مجالس العلم والثمرة المرجوة

ذاكرة الايام.مجالس العلم..والثمرة المرجوة

كنت احب المجالس العلمية منذ ان كنت طالبا فى المراحل الاولى من حياتى سواء فى حلب او دمشق , وفى القاهرة كنت اتتبع المناسبات العلمية فى الكليات الجامعية ا وفى المراكز الثقافية , كنت فى حلب اداوم على دار الكتب الوطنية , واحضر معظم الندوات العلمية واهتم بكل نشاطاتها , وفى دمشق كنت اتتبع كل النشاطات الثقافية , وكانت كثيرة وغنية , وفى القاهرة كان لنا مجلس شبه يومي بكلية دار العلوم وكان يحضرة المعيدون فى مختلف التخصصات الاسلامية واللغوية والادبية والتاريخ والفلسفة , ومن ابرز من كان يحضر فيها الزملاء الدكتور محمد البلتاجي الذى اصبح عميدا للكلية والدكتر حسن الشافعي الذى اصبح رئيسا لمجمع اللغة العربية والدكتور عبد الصبور شاهين والدكتور محمد عيد , وهناك مجالس اخرى فى دار الكتب الوطنية , ومكتبة معهد الدراسات العربية , وكنت اتابع مناقشات الدكتوراه وبخاصة تلك التى كان يشارك فيها الاستاذ محمد ابوزهرة , وفى الرياض كان لنا مجالس كثيرة وابرزها تلك التى كانت تضم نخبة من الكفاءات السعودية , ومنهم الصديق الدكتور احمد الضبيب الذى اصبح مديرا لجامعة الملك سعود والدكتور عبد الله التركي الذى اصبح مديرا لجامعة الامام محمد بن سعود , وكان هناك مجلس اخر يضم نخبة من الاساتذة السوريين ومن ابرزهم الدكتور عبد القدوس ابو صالح والدكتور عبد الرحمن الباشا والدكتور بكرى شيخ امين والاستاذ عاصم  البيطار والدكتور ابراهيم السلقينى , ولما انتقلت الى الكويت كان المجالس العلمية اكثر تنظيما , وكان هناك المجالس العلمية فى الجامعة وهي الاكثر فائدة , واتيحت لى الفرصة ان التقى باعلام مصر واكبر علمائها فى مختلف التخصصات , ومن ابرزهم الذكتور شوقى ضيف والدكتور عبد السلام هارون والدكتور عبد الحي حجازى فى القانون والدكتور عبد الوهاب حومد فى القانون الجنائي  والدكتور عزيز شكرى فى القانون الدولى والدكتور صوفى بوطالب والدكتور حسين مؤنس , كنا نجلتقى كل يوم فى الكليات ونتناول اهم القضايا العلمية , واستفدت الكثير من هؤلاء الاعلام , وهناك مجلس اخر هو مجلس الثلاثاء وكان يضم نخبة من المثقفين لمناقشة اهم القضايا التى كانت تشغل المجتمعات العربية , وفى كل اسبوع كانت تطرح قضية للمناقشة والحوار , وعندما انتقلت الى المغرب كانت المجالس العلمية هي الاكثر اهمية فى حياتى , فى اللقاءات والندوات والمؤتمرات وفى الادارة حيث كنت استقبل طلابي كل يوم فى الفترة الصباحية , كنت اتحاور معهم حول موضوعاتهم التى كانوا يشتغلون بها وهي متنوعة , كنت اساعدهم فى اختيار الموضوع وفى تصوره المبدئى وفى المنهج الافضل له ,  وكنت اتابع معهم تلك الموضوعات , بعضهم كنت اشرف عليه , وبعضه كنت اساعده فى الاختيار واقترح عليه من يشرف عليه , كنت اجد سعادة فيما كنت اقوم به , وقد اتاح لى ذلك التعرف على تراث الغرب الاسلامى واعلامه وهو تراث غني باسهاماته العلمية , هناك الكثير من الاعلام لم نسمع بها من قبل , لا يمكن اغفال الاسهام الكبير لاعلام الغرب الاسلامى وبخاصة اعلام الاندلس الذين كان اسهامهم العلمى كبيرا ومفيدا وغنيا , وكانت مجالس الاكاديمية وبخاصة مجالس الخميس التى كانت تضم ثلاثين عضوا من ابرز اعلام المغرب وثلاثين اخرين من الشخصيات العالمية , كانت الاكاديمية منبرا علميا متعدد العطاءات وكانت له ابعاد اكثر سعة من خلال مساهمات الاعضاء والخبراء فى موضوعات الحوار , وكانت هناك مجالس ذات طبيعة ثقافية كانت تتم فى منزلى فى الرباط فى كثير من المناسبات , وكان معظم من يحضرها من المهتمين بالقضايا العلمية والثقافية , وفى شهر رمضان فى المغرب كان الاهتمام الاكبر هو المجالس العلمية الرمضانية التى اشتهرت باسم الدروس الحسنية , وكان يرأسها الملك ويحضرها كبار رجال الدولة والعلماء والمثقفين , وقد حضرت معظم تلك المجالس لمدة ثلاثين سنة , والقيت سبعة دروس منها فى موضوعات مختلفة , تلك المجالس العلمية هي مدرسة متجددة , لان الانسان يتعلم ويستفيد ويغنى معرفته بافكار الاخرين , ليس المهم هو ما تعلمناه ولكن المهم كيف يمكننا ان نستفيد مما تعلمناه ,  لكي يورق ويثمر و عندما نكتسب المال فيجب ان نحسن استثماره , الادخار لا يكفى وسرعان ما ينضب كماء بئر تتجمع مياهه من الامطار , كل الابار التى لا ينبع الماء من داخلها ستنضب لامحالة , مياه الامطار والسيول ولو تدفقت بقوة لن تكون صافية كماء الينابيع التى تتجدد باستمرار , ولن تنضب ابدا , مجالس العلم تسعدنا وتعلمنا وتجعل رصيدنا اكثر واوفر , نريد من العلم ان يتجدد بعطاء الاجيال المتعاقبة , وبجهد العقول التى ارادها الله تعالى ان تكون هي المشاعل المضيئة , مالا يتجدد من الافكار يستغنى عنه لعدم الحاجة اليه , الحياة مدرسة متجددة العطاء وهي الاهم فى حياة الانسان , العلم لخدمة الانسان , واداته العقل وحسن الفهم , هناك الكثير مما يتوهمه الانسان ويظنه علما ومعرفة , العلم مهنة كبقية المهن , العلم لا يعنى حسن الفهم , والعلم لا يعنى العمل ولاالاستقامة , مالا ينعكس على حياة الانسان فلا قيمة له , عندما لا نستخدم العقل بطريقة جيدة فلا نتجاوز مانحن فيه , غاية العلم ان يكون الانسان افضل مما هو عليه , وان يفضل غيره بما يعلم وبما يعمل , عندما يكون العلم مهنة فلا يمكن ان يفضل العالم غيره , مالا يفيد الانسان فلا قيمة له ولا حاجة اليه , العلم الذى لا ينهض بمجتمعه لا حاجة اليه , كنت اتساءل مع نفسي بعد كل مجلس من مجالس العلم عما يمكننا ان نضيفه الى معرفتنا , كنت ابحث عن الثمرة المرجوة مما تعلمناه , العلم افضل من الجهل ولكن ماهو ذلك العلم , احيانا نكبر بما نتوهمه فى انفسنا ونظن انفسنا اننا على شيء من الحق والتميز , لا علاقة للعلم بالتقوى ابدا , بعض من هن يتوهم انه الاعلم من الاخرين يزداد غروره بنفسه ويعلو بمكانته المتوهمة. واحيانا يكون من السفهاء الذين يفعلون ما يفعله السفهاء من الرياء والغرور والعدوان على كل المستضعفين والتعالى عليهم والسخرية منهم , ليس العلم ان تعلم اكثر عن الاخرين واقوالهم وافكارهم وما فعلوه , المهم ان نسخر كل ما علمناه لخدمة انفسنا والنهوض بواقعنا الى ماهو افضل , ما اجمل رحلة الحياة وهي تعلمنا اكثر عن الحياة ماكان فى الماضى وما يمكنه ان يكون ..  

( الزيارات : 341 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *