مفهوم الشورى في الفكر السياسي الإسلامي

مفهوم الشورى في الفكر السياسي الإسلامي

المشورة

 

بحث قدم إلى المؤتمر الثالث عشر لمؤتمر مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي الذي عقد في شهر آب أغسطس 2004 بعمّان

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

اهتم الفكر الإسلامي بمباحث الإمامة لأنّ الإمامة هي القاعدة الأولى في بناء الدولة الإسلامية، واعتبر نصب الإمام من الواجبات الشرعية الثابتة بالعقل والنقل، لأنّ شؤون الأمة لا تستقيم إلا بوجود إمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة، والإمامة ضرورية للاجتماع البشري كما يقول ابن خلدون، لأن من ضرورات الاجتماع التنازع لازدحام الأغراض، والحاكم هو أداة الفصل في تلك المنازعات المؤدية إلى هلاك البشر، وحفظ نوع من مقاصد الشرع الضرورية…

وذهب بعض المعتزلة كالأصم وبعض الخوارج إلى عدم وجوب هذا المنصب أصلاً، لا بالعقل ولا بالنقل، في حالة استطاعة الأمة الاستغناء عن ذلك، بقدرتها على إمضاء أحكام الشرع وإقامة العدل، لأن الإمامة تعني الملك، والملك يقتضي الاستطالة والتغلب والاستمتاع بالدنيا، وهذا مما نهى الشرع عنه…

ولا خلاف بين علماء المسلمين في وضوح الحاجة إلى إمام، كما لا خلاف في ثبوت حالات الاستطالة والتغلب والانفراد بالسلطة، ولهذا ارتبطت مباحث الإمامة بضوابط دقيقة، سواء فيما يتعلق بشخصية المرشح للإمامة وعدالته وكفاءته، أو فيما يتعلق بأسلوب ممارسته للسلطة، وبخاصة بوجوب الأخذ بمبدأ الشورى، كقاعدة سليمة للقرار السديد، للتخفيف من حالات الاستطالة الناتجة عن التغلب والقوة أولا، ولتمكين الإمام من معرفة ما يصلح به أمر الأمة، وما تستقيم به سياستها، سواء في مجال السياسة الداخلية أو الخارجية…

والشورى قاعدة من قواعد الحكم في الفكر الإسلامي، ولم يختلف العلماء في وجوبها، إنّما اختلفوا في مفهومها ومدى امتدادها، وفي طبيعة أثرها من حيث الإلزام، وهذه الآراء تؤكد مكانة الشورى في الفكر السياسي الإسلامي، وحرص علماء الإسلام قديماً وحديثاً على ترسيخ هذه القاعدة وتمكينها من مواكبة التطلعات المشروعة للشعوب في ضبط الاستطالات الغير المشروعة للسلطة في مال الحكم، عن طريق وضع قواعد ناظمة للعلاقة بين الحكام والمحكومين، وتقيد ذلك بقيود معروفة أو مكتوبة يقع الاحتكام إليها في حالات التنازع والتغالب والتدافع، وتحظى هذه القيود بموافقة الأمة على الالتزام بها، منعاً لكلّ فوضى، وتحقيقاً للمقاصد الشرعية…

وكلمة الشورى تعني طلب الرأي واستطلاع رأي الأمة أو من ينوب عنها أو من يمثلها من أهل المكانة والخبرة ممن تطمئن القلوب إلى آرائهم…

وليست هناك صيغة وحيدة للشورى، فالشورى قاعدة ذات مضمون محدد، ولها أهداف وغايات تتمثل في تمكين الحاكم من الرأي السليم، وتمكين الأمة من المشاركة الجادة فيما يخص أمورها، لئلا ينفرد الحاكم بسلطة مطلقة قد تؤدي إلى أخطاء في مجال ممارسته للحكم…

وليس المراد بالشورى مجرد المشاورة الفردية التي يستشير فيها الحاكم أهل الخبرة، وإنّما المراد بها أن تكون قاعدة من قواعد الحكم ومنهجاً واضح المعالم في تكوين علاقة تعاونية وتكافلية تؤكد مبدأ المشاركة بين السلطة والأمة، بحيث يبرز دور السلطة كأداة إدارية لتنفيذ إرادة شعبية، وفي دور هذا التصور تصبح السلطة الأداة المشروعة التي أناط بها الشعب مهمة حماية مصالحه والدفاع عن قضاياه وتجسيد إرادته. وربما يكون لفظ المشاركة بين الحاكم والمحكوم ليس دقيقا للتعبير عن معنى الشورى، لانتفاء فكرة المشاركة، ووضوح معنى التمثيل والإنابة، فالمشاركة تتطلب وجود طرفين متساويين في الحقوق ومتكافئين في المكانة، والإنابة تعني وجود طرف واحد هو صاحب المصلحة، ووجود طرف ينوب عنه بحكم التفويض والتوكيل لكي يعبر عن إرادته…

وهذا المفهوم لمعنى الشورى يبرز دور الأمة كركن أساسي في قاعدة الحكم، وربما يكون هذا الركن هو الركن الوحيد الذي ترتكز عليه قواعد الحكم، فالإمامة هي نتاج هذا التصور، والإمام هو الرئيس الذي يقع اختياره لكي ينوب عن الأمة في قيادة سفينتها في بحر متلاطم الأمواج، وهو الأقدر على هذه المهمة، وعندما تؤمر الأمة بطاعة الإمام فإنّما تؤمر بطاعة من فوضت إليه أمرها، لئلا تقع الفوضى وتضطرب الأمور.

والشورى هي أداة تمكين الحاكم من أمرين:

الأمر الأول : معرفة المصالح، والمصالح هي حقوق مشروعة للأمة، فقد تكون مدركة لدى الحاكم بحسب وضوحها، وقد لا تكون مدركة بسبب خفائها، والشورى هي أداة المعرفة، فإذا كانت مدركة فالشورى توفّر للحاكم شرعية القرار بما تضفيه على قراره من تزكية وتأكيد ورسوخ، وإذا لم تكن مدركة فالشورى هي أداة الإدراك السليم لطبيعة تلك المصالح من حيث تحقيقها للغايات المرجوة منها…

الأمر الثاني : إشراك أهل الحل والعقد من ممثلي الأمة فيما يتعلق بشؤون الحكم، استمالة لهم لتدعيم سلطة الحاكم فيما يقدم عليه من خطوات، وما يتخذه من قرارات وإشعار الأمة بواجب التناصر والتكافل والتآزر لمواجهة التحديات والأخطار…

والأمة التي تستشار في أمورها تكون أكثر التصاقا بسلطتها، وأكثر قدرة على التضحية، وأقوى تلاحما في الأزمات، وأمة تستشار في أمورها لا تغدر بحكامها، ولا تقعد عن مناصرتهم، وتلتمس لهم العذر في حالات الفشل، وتحميهم في حالات الخطر.

والشورى ليست مجرد كلمة عابرة، وليست مجرد شعار يرفع، وإنما هي ممارسة حقيقية، وهي منهجية قائمة على تربية أخلاقية وقابلية نفسية، وتحتاج لإعداد تربوي، لكي تكون شورى حقيقية بمفهومها الإسلامي الذي أراده الله أن يكون قاعدة راسخة من قواعد الحكم، لتوفر للمجتمع الإسلامي أسباب الاستقرار ومقومات التناصر بين الحاكم والمحكوم، وبين الراعي والرعية، في نطاق دولة أو جماعة أو أسرة…

والسؤال الأهم في موضوع الشورى والذي اعتاد الباحثون طرحه في هذا المجال هو الطابع الإلزامي للشورى، فهناك من ذهب إلى أنّ الشورى ملزمة وهناك من قال بأنها غير ملزمة، ولكل فريق أدلته من القرآن والسنة وأقوال الصحابة وما سار عليه الأئمة في تاريخ الإسلام، ومن اليسير على أيِّ فريق أن يوجه الأدلة كما يراها، والأدلة تحتمل المعنيين معا…

والدليل الأقوى الوارد في شرعية الشورى قوله تعالى:

{ فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين} سورة آل عمران 159

وقوله تعالى في وصف المؤمنين الذين يتوكلون على ربهم :

{ والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون } سورة الشورى 38

وتوسع علماء التفسير في تفسير معنى المشاورة الواردة في الآية الأولى والمقترنة بالتوكل بعد العزم، وهل العزم ينافي المشورة، وهل يتصور العزم قبل المشورة، والمعنى الذي أرجحه في هذا المجال هو ما ذهب إليه الشوكاني في كتابه فتح القدير أن العزم يأتي بعد المشورة، فالمشاورة هي الخطوة الأولى لأنها تتضمن استطلاع النظر العقلي في مصالح الأمة، ثم يكون العزم على ما تم الاتفاق عليه بعد استكمال النظر فيه، ولا يتصور إمضاء خطوة مخالفة لما رآه أهل الشورى، إلا فيما اختص به الله نبيه من الوحي، ولا تكون المشاورة في أمور المصالح التي تدركها العقول بحكم النظر، فان جاء الوحي بأمر فلا تقع المشاورة فيه، إلا فيما ترك للعقول من أمر تنفيذه…

وليس هناك تناقض بين النظر العقلي وبين الاعتماد على الله، فالاعتماد على توفيق الله هو الأساس، والنظر العقلي هو الخطوة الأولى للترجيح المبني على المصالح، والمشورة هي الشرط الضروري للترجيح، والعزم هو الخطوة الأخيرة بعد اطمئنان القلب لسلامة القرار، ولا يتصور العزم إلا بعد المشاورة واستكمال أوجه الرأي…

ويكمن الجواب في مدى إلزامية الشورى للإمام في تحديد طبيعة المسؤولية التي تناط بالإمام، فإذا كانت المسؤولية قائمة على أساس أن سلطة الإمام ذات صفة تمثيلية وغايتها الإنابة عن الأمة في حماية مصالحها فإن من الطبيعي أن تصبح الشورى ملزمة، لأن الوكيل لا يجوز له أن يخرج عن نطاق وكالته في تنفيذ إرادة الأمة التي يمثلها أهل الشورى، وإذا كانت المسؤولية قائمة على أساس التفويض المشروط بحماية مصالح الأمة، فان مقتضى التفويض يفيد أن الإمام هو صاحب القرار النهائي، وأن الشورى لا تلزمه ما دام يرى المصلحة في غير ما رآه أهل الحل والعقد، وبمقتضى عقد التفويض يملك أن يأخذ القرار الذي يترجح لديه بحكم مسؤوليته…

وترتبط فكرة مدى إلزامية الشورى للإمام بتساؤلات مبدئية تحدد طبيعة السلطة التي يملكها الإمام.

التساؤل الأول : ما طبيعة العلاقة بين الإمام والأمة ؟

وبمقتضى هذه العلاقة تتحدد سلطة الإمام، ويجدر بنا أن نفرق بين سلطة التوكيل والتفويض، وهذا التفريق تعرض له الفقهاء في نطاق كلامهم عن فكرة الوكالة في الطلاق، والتفريق بين سلطة الوكيل التي لا يجوز له أن يتجاوز حدود الإنابة عن الموكل فيما وكل به، وسلطة التفويض كالزوج الذي يفوض زوجته بطلاق نفسها في الوقت الذي تريد، ولا تعبر في ذلك عن إرادة زوجها…

وهنا نتساءل عن سلطة الإمام هل هي سلطة توكيل وإنابة عن الأمة ؟ أو سلطة تفويض؟

فإذا كانت سلطته سلطة توكيل فعليه أن يلتزم بتنفيذ إرادة أهل الحل والعقد الذين يمثلون الأمة ويعبرون عن إرادتها، وهم شركاء في السلطة، ولا يجوز للإمام أن يخرج عن نطاق الجماعة التي يمثلها أهل الشورى، فالشورى ملزمة في هذه الحالة…

وإذا كانت سلطة الإمام ذات صفة تفويضية، وهي سلطة مستقلة عن السلطة التبعية التي يملكها أهل الشورى فعندئذ لا يجوز للإمام أن يمضي أمرا إلا أن يقتنع به، سواء وافق رأي أهل الشورى أو خالفهم، لأن سلطة الإمام سلطة تفويض، والمفوض غير الوكيل، ولا يجوز له أن يمضي إلا ما وجد فيه المصلحة…

التساؤل الثاني : ما طبيعة السلطة التي تمنحها البيعة ؟ هل هي سلطة مشروطة باستشارة أهل الحل والعقد ؟ أم هي سلطة مستقلة ؟

فإذا تضمنت البيعة معنى الاشتراط باستشارة أهل الحل والعقد، سواء كان الاشتراط مكتوبا أو كان مما جرت الأعراف به كانت الشورى ملزمة، لأن سلطة الإمام مقيدة بقيود تضمن سداد الخطوات، ورعاية المصالح التي تحقق مصالح الأمة، ولا تجتمع أمتي على ضلالة، وعلى الإمام أن يلتزم بما رآه أهل الشورى، فإن انفرد برأي مخالف لما رأوه اعتبر خارجا عن نطاق سلطته ومتجاوزا حدود اختصاصاته…

ولا يمكن أن تكون بيعة الإمام مطلقة عن القيود، وأهمُّ قيد فيها أن يلتزم بأحكام الله وأن يقيم العدل، وأن يحمي مصالح الأمة، وأن يحترم مبدأ الشورى كقاعدة للحكم، ومن مقتضيات الشورى أن يلتزم برأي أهل الشورى المؤهلين بحكم قدراتهم العقلية ومكانتهم الاجتماعية وخبراتهم في قضايا الحكم، ولو جاز للإمام أن يتجاوز رأي أهل الشورى لما كانت هناك فائدة للشورى، ولا بدّ من سلطة فعلية تمكن أهل الشورى من الانطلاق من قاعدتها لإبداء الرأي، فإذا فقدوا تلك السلطة التي تحميهم خرجوا من نطاق أهل الشورى وأصبحوا جزءا من سلطة الإمام، وعندئذ تفقد الشورى مكانتها وتنعدم فائدتها…

ولو رجعنا إلى فكرة البيعة الإسلامية لوجدنا أن البيعة هي عهد ووعد، والعهود ذات صبغة تبادلية وتكون بين طرفين، كعقود الوكالة والإنابة، فالإمام يعاهد والأمة تعد، والعهد يتضمن احترام مصالح الأمة، والأمة تعده بالطاعة والنصرة والمؤازرة، فلا تشق عصا الطاعة عليه، ولا تحمل سلاحا في وجه سلطته، ومما يتضمنه ذلك العهد أن يحيط نفسه بأهل الشورى من أصحاب الكفاءة والخبرة ممن يشاركونه الرأي، وييسرون عليه أمر الحكم فيما خفي عليه أمره من شؤون الرعية ومصالح العباد…

وأهل المشاورة هم أهل الحل والعقد، وهم أهل الرأي السديد والنظر البعيد ممن أتاهم الله قدرا من النصح والوعي والإدراك، ويستعين هؤلاء بأهل الخبرة والمعرفة، لأن أهل الخبرة يقدمون الرأي في قضايا محددة، أما أهل الشورى فهم شركاء في السلطة، لأنهم يمثلون الأمة، وهم يجسدون السلطة الفعلية التي تساعد رئيس الدولة على اتخاذ القرارات السليمة، وتقدم النصح له فيما يرونه محققا للمصلحة العامة…

ومن الطبيعي أن يتسع اختصاص أهل الشورى مع اتساع سلطة الدولة، وأن تكون هناك ضوابط دقيقة لاختيارهم، وأن تحدد طرائق مشاركتهم في الرأي، وأن يبرز دورهم في ظل ازدهار النظم السياسية والدستورية والإدارية…

والشورى الإسلامية نموذج حي لقاعدة الحكم في الإسلام، وتحتاج هذه القاعدة لتنظيم محكم يضمن أن تؤِدي هذه القاعدة إلى إقامة نموذج سليم للحكم، تنتفي فيه السلطة الفردية، وتتحقق فيه مشاركة الأمة في اختيار مصالحها وأنظمتها وسياساتها سواء في مجال الاقتصاد والسياسة والتعليم أو في مجال المعاهدات والاتفاقات والسياسات الدولية…

ومما يؤكد مبدأ الشورى كقاعدة للحكم أن الإسلام يمنع أي شكل من أشكال الحكم الفردي الذي تتحكم فيه الأهواء الفردية، وتعبث به الانفعالات الشخصية، وتتعرض فيه مصالح الأمة للأخطار بسبب سياسات الارتجال الناتجة عن الأمزجة والتوترات والانفعالات…

وليست هناك صيغة ثابتة لتحقيق الشورى، وعلى كل مجتمع أن يختار الصيغة الملائمة لواقعه والمستمدة من ظروفه وأحواله وعوائده، وأن يطور هذه الصيغة لكي تكون الشورى واضحة المعالم صادقة في التعبير عن احترام رأي الأمة…

وأية صيغة للشورى تحقق الضمانات الكافية لاحترام إرادة الأمة تعتبر من الإسلام، وأية صيغة لا تحقق هذه المعاني وتتجاهل مطالب الأمة وتقر ما لا يقره الإنسان من قيم طبقية ومظالم اجتماعية وتجاوزات في مجال الإدارة والقضاء فهي ليست من الإسلام…

أما الكيفية الملائمة لتحقيق الشورى فمن حق أية أمة أن تختار صيغتها الملائمة لواقعها الاجتماعي، وأن تضع الضوابط السليمة والدقيقة لكي تكون الشورى حقيقية ومؤدية للأغراض المرجوة منها في تكوين قرار سياسي سليم وإدارة نظيفة وتوزيع عادل للثروات ومسارات حقيقية في الحقوق والواجبات…

وليس من اليسير معرفة الطريقة التي يتم بها اختيار أهل الشورى فهل يختارهم رئيس الدولة بعد التأكد من توفر شروط الاستشارة فيهم، كالعدالة والكفاية والجدارة والأمانة والقدرة على معرفة الرأي السديد والشجاعة على إبداء الرأي. ويلاحظ في هذا الاختيار معيار الكفاءة والقدرة والعدالة، أو يتم اختيارهم ممن اختارتهم الأمة بمحض اختيارها ووثقت بهم وأوكلت إليهم أمر شؤونها كرؤساء القبائل الذين يسمع رأيهم ويطاعون فيما يأمرون، أو يتم اختيارهم عن طريق الانتخابات بحيث تختار الأمة من يمثلها ويعبر عن إرادتها.

وهنا يطرح التساؤل الآتي:

هل تراعى الكفاءة والجدارة والعدالة في الاختيار ؟ وهي شروط موضوعية تضمن سلامة الاختيار أم تراعى إرادة الأمة في الاختيار ؟ بحيث يعتمد في الاستشارة من تختاره الأمة، سواء توفرت فيه شروط الأهلية أو لم تتوفر، وكثيراً ما تؤدي الانتخابات إلى اختيار ممثلين عن الأمة ممن لا تتوفر فيهم شروط الكفاءة والجدارة والعدالة، وذلك بسبب العوامل التي تؤثر في إرادة الناخبين وتقنعهم بالاختيار، وهي عوامل مؤثرة في معظم الأحيان كالقدرة على مخاطبة الناخبين والعوامل المادية والعصبيات القبلية والولاءات الشخصية…

والشورى الحقيقية هي التي تجعل المشاورة بين الحاكم والمحكوم صادقة ومعبرة وتهدف إلى حماية مصالح الأمة، ودلالتها الواضحة أن تكون الشعوب راضية ومطمئنة وهادئة، فإذا انعدمت الشورى أو كانت غير صادقة وحقيقية فسرعان ما يظهر ذلك على ملامح الأمة في سلوكيات التوتر والتطرف والغضب، والشورى هي الأداة الحقيقية لمواجهة الأمراض الاجتماعية، وهي الحل الحقيقي والوحيد لظاهرة التوتر والتطرف، لأنها تتيح للمواطن الغاضب الفرصة للتعبير عن آلامه، وهذا التعبير يخفف من حجم التوتر، ويضيق نطاقه، ويزيل مظاهره…

وفي ظلّ نظامٍ يحترم مبدأ الشورى تصبح المشاورة والحوار أسلوبا للتعامل وتربية اجتماعية، وتقل في مثل هذا المجتمع مظاهر الاحتقان والتوتر، وترتقي فيه قيم الحرية، ويصبح التكافل الاجتماعي مظهرا مألوفا للسلوك الاجتماعي، وتصبح السلطة في ظل الشورى الحقيقية هي أداة المواطن لحماية الأمن الجماعي الذي يعتبر من أبرز الحقوق الإنسانية التي تتطلع إليها الشعوب في جهادها في سبيل بناء كيانها وحماية استقلالها…

إن المجتمعات الإسلامية اليوم تحتاج إلى رؤية جديدة لمفهوم العلاقة بين السلطة والمواطن، بحيث تصبح علاقة تكاملية تقوم على أساس الثقة المتبادلة، والمواطن هو الأساس في هذه المعادلة، لأنه مصدر الشرعية لكل سلطة، ولا شرعية بغير تفويض إرادي تمارسه الأمة من خلال الهيئات المنتخبة التي تمثل إرادة المواطن…

والإصلاح مطلب شعبي يتجدد باستمرار، ويعبر عن احترام المواطن، وهو ظاهرة حضارية تعبر عن قيم إنسانية رفيعة، وهي قيم يغذيها الإسلام ويعمقها في الشخصية الإسلامية، ولا يمكن الاحتجاج بالإسلام لإقرار سياسات داخلية تتنافى مع حقوق الإنسان في الحرية والكرامة…

ولا يمكن لمجتمعنا الإسلامي أن يواجه تحديات العولمة بكل أبعادها السياسية والاقتصادية والثقافية إلا بمعالجة أمراضه الداخلية التي أنهكت هذا المجتمع وشجعت على قيام أنظمة فردية تتجاهل حقوق الإنسان.

وأهم ما يجب أن يتجه إليه الإصلاح ما يلي :

أولا: تصحيح العلاقة بين السلطة والمواطن، عن طريق إقرار آليات سليمة للتعبير عن إرادة الأمة…

ثانيا : احترام حقوق الإنسان التي أقرها الإسلام، ونصت عليه المواثيق الدولية، في أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية…

ثالثا : معالجة أمراض الفقر والجهل والأمية عن طريق إقرار قوانين اجتماعية عادلة ومنصفة…

رابعا: التخفيف من ظاهرة التطرف في المواقف والسلوكيات الاجتماعية عن طريق إزالة الأسباب المؤدية إلى التطرف، وأهمها احترام حقوق المواطن في التعبير والمشاركات السياسية…

خامسا : تحرير القرارات السياسية من أي تدخلات خارجية ورفض سياسات الهيمنة التي تمارسها الدول الكبرى لحماية مصالحها الحيوية…

والأنظمة السياسية التي تعترف بحق المواطن في التعبير عن آرائه والمشاركة في القرار السياسي لا تخشى من العواصف والأزمات، ويواجه المواطن فيها كل التحديات الخارجية بشجاعة وصمود…

وفي الوقت الذي نؤكد فيه على رفض سياسات التدخل والوصاية والهيمنة التي تمارسها أمريكا على بلادنا العربية والإسلامية فإننا نؤكد بإلحاح إلى إصلاح حقيقي في مجتمعاتنا تحترم فيه إرادة المواطن وحريته وحقوقه الإنسانية وفق المعايير الدولية التي أقرتها الأمم المتحدة وبما يدعم القيم الإسلامية الأصيلة…

والإصلاح مطلب وطني ولا بد منه، وهو الوسيلة الوحيدة للتخفيف من أخطار الاحتقان الداخلي الذي يولد التطرف والعنف، ولا مبرر للتمسك بأساليب خاطئة في الحكم تتجاهل إرادة المواطن… وإذا كانت أمريكا اليوم ترفع شعار الإصلاح السياسي من منطلق دفاعها عن مصالحها الحيوية في هذه المنطقة فان من واجبنا أن نستجيب بإرادتنا المطلقة لصيحات الإصلاح ونداءات الإنقاذ التي نادى بها عقلاء هذه الأمة وحكماؤها على امتداد خمسين عاما دفاعا عن وجودنا واستقلالنا وثقافتنا وعقيدتنا…

وليس من المعيب أن تسمع كلمة العقلاء من رموز الإصلاح الوطني، وإنما المعيب أن يفرض الإصلاح علينا ونرضخ له عندما يأتي من خارج أسوار هذه البلاد مدعوما بجيوش طامعة في السيطرة والهيمنة…

إن الشورى التي دعا إليها الإسلام واعتبرها من مقومات الحكم ومرتكزاته هي التي تمكن المواطن من المشاركة الجادة في صنع القرار السياسي من خلال إقامة هيئات تمثيلية منتخبة تملك سلطة القرار الذي يمكنها من الدفاع عن مصالح الأمة، وإقرار دساتير وقوانين لحماية حقوق الإنسان وضمان حرياته الأساسية…

وأكد ابن خلدون في مقدمته أن الشرع لم يذم الحكم لذاته وإنما ذم المفاسد الناشئة عنه كالقهر والظلم والتمتع باللذات وأثنى الشرع على العدل والنصفة وإقامة مراسم الدين – المقدمة ص 341- …

واستعمل الفكر السياسي لفظ الخلافة والإمامة للتأكيد على أمرين:

الأول : الإمامة تفيد معنى الاقتداء، ولا يكون الاقتداء بالقهر وإنما يكون بالاختيار، والطاعة المقترنة بالاختيار أرسخ وأصدق من الطاعة عن طريق القهر…

الثاني : الخلافة تفيد معنى النيابة، والنيابة لا تكون إلا بالتكليف، والتكليف يتنافى مع القهر والإجبار، فإذا ارتبط التكليف بالقهر والإجبار انتفى التكليف وتوقفت النيابة، ولا بد في التكليف من توفر أركان ثلاثة : مكلف ومكلف ومكلف به، فالمكلف هو الأمة عن طريق من يمثلها من أهل الحل والعقد وهم أهل الاختيار، والمكلف هو الحاكم الذي يقع الاختيار عليه لأهليته وكفاءته واستقامته، ممن تجتمع الأمة عليه ولا بد من التقيد بحدود التكليف انطلاقا من معنى النيابة، والنائب المكلف ملزم بالتقيد بما أنيط به وما كلف به، فان تجاوز ذلك التكليف خرج عن نطاق شرعية التكليف، ويتمثل ما هو مكلف به في أمرين : حفظ الدين وسياسة الدنيا، أي حماية المصالح العامة وأهمها احترام الحقوق الإنسانية لكل مواطن، فان لم يفعل فقد فقد شرعية التكليف و الإنابة – انظر الفكر الخلدوني للدكتور محمد فاروق النبهان ص 184 –185…

وخصص ابن خلدون فصلا خاصا للحديث عن أثر الظلم في خراب العمران سماه الظلم مؤذن بخراب العمران، وقال في ذلك :

“وعلى قدر الاعتداء ونسبته يكون انقباض الرعايا عن السعي في الاكتساب، فإذا كان الاعتداء كبيرا عاما في جميع أبواب المعاش كان القصود عن الكسب كذلك لذهابه بالآمال، وان كان الاعتداء يسيرا كان الانقباض عن الكسب على نسبته” – المقدمة ص 507-

وأهم ما يميز الفكر السياسي في الإسلام أنه أقام دعائم أخلاقية ودينية لنظرية الحكم وللعلاقة بين الحاكم والمحكوم، وفي ظل هذه الخصوصية تصبح الشورى من السلوكيات التربوية التي يأمر بها الدين، ولا مجال في ظل هذه المنهجية التربوية لتجاهل هذه السلوكية، فالسلطة لا بد فيها من الأخلاق والدين، والدين هو السلطة الرقابية التي تلاحق الأقوياء في لحظات تحديهم للقيم الإنسانية، ولا حدود لطغيان السلطة والمال إذا ضعف الوازع الديني، وفي ظل حداثة الغرب وضعف الضمير الديني، أوجد الغرب لنفسه ضوابط وقيود للحد من تجاوز رموز السلطة عن طريق إيجاد أجهزة رقابية صارمة…

وفي عالمنا الإسلامي عندما يضعف الضمير الديني وتصبح الشورى مجرد شعار يخفي في داخله حكما فرديا يتناقض مع قيم الإسلام في احترام حقوق الإنسان يصبح من واجبنا الديني أن نضع القيود والضوابط التي تنظم العلاقة بين السلطة والمواطن على أسس عادلة، تحد من التجاوزات وتخفف من أخطاء السلطة وتوفر البيئة الملائمة للمشاركة الشعبية في صياغة المواقف السياسية…

وإذا كنا نرفض النموذج الغربي في الممارسة الديمقراطية لعدم ملائمته لمجتمعاتنا فإن من واجبنا الديني والوطني أن نبحث عن النموذج الذي يصلح لنا بشرط أن يؤدي إلى نفس الغايات المرجوة في إقرار أنظمة للحكم ليس فيها تلك الممارسات الخاطئة التي لا يقرها الدين ولا يعترف بعدالتها المواطن والتي تكرس واقعا متخلفا يأباه الضمير الإنساني ويتناقض مع القيم الحضارية والإنسانية…

وأول ثمرة من ثمرات الشورى في مجال الحكم احترام حقوق الإنسان والتعددية الثقافية وتمكين الأمة من التعبير عن ذاتيتها من خلال فلسفة للحكم تؤمن بالإنسان وتحترم حقوقه التي تمكنه من التعبير عن حريته وكرامته، والشورى ليست مجرد شعار ترفضه السلطة وتقنع الأمة به، وإنما هي ثقافة تغذيها تربية مستمرة وسهر على استمرارها جهاد المؤمنين بكرامة الإنسان…

والشورى إحدى أهم القيم الوطنية التي يجب أن يحرص عليها المواطن، ولا كرامة لشعب لا يدافع عن حقوقه الإنسانية، ومن فرط في أي حق من حقوقه فقد تخلى عن جزء من إنسانيته، والجهاد في سبيل الكرامة الإنسانية جهاد مشروع، لأنه دفاع عن الإنسان الذي اعترف له الإسلام بكامل حقوقه التي يرتبط بها وجوده الإنساني، وثقافة الإسلام تنمي هذه القيم الحضارية، ولذلك كان الجهاد أداة لحماية الحقوق ومقاومة طغيان القوة، وحقوق الأمة ليست منحة وإنما هي حق، ولا شرعية لأي دستور أو قانون لا يعترف بحقوق الإنسان كاملة من غير تجزئة أو تشويه، والسلطة مؤتمنة على هذه الحقوق…

وأهم غاية لاحترام مبدأ الشورى في الحكم هو تحقيق الأمن والاستقرار من خلال ما توفره المشاركة بين الحاكم والمحكوم في القرارات من آثار إيجابية تتمثل في تحمل المسؤوليات للدفاع عن المصالح الاجتماعية…

( الزيارات : 1٬210 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *