين  فى كل حق من حقوقهم , الدولة مؤتمنة على الحقوق  , وكل نظام يحقق العدالة فهو محمود ,  وكل نظام يقر الظلم والاستغلا ل والاحتكار ويحمي الظالمين فلا يمكن ان يكون من الاسلام ,  وهو كغيره يخضع لكل معايير المساءلة النقدية عن كل اعماله , الدولة هيئة اعتبارية منتخبة بارادة لا اكراه فيها  , ومهمتها ان تحقق المصالح الاجتماعية  لكل شعبها , لا احد فى المجتمع الواحد خارج  التكليف والتفويض والمساءلة , ومن حق كل مجتمع ان يضع نظامه الاجتماعى  بارادته المطلقة , لا بد من وضوح معنى التعاقد الارادى فى قيام الدولة , ومفهوم التفويض الارادى  فى ممارسة السلطة لسلطتها , لا احد خارج المسؤولية الدستورية  والمعاقدة  الملزمة ومعنى التفويض  الارادى  المراقب بكل الوسائل  الضابطة للحقوق , العدالة مبدأ انسانى تؤيده الاديان السماوية والقيم الاخلاقية ويجب ان تلتزم به كل الدول , وهو اهم فقره فى الدستور الكونى العابر للحدود الذى يخترق كل سيادات الدول  , لا سيادة مع الظلم  ابدا ولا شرعية للطغيان وللاستبداد  ولا للهيمنة على  قيم الاديان السماوية   فى اقرارها لكرامة الانسان  ضد كل اوجة العدوان والطغيان  , الدول القوية هي التى تتجاوز العدالة لانها تملك القوة التى تدفعها للتجاوز والعدوان , ولا شرعية للقوة  فى اي حق عام يملكه كل الاخرين , والنظام  العالمى اليوم  فى توجهاته العامة هو اسوأ نظام اجتماعى لانه يحمي الاقوياء تحت شعار الحرية الفردية , انه نظام يكرس قوة الاقوياء فى مجتمعهم ويزيد فى ضعف الضعفاء , لا عدالة بين طبقتين الاولى تزداد قوة وثروة , والثانية تزداد ضعفا وفقرا , واي نظام تعليمي يكرس قوة الاقوياء وضعف الضعفاء لا يمكن ان يكون عادلا  ولا يمكنه ان يؤدى مهمته فى نهضة مجتمعه  , الطبقية ظاهرة سلبية فى مجتمعها  , مهمة التعليم فى مجتمعه  ان يحرر المفاهيم والقيم  من مخلفات  التخلف  والجهل وان يعيد تشكيل الانسان من جديد لكي يكون  اكثر انسانية ورحمة واقل انانية وقسوة , هناك افراد  محمولون على الاكتاف  بسبب انتماءاتهم واموالهم  وسلطتهم وانسابهم  , وهناك اخرون مستضعفون  لا يملكون شيئا وهم منسيون ومستذلون , وكيف تستقيم العدالة  فى مجتمع لا يجد المستضعف فيه  الطعام الذى ياكله  والمدرسة التى تعلمه والبيت الذى يسكنه ,  التعليم هو البداية لاعادة تكوين الانسان  لكي يكون انسانا يؤمن بالعدالة  والمساواة  وانتفاء التمييز واحترام كل الاخرين لانهم شركاء فى الحياة  , ليست الامية  عدم القراءة والكتابة وانما هي تخلف التعليم  عن  اداء دوره   وعدم مواكبة عصره  ومتطلبات انسانيته ومعرفته كامل حقوقه وحقوق الاخرين , العدالة الحقيقية ان يكون التعليم واحدا لكل الاطفال  لكي يتعلموا التعايش والتساكن  من غير شعور بالتميز فى مجتمع يراد له ان يكون واحدا ومتعايشا  ,  والشعور بالتميز فى التعليم هو البداية لتكوين الحقد الطبقى بين طفلين احدهما يفخربانتمائه لمدرسة راقية او اجنية واخر يشعر بالهوان  فى مدرسة وطنية لاتملك ماتملكه  المدرسة الاولى  من امكانيات مادية ومنهجية , تلك هي البدايات الاولى  لتكوين تربوي وتعليمي متخلف  يعمق الفجوة  بين الطبقات  , وكيف تستقيم المنافسة  بين هذين الطفلين وكل منهما  بعيد عن الاخر فى عواطفه ونظرته لنفسه , فما ذنب ذلك  الطفل المستضعف الذى لا يجد التعليم  الراقي فى نظره  لانه لا يملك اسبابه , ليس كل ما نعتبره عادلا  يمثل العدالة , العدالة اما ان تكون كاملة وحقيقية او لا تكون  , لا بد من اعادة النظر فى كثير من مفاهيم العدالة لكي يكون مفهومنا للعدالة عادلا لا ظلم فيه , هذا ما افهمه من الاسلام الذى جاء به رسولنا الكريم , الاسلام لا يتجزأ , الاموال عندما تكون دولة بين الاغنياء والاقوياء فهذا ليس من الاسلام , ومن العبث ان نحرم الربا ونتعامل بابشع صور الربا فى البيوع والعقود والاجور والاحتكارات وسلطة المال على المستضعفين اذلالا وحرمانا واستغلالا , لن ننهض ابدا الا باسلام حقيقى  لا زيف فيه ولا تضليل ولا تجهيل , مجتمعاتنا هي ابعد المجتمعات عن الاسلام الحقيقي , وتاريخنا لم يكن اسلامي الفكر والثقافة والسلوك  والاخلاق , ازماتنا اليوم هي وليدة واقع اجتماعى متخلف بستظل بمظلة الاسلام , وينشغل بفروع الاحكام  عن اصولها ومقاصدها المرجوة  ,  الاسلام خارج اسوار الوصاية عليه , ولا يمكن لاحد ان يدعى الوصاية عليه فيما لا يحقق مقاصده الايمانية فى تكوين الانسان خلقا وادبا وفى تحقيق مجتمع اكثر عدلا واحتراما لكل الحقوق الانسانية , واهمها حق الحياة وحق الحرية وحق الكرامة .

( الزيارات : 18 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *