مناقشة الدكتور محمد الكتانى فى الاكاديمية المغربية

    • العضو الزميل السيد فاروق النبهان :…

    بسم الله الرحمن الرحيم

    شعرت بمتعة كبيرة وأنا أتابع هذا الحديث القيّم المستوعب الذي طاف بنا  الزميل العزيز الدكتور محمد الكتاني في جميع الموانئ الفكرية  الإسلامية  منذ عهد السلف الصالح  مرورا بالفترة الزمنية التي شهدت اضطراباً فكريا وفلسفياً كبيراً في العصور الوسطى، إلى العصر الحديث.

    وكان الزميل الكريم  دقيقاً فيما قاله وكتبه. وكان منصفاً في حكمه على الأشياء. وكان يُقوّم هذه المواقف من منطلق علمي وفكري  واضح لديه…

    وقد أحسن في استيعاب هذا الموضوع من جميع جوانبه. متعرضاً لجميع المدارس الفكرية المختلفة، ابتداء من الأشعرية والخوارج. وذكر معظم الكتب التي تحدثت عن موضوع الأخلاق الإسلامية، وأهمها كتاب مسكويه “طهارة النفس”، وكتاب “أدب الدنيا والدين” للماوردي.,  والماوردي معروف بكتاباته القيّمة وبخاصة كتابه “الأحكام السلطانية”، الذي تحدث فيه عن مباحث  الحكم.والولايات والاقضية ,  وقد عشت مع الماوردي فترة طويلة وأنا أكتب كتابي عن “نظام الحكم في الإسلام”. وكان من أهم المراجع وأدقها. فى الاحكام السلطانية ,  ثم عرض لكتاب مسكويه “طهارة الأخلاق أو طهارة النفس”، هذا الكتاب المؤلف من ست  مقالات. مختلفة ..

    وقد ذكر الأخلاق فى المقالة الاولى ، قال : الأخلاق صناعة، وهي صناعة تجويد الأفعال. وكل صناعة تحتاج إلى التزام قواعدها، وتحتاج إلى استعداد علمي ونفسى وتخضع لقواعد و مكونات لكي تنتج الأثر المطلوب منها. ..

    كان يتكلم من منطلق فلسفي. ولم يستشهد بالقران او السنة  وعرَضَ في هذا الكتاب نظريته في موضوع الأخلاق،  ثم ختم الزميل حديثه بكتاب الغزالي و افكار الصوفية, . وهي المحطة الأخيرة المهمة.

    ا عندما يتحدث الغزالى عن الأخلاق يقول : هيئة في النفس راسخة تصدر الأفعال عنها من غير تفكير ولا رويّة. الخلق هيئة في النفس راسخة تصدر الأفعال عن تلك الهيئة من غير تكلف ولا استعداد ولا استجلاب ولا رويّة…  فإن صدر هذا الفعل عن صاحبه بتكلف فليس بخلق فمن تكلف الشجاعة فليس شجاعاً، ومن تكلف السخاء فليس سخيّاً.

    ويفرق الغزالي ما بين الهيأة والحالة.,  هناك مواقف يقول فيها : هذه حالة في النفس.

    الحب حالة في النفس تنتاب الإنسان المحب. ] أي

    هذه ليست لها صفة الرسوخ. أما الشجاعة لابد فيها من الرسوخ.

    الحكمة صفة في النفس، وهي حالة يتمكن الانسان فيها من التمييز بين الصواب والخطأ ,  الحقد والحسد، هذه احالة تأتي وتسيطر على صاحبها، ليست صفة ثابتة في النفس.

    العلماء المسلمون كتبوا كثيراً عن هذا الموضوع، وبخاصة كتاب “الذّريعة” للأصفهاني. وهو الأصل في كتاب “الإحياء”. وأول من نبهني إلى هذا الكتاب الدكتور طه عبد الرحمن، وكنا نتحدث عن موضوع الإمام الغزالي. قال لي : اقرأ كتاب “الذّريعة” للأصفهاني. و لما رجعت إلى هذا الكتاب وجدت نصا موجوداً في كتاب “الإحياء”. وأدركت هنا أن الإمام الغزالي استفاد من كتاب الأصفهاني فيما كتب في هذا الموضوع.

    الخَلْقُ والخُلُقُ: الخَلْقُ صفة الأجسام، الخُلُق صفة النفوس، الخَلْق صفة الظاهر. , الخُلُقُ صفة الباطن.

    أنت لا تعرف أن الاخر  شجاع أو غير شجاع، ولكن تعرف أنه قصير أو طويل. هذا هو الخلق والخلق ..الاجسام والنفوس ..

    تحدث مسكويه في هذا. وقد أشرت إليه في كتابي “مفهوم النفس عند مسكويه”. وكنت قد ألقيت محاضرة هنا في الأكاديمية عن مفهوم الأخلاق عند مسكويه قبل سنوات.

    مسكويه توسع كثيراً عندما تحدث عن قابلية الأخلاق للتغيير. هل الخلُق يدل على الحسن ؟ نقول خُلق سيء وخُلُق حسن. يمكن أن نقول فلان خُلُقه سيء أي صفته سيئة. ﴿إنك لعلى خُلُقٍ عظيم﴾. الخُلُق  هياة في النفس. راسخة

    الأستاذ محمد الكتاني تحدث عن الوسطية في الخُلُق، وفعلا هذه الوسطية التي أشار إليها علماء الفلسفة، – “الفضيلة وسط بين رذيلتين-.تكون هنا رذيلة وهناك رذيلة. لو مشيت إلى اليمين دخلت إلى الرذيلة. ولو مشيت إلى اليسار فقد دخلت في الرذيلةـ

    “الخُلق وسطٌ بين رذيلتين”، الشجاعة وسط بين التهور والجبن. والعفة وسط بين النّهم وبين الخمول. والحكمة وسط بين المكر وبين الخَبل.

    ذكر الفلاسفة أمهات الأخلاق وهي : الشجاعة، العفة، والحكمة والعدل.

    ثلاثة منها مرتبطة بصفات في الإنسان، القوة الشهوانية، وتنتج العفة. والقوة الغضبية وتنتج الشجاعة، والقوة العقلية وتنتج الحكمة.

    القوة العقلية اعتدالها يؤدي إلى الحكمة.وإن زاد الذكاء فهو يؤدي إلى المكر، وإن ضعف الذكاء فيؤدي إلى الخبل.

    القوة الغضبية في الإنسان، والزيادة فيها تؤدي إلى التهور والضعف فيها يؤدي إلى الجبن.

    العدل ليس له بعد آخر، العدل ليس وسطاً بين طرفين  يقول: العدل أن تعطي لكل شيء ما هو مطلوب منك لكي تنتقل به من الرذيلة إلى الفضيلة. فالعدل يقابله الجور.ولا وسط بينهما ..

    الزميل العزيز كان جاداً في بحثه ودقيقاً في تقويمه لكل موقف، وخاصة فيما يتعلق بموقف المعتزلة. موضوع الحُسن والقُبح. وهو موقف أتصور أن المعتزلة والأشاعرة قد تجاوزوا في هذه المعايير  المعايير المنطقية…

    لا يمكن أن نقول إن هناك تناقضاً بين العقل والشرع . وقد أشار إلى ذلك ابن رشد في كتابه (فصل المقال). قال لا يمكن أن نفترض شيئاً تحرمه الشريعة وهو حسن. أو تدعو إليه وهو سيء. لا يمكن أن نفترض هذا. أو نفترض أن لا حكم للعقل.ولاراي له فى الحسن والقبح  ما قالته الشريعة فهو حسن.وما قاله العقل انه حسن فالشريعة تؤكده ولا تخالفه ابدا .. إذن ليس هناك تناقض. بين الشريعة والعقل ..واذا ثبت التناقض فهو دليل جهل من الطرفين فى ادراك الحق وفى الفهم ..

    وما نحتاجه اليوم هو أخلاقية جديدة. ..نحتاج إلى فهم جديد، إلى مرونة، إلى أن نعرف مقاصد الشريعة، المقاصد الإسلامية.

    ما معنى الأخلاق ؟

    أن نرتقي بمستوى السلوك إلى حد الممكن، لا أقول إلى الحد المثالي.

    مسكويه قال : الأخلاق ليست إعداماً… الاستقامة تبدو من خلال التعامل مع الناس ومن خلال الاجتماع الانسانى …لا يمكننا  أن نقول إن فلاناً مستقيم وهو جالس في غرفة مغلقة ومنعزلة ..فأين الفضيلة؟ الفضيلة تبدو عند الاجتماع الإنساني. فالأخلاق ليست سلبية.

    ابن عطاء الله له كتاب ” إسقاط التدبير “..هو لا يريد ألا نفكرولا ندبر ، هو يقول : أنت تدبِّر وتدبر.. والله تعالى هو الذي سيختار ما يشاء…وهذا لا يلغى اهمية التدبير  ..

    أحيانا نأخذ بالأسباب، فلا تتاح لنا تلك الأسباب. فسلِّم أمرك لله بعد الاسباب ..

     هذا البحث قيّم الذى قدمه الدكتور محمد الكتانى و يستحق أن يقرأ بعناية وأن ينشر، لأنه من البحوث الرائدة، كعادة الزميل محمد الكتاني في بحوثه القيّمة الموضوعية العميقة، المستوعبة لقضايا تحتاج إلى دراستها والتأمل فيها لكي نصل اليوم إلى رؤية أخلاقية سليمة. نستطيع بها أن نرتقي بمستوى تعاملنا مع الحياة.

    الإنسان مؤتمن، الإنسان مكلف، لا يمكن إسقاط دور الإنسان لأنه مكلف… الشريعة تربط التكليف بالعقل الإنساني، أي بالإنسان. فهو مختار فيما يختار. حتى وإن كان هناك قدر مقدر على الانسان ، فهو لا يعرف القدر إلا بعد وقوعه. فالذين قالوا بالإجبار الغوا الاختيار والمسؤولية والتكليف ، هذا الكلام ليس دقيقا. فقد أوغلوا كثيراً في مجالات وطرق وعِرة، لو أنهم ترفقوا بنا لأوصلونا إلى جادة الصواب. وأكرر تقديري إلى الزميل العزيز الدكتور محمد الكتانى والله يحفظكم، وشكرا.لكم ..

     

 

( الزيارات : 932 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *