محطات فى رحلة العمر..

 

 

 

 

 

 

 

 

ذاكرة الايام..محطات فى رحلة العمر..

لا احد منا لا يذكر اهم محطات توقف فيها فى رحلة الحياة , هناك محطات تتوقف فيها طويلا,  وهناك محطات صغيرة تمر بها سريعا وسرعان ما تغادرها , المحطات الكبرى تظل فى الذاكرة ولا تنسى , وأحيانا تترك فى حياتك اثرا , تذكره ولا تنساه , مازلت اذكر اهم محطات فى رحلة العمر , لكل محطة ملامح وآثار , تأملت طويلا فيما ظل حيا فى الذاكرة , وهو كثير , محطات متكاملة متتابعة مسهمة بجزء كبير فيما نحن فيه , ست محطات هي الاهم , كانت البداية من حلب وهي الاهم والاكثر اثرا , واليها يشتد الحنين ولا يضعف , وقد تكون النهاية بها , انها الموطن الاول والاجمل والأغنى اثرا , كل ماكان فى تلك الحقبة ما زال كما كان , عواطف ومشاعر وحب وحنين وانتماء ووطن , انها الحقبة التى لا تنسى بكل ما فيها , كل ذكرى تثير مشاعرى , وتجعلنى اعيش معها واحلق بعيدا عن واقعي , عندما احدث اطفالى عن تلك الذكريات لا يفهمون حقيقتها ولا يدركون مدى ماتعنيه كلمة الوطن , من كان فى الوطن يزهد فيه ومن عاش بعيدا عنه تعلق به واحبه واشتاق اليه , كل ملذات الدنيا لا تشعرك بالدفء الذى يمنحك اياه الوطن , نسيت كل الاصدقاء الذين عرفتهم فيما بعد وبقي اصدقاء الطفولة لا يغادرون اماكنهم فى الذاكرة , عندما ارى احدهم امسك به وكانه لوحة فنية محببة اهديت اليك ممن تحب  , احيانا اتمنى ان اسير عبر الازقة الضيقة التى كنت امر بها , ربما يضيق اهلها بها ولكننى احبها واشتاق اليها , مازالت بقايا ماكنت اشهده من طرقات وجدران ودكاكين وملامح رجال كنت اراهم فى طريقي , كنت امشى فى تلك الازقة فى الايام الماطرة , واحيانا كانت  الثلوج تغطى كل مكان , فى حلب كانت الكلتاوية هي المنطلق , كنت اراها اجمل من كل ما شهدته فيما بعد من الاحياء وشواهق الابني لخصوصية فيها ة ,كانت حلب القديمة جميلة , ما زلت حتى اليوم احن الى تلك الاحياء البسيطة , كل من فى الحي هم ابناء اسرة واحدة , كانت الكلتاوية بالنسبة لى هي وطن وانتماء وتاريخ وطفولة  , اراها هي الاجمل وليست هي الاجمل بالنسبة للاخرين , تركت الكلتاوية فى شخصيتى اثرا هو الاكبر ثقافة وتربية روحية  , تعلمت الكثير مما كنت احتاجه , ماتعلمته فى الكلتاوية كبر مع الايام , كانت مجالسها هي الاجمل والاكثرشعورا بالدفء الروحي  , كنت اراها مختلفة كثيرا عن كل المحطات التى توقفت فيها فيما بعد , عندما غادرت حلب فى اول رحلة لى لم اتصور ابدا اننى لن اعوداليها  الا زائرا ,  وقفت فى اعلى الهضبة التى تطل على حلب ونظرت النظرة الاخيرة الى حلب , كنت مترددا خائفا اقول لنفسي هامسا متى ساعود , كان الطريق الى دمشق طويلا , كنت اظن اننى سافرح ولكننى لم افرح , كنت ادر ك ان الرحلة قد بدأت وتمتد طويلا   , فى دمشق كانت المحطة الثانية شعرت اننى بعيد جدا عن حلب , مجتمع جديد عرفت الكثير من الاصدقاء , كان كل شيء مختلفا عما كان , كان لا بد من الصمود فى وجه المشاعر والاشواق , كان لى اصدقاء جدد , هم رفاق الطريق , واعترف باننى  كنت محظوظا باصدقائى , مازلت اذكر الكثير ممن عرفت ,  امضيت اربع سنوات وكانت سريعة , عرفت الكثير من اعلام العلم ورموزه , تظل الشخصية السورية متميزة بخصال اهل الشام حضارة وثقافة وادبا وفهما راقيا لمعنى الدين , لم اشعر بالغربة كما كنت اظن قبل ذلك , ربما اعتدت عليها بعد حين , هناك اشياء كثيرة تغيرت فى حياتى , لم اعد كما كنت , كان لا بد من الصمود , الرحلة بدات ولا عودة الى الوراء , كنت اجد الكثير ممن استسلم ورجع , ولكننى لم اضعف , ومضت ايام دمشق سريعة وكانها ايام معدودة ..وفجاة وجدت نفسي فى طريقى الى المحطة الثالثة القاهرة , لم اتردد ولم افكر , لم اصدق نفسي اننى ساصل الى القاهرة بهذه السرعة , وجدت نفسي الى جانب من كان قبلى بسنوات من الموفدين , بعضهم كان استاذا لى , التقينا فى قسم الدراسات العليا , كان على ان اسير بسرعة كبيرة لكي الحق بهم , كانت لدى صداقات وزمالات كثيرة , بعضهم من الموفدين من البلاد العربية المختلفة ومعظمهم من مصر من المعيدين الذىن تم اختيارهم لكي يكونوا اساتذة فى الجامعات , فى القاهرة شعرت اننى فى مجتمع مختلف , عرفت الكثير من اعلام مصر من الرموز العلمية الاولى , كنت طالبا وكانوا اساتذة , الشعب المصرى شعب عريق لم نشعر قط اننا فى بلد اخر,  ولم نشعر بالغربة ابدا , كنا بعيدين كليا عن السياسة , عالمنا هو الجامعات والمكتبات , اربع سنوات مرت سريعة , مازال الحنين شديدا ولكن لا بد من الصمود وبلا تردد , فى مصر تتسع رويتك وترى الوطن العربي كله ويزداد طموحك وترى القمر قريبا منك يخاطبك ويؤنسك فى وحدتك ولو كنت فى ظلام  , لم يكن عالمنا العربي كما هو اليوم , كنا نشعر اننا كبار فى وطننا العربي واقوياء , كنا نتطلع الى الامام بتفاؤل وامل كبير , اربع سنوات مرت سريعة , كانت جميلة وممتعة , وفجأة وعلى غير توقع وجدت نفسي فى طريقى الى المحطة الرابعة ,  الرياض ,

كل شيء اختلف عما كان , لم اعد طالبا كما كنت , احسست اننى كبرت فجأة , اصدقاء اليوم كلهم اعلام واصحاب تجربة وتاريخ , كانت الحياة هادئة , الاهتمامات مختلفة , الرياض بلد كان يحبو نحو الافضل , المدارس والجامعات وخطوات سريعة , فى كل يوم هناك الجديد , هناك الكثير من الكفاءات العربية وبالاخص من سوريا , كان لنا مجتمع خاص يضم نخبة متميزة من افضل الكفاءات العلمية , كنا نشعر ان الرياض ستكبر سريعا , كنت الاحظ ان هناك كفاءات سعودية بدات تعود من اوربا لتاخذ مكانها فى مجتمعها , مازلت اذكر الكثير من الاصدقاء فى الرياض من سوريا وهناك الكثير من السعوديين , كنا نشعر ان هناك خطين فكريين , خط ملتزم الى درجة التزمت  , وهناك خط اخر اكثر انفتاحا واتساعا , كان هناك تنافس خفي بين الاتجاهين , لم اكن اميل الى المدرسة الفكرية المتزمتة كنت اراها ضيقة الافق ولو استقام اهلها  , كنت بعيدا عنها , وكنت اقرب الى المنهج الاكثر اعتدالا , انتقلت من جامعة الامام الاسلامية التى كانت تضم نخبة من علماء السعودية واخرين من افضل الكفاءات السورية وتحدثت عنهم وذكرت اسماءهم , كان لنا مجتمع خاص ومجالس ثقافية اسبوعية , كان هناك تعاون وتكافل ورغبة فى التعايش ولو فى ظل الاختلاف  , لم يكن هناك التعصب الذى اصبحنا نراه فيما بعد , كان هناك احترام متبادل واخلاقية فى التعامل , وبعد ثلاث سنوات وجدت نفسي فى الكويت , كانت جامعة الكويت هي الافضل عربيا وكانت تضم افضل الكفاءات العربية وبخاصة من مصر , كانت الكويت تمثل فى تلك الفترة نموذجا مشجعا لخليج عربي يتطلع الى الافضل ويسعى له , كانت الجامعة خلية علمية نشطة وتضم افضل ما يمكن ان يكون من البحوث والدراسات مع احترام لحرية البحث العلمى ولشخصية الباحث , كانت الصحافة متفوقة وكانت هناك تجربة سياسية مشجعة وحكمة كويتية  وانتخابات نزيهة وحوارات بناءة , وكانت الحرية مكفولة بالقانون  , اؤكد ان الكويت كانت فى تلك الفترة نموذجا ناجحا للدول الخليجية ويمكن ان يحتذى به , امضيت فى الكويت ست سنوات كتبت فيها اهم كتبى الاولى عن نظام الحكم الذى طبعته الجامعة وكتاب المدخل للتشريع الاسلامى وكتابى عن الثقافة الاسلامية وكتاب االتشريع الجنائى , وطبعت هذه الكتب فى الكويت , كان لنا مجلس ثقافى  اسبوعي يضم نخبة من المثقفين من كل البلاد العربية , وكان يضم افضل الكفاءات فى تلك الفترة من مختلف التخصصات العلمية , وفجأة وعلى غير توقع كانت الرحلة الى المحطة السادسة الى الرباط عاصمة المغرب , كنت اتوقع ان مهمتى ستكون قصيرة , سنة فى البداية ثم امتدت لثلاث سنوات , كنت اتوقع اننى ساعود , كنت فى مهمة علمية بامر من سمو الامير  لم اتطلع اليها ولم اعد لها  , لم اغادر مكانى فى جامعة  الكويت , استمر بيتى كما كان , وكانت الجامعة تتوقع اننى ساعود , كان كل اصدقائى فى الكويت ينتظرون عودتى , بعد ثلاث وعشرين سنة عدت زائرا الى الكويت بدعوة من جامعتها , امتدت زيارتى مدة شهر , كان كتابى نظام الحكم فى الاسلام يدرس فى الدراسات العليا , اربعون سنة مضت وانا فى المغرب , فى المغرب هناك الكثير من الاصدقاء من الزملاء وهم نخبة متميزة من افضل الكفاءات العلمية ومن طلابى وهم ابرز علماء المغرب , لم يعد المغرب بالنسبة لى  مجرد محطة انه الوطن الثانى الذى اشعر نحوه بكثير من المشاعر والعواطف  , عندما اغادره اشعر بشوق اليه , لم اشعر فى المغرب بغربة ابدا , المغرب بلد عريق واصيل  , وتذكرت كلمة الملك الراحل الحسن الثانى رحمه الله الذى قال لى عندما استقبلنى فى الاسبوع  الاول من وصولى الى المغرب: ستكون فى موطن الترحيب فى المغرب ولن تكون غريبا فيه ابدا ..

( الزيارات : 260 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *