منابر للثقافة فى المغرب

ذاكرة الايام .. منابر الثقافة
ما زلت اذكر مواقف كبار علماء المغرب عندما كلفني الملك الحسن الثاني رحمه الله بإدارة دار الحديث الحسنية ، توقعت انني سأواجه معارضة قوية من العلماء نظرا لمكانة تلك الدار في مجتمعها وهي المعقل الاهم. للعلماء والكل يتطلع اليها وبخاصة انها تحظى باهتمام الملك ورعايته , وكانت لها مكانة  ، كان أساتذتها من الاعلام الكبار ، وكان طلابها من العلماء أيضًا من الجيل الثاني ، ويمثلون كل المدن المغربية ، توقعت انني سأواجه صعوبة في مهمتي وحذرني بعض الاصدقاء من ذلك ، قال لي احدهم لن تتمكن من الصمود اكثر من سنة واحدة فانت غريب فى مجتمع  ولن تجد لك من يتعاطف معك ، كان الكل في حالة ترقب ومتابعة والخطا الصغير قد يصبح كبيرا ، كنت بعيدا عن الجميع ولم اكن اعرف احدا في المغرب  قبل زيارتى الاولى ، زرت المغرب ثلاث زيارات رمضانية للمشاركة في الدروس الحسنية ، وعرفني المغرب من خلال تلك الدروس  وهذه المعرفة لا تكفى  لتبرير اختيارى ، كانت مهمة صعبة وشاقة ولم أتوقع انها ستطول ، وقال لى الملك عند استقبالى : مهمتك شاقة ولكننى اثق بك  واثق بانك ستتغلب على كل الصعوبات , ووعدنى بانه سيكون معى , وكان صادقا ووفيا , كان معى فى كل الخطوات  , وكان يفهمنى جيدا , وفى الوقت ذاته كنت اثق بما وعدنى به , وكان افضل مما توقعته  فى كل المواقف , من البداية حتى النهاية ,  وفي نهاية السنة الاولى توقعت ان المهمة قد انتهت وأعددت نفسي للرحيل ، وكنت اجد في البداية تشجيعًا من الوزير الكبير السيد محمد باحنيني ، وهو رجل دولة. ويملك البصيرة السياسية والدهاء والخبرة ، وكان من ابرز الوزراء وأشهرهم وأكثرهم نفوذًا ، كنت اثق به ، وانصت له ، كان يعرف مالا اعرف عن المغرب وأسراره ، وكنت احبه واحترمه ، وكنت قريبا منه ، وكان يدعوني لمرافقته في كثير من المناسبات الرسمية ، وكان مكلفا بكل المصالح. الادارية والمالية التابعة للقصر الملكى ، ومنها دار الحديث ، ومرت السنة الاولي سريعة وكان كل شيئ يسير بطريقة طبيعية ، كنت اريد ان أقوم بمهمتي العلمية بأمانة وجدية ، كنت مؤتمنًا ويجب ان اؤدى الامانة ، وكنت اريد ان انجز شيئًا حقيقيًا اخدم به المغرب ،  واريد ان اقدم نفسي من خلال عملي العلمي فى خدمة تلك الدار ، كان لعلماء المغرب مواقف فى غاية النبل   مما يجعلني اعترف بفضلهم ، كانوا كبار المواقف  وفيهم خلق اهل العلم  ولم اجد من احد منهم  اي موقف غير لا ئق ، وكنت الاحظ في اخلاق من عرفت منهم   ومن الشخصيات المغربية الأدب  والنبل  واحترام العلم وتلك ظاهرة يجب الاعتراف بها  لمن عرفت  من تلك الشخصيات  التى تحظى باحترام مجتمعها ، العلم يحظي بالاحترام  فى المغرب ، وهذه ظاهرةً. مغربية  ذات دلالة تاريخية وحضارية ، والمغاربة. لا يحبون. الانفعال ولا التطرف ولا العنف ويضيقون به  وعندما يثقون باحد فلا حدود لاحترامهم له ، وهم اكثر. مرونة في فهمهم للدين ويتمسكون بخصوصياتهم. الثقافية. واعتزازهم بالإسلام ، وعندما وقع خلاف. بيني وبين الوزير الحاج محمد باحنيني حول سياسة الدار. شعرت بتعاطف العلماء معي. ، وأكبرت ذلك منهم ، وكان لكل منهم موقف يستحق ان يذكر له ، ووجدت منهم تشجيعًا وتقديرا ، كنت اريد ان. اسهم في خدمة الدار والنهوض بها ، وكنت اشعر ان الملك الحسن الثاني يريد ذلك ،وكان يريدها ان تكون من اهم منجزاته العلمية وان يذكر بها في التاريخ. ، وكان صادقا في تلك الرغبة ، لم اكن مستعدا للتنازل عن هذا الهدف الذي جئت لاجله ، وكان يمكن ان تتحقق الكثير من الأهداف لولا تلك الازمة المفاجئة  التى عمت وانتشرت ، وقد قرر الملك تبني فكرة المجمع الفقهي وخطة النهوض بالقرويين والاهتمام بالثقافة الاسلامية في كل مناهج. التعليم وفي الجامعات ، كان هناك. طموحات كثيرة ،كان يمكن ان تتحقق , كان الملك طموحا وغيورا على الثقافة الاسلامية ,  ولقد اهتم الملك بثلاثة منابر ثقافية كبيرة ، الدروس الحسنية التي كان كل الشعب المغربي يتابعها باهتمام كبير وكان الفضل في انتشارها للملك  ، ودار الحديث الحسنية التي انشأها وارادها ان تكون قاطرة الثقافة الاسلامية وانً تمد الجامعات المغربية والقرويين. بالكفاءات العلمية ، وهناك المنبر الثالث وهو انشاء الاكاديمية المغربية التي كان يحرص ان تضم اهم الكفاءات العلمية. من المغرب وخارجه ، وكان يهتم بنفسه بتلك المنابر الثلاثة ويفخر بها , وكان محبًا للثقافة بغير حدود ، وقد. شاركت  في تلك المنابر الثلاثة  ، وكنت حريصًا ان أؤدي مهمتي فى نهضة الدار بأمانة ، وعبرت  عن افكاري.من خلال تلك المنابر  بحرية ، معظم افكاري كنت اعبر عنها في الدروس الحسنية. ،وكان ينصت لها  باهتمام ,   ، وفي احد الدروس علق على كلامي لمدة عشرين دقيقة ، عندما تكلمت عن مسيرة الثقافة الاسلامية وبخاصة حول مهمة الدار ورسالة الثقافة في مجتمعها واهمية النهوض بها ، وكنت اجد التشجيع من كبار علماء المغرب ، وقد استقبلت الكثير منهم فى منزلى ا وفى مكتبى  , وكنت اعتبر ذلك تقديرا وتكريما  , وكان ذلك يسعدنى , وأبرزهم الشيخ محمد مكي الناصري والشيخ عبدالله كنون وكل منهما تولي رئاسة رابطة العلماء وكانا من انبل من عرفت فضلا وخلقا ، وكل من الدكتور محمد يسف والدكتور السعيد بوركبة الذين توليا رئاسة علماء دار الحديث ،وكانا معى  كاساتذة فى الدار وشاركت فى مناقشة اطروحتهما ,  واود ان اذكر بالفضل العلامة مولاي عباس المراني والعلامة. عبد الكريم الداوودي ، ومولا ي ابراهيم الكتاني شيخ الطريقة الكتانية وابنه الدكتور يوسف الكتاني ، والعلامة عبد الله الكرسيفي والشيخ الحسين الوجاج من علماء الجنوب ، والعلامة محمد حدو أمزيان علامة تطوان والدكتور ابراهيم بن الصديق الغماري من طنجة والعلامة محمد المنوني والعلامة محمد الصقلي من فاس. والدكتور عمر الجيدي من الشمال ، ولكل واحد من هؤلاء موقف يستحق ان يذكر له وانا مدين لهم بما فعلوه  فى وقت الازمة وكانوا فى غاية النبل والفضل ، لقد امضيت في إدارة دار الحديث مدة ربع قرن تقريبًا ، ولم اجد صعوبة في ذلك ,، بل كنت اجد تعاونًا جيدًا وتقديرا ، وتخرج منها كبار العلماء ، وانني أشعر. بسعادة. لما انجزت هذه الدار من تكوين نخبة. من العلماء الذي يفخر بهم المغرب ، لقد اسهمت الدار من خلال بحوثها العلمية  والندوات العلمية الكثيرة  فى  خدمة ذلك التراث المغربي والتعريف باعلام الغرب الاسلامي ، وتمنيت ان يكون الإنجاز اكير مما هو عليه. ، ولكن هذا ماكان يمكن ان يكون ، هذا زرع في تلك الارض الخصبة ، وسوف يُنبت ذلك. الزرع. أزهاراً في فصل الربيع ، لان المغرب بلد الخير ، وما رأيته خلال تلك الحقبة المغربية كان يشجعني ويدفعني للتفاؤل ، لا شيئ يولد قبل موعده ، الثقافة تشبه الزرع ، وستخرج الارض. لك ما زرعت ، ان احسنت في اختيار ما زرعت فلا تخف مما سيكون ، الاجيال المقبلة هي التي ستحكم علي ما فعلناه وما قدمناه ، من احسن فله اجره ومن اساء فعليه وزر ما فعل…

 

( الزيارات : 111 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *