مناقشة موضوع الاعلام فى العصر الحاضر

  • ·      العضو الزميل السيد محمد فاروق النبهان :

بسم الله الرحمان الرحيم

أشكر الزميل العزيز الدكتور إدريس العلوي العبدلاوي على هذا البحث القيم الذي طاف بنا في قضية معاصرة. ونحن نواجه اليوم تحديا خطيراً يتعلق بالإعلام.

كان موفقا في عرض جوانبه المختلفة. عن دور الإعلام في حياتنا المعاصرة. ركز على مفهوم الإعلام، على التحديات التي يواجهها الإعلام والتي يوجَّه فيها الإعلام لخدمة أغراض سياسية أو استراتيجية، وبخاصة فيما يتعلق بعالمنا الإسلامي والغرب.

إنني أتفهم جيدا مخاوف الغرب من الإسلام، وهذا تخوف مشروع ومبرّر. ولكني أشعر أننا نواجه هذه المخاوف بأخطاء نحن نرتكبها في عالمنا العربي والإسلامي.

والخطر لا يكمن في ما يأتي من الغرب، وإنما يكمن في جهلنا بالإسلام. فنحن أداة هذا التحدي ،ونحن الذين نمكّن له في أرضنا وفي مجتمعنا من خلال ممارسات خاطئة في أرضنا، في مفاهيمنا، في مصطلحاتنا، في سلوكنا. نعطي للغرب ذلك المبرّر لكي يُشوّه ما شاء.

لا شك أن الإسلام يواجه تحدياً. الغرب لا يمكن أبداً أن يكون حيادياً تجاه الإسلام، لأسباب تاريخية وتربوية. وهذا أمر طبيعي لا نخشى منه.

هناك تصريح لرئيس المخابرات الأمريكية بعد أحداث سبتمر قال فيه : «سأقدم الإسلام للعالم الإسلامي بطريقة يخشون منه ويكرهونه ويخافون منه» وهذا ما نعيشه اليوم. لقد أصبحنا نخشى من الإسلام في مجتمعنا.

الصورة التي يقدّم بها الإسلام صورة غريبة لا نعهدها في التصور الذي نعرفه عن الإسلام. صورة العنف أصبحت ملازمة للشخصية الإسلامية.

هذه الصورة لم تكن في الماضي قبل خمسين سنة.

اليوم عندما يأتي إليك شخص مسلم ملتزم، تجد في ملامحه ما يخيفك منه ومن فكره ومن أثره وتتصور أنه رجل يأتي لكي يقتلك ويعتدي عليك.

الإعلام يلعب دوراً كبيراً. فقد كنا في الماضي ندرس الاستشراق، والاستشراق اتجه اتجاهاً علمياً في مناقشة القضايا التي تهم. اليوم الإعلام اخترق هذا الجانب العلمي، وأصبح يوجّه خطابه إلى المواطن العادي وإلى المجتمع الإسلامي والعربي بصورة خاصة.

نحن نواجه خطراً إعلامياً حقيقياً. كل وسائلنا الإعلامية اليوم لا تستطيع أن توقف هذا الإعلام الغازي، بل هي تتعامل معه بطريقة تحمل الكثير من السذاجة، والبساطة.

فقد يساعدنا ما نراه في تشوه هذه الصورة : لا نسمع اليوم صوت الاعتدال في الإعلام. نسمع صوت التطرف والعنف. الكلمة العاقلة لا تصل إلى الناس. ولكن تصل الكلمة التي تخيف الناس من الإسلام.

لماذا التركيز على تلك الصورة السوداء القاتمة التي ننكرها ولا نعرفها ؟ لماذا هذا التركيز عليها. 

 لا شكّ أن الصراع بين الإسلام والغرب صراع حقيقي،

صراع حتمي. هل نحن مؤهلون لمواجهة هذا التحدي ؟ لا بد أولاً أن نقوم بعمل ذاتي لتصحيح صورة الإسلام في أذهاننا نحن قبل أن نواجه الغرب.

أن نتفق على صيغة للإسلام.

اليوم، الاختلاف فيما بيننا عنيف. ماهو الإسلام ؟ ماهي الصورة الموجودة للإسلام ؟ ماهو الإسلام المطلوب ؟ ماهي الغاية من الإسلام ؟ وماهي رسالة الإسلام.

لاشك أن رسالة الإسلام هي رسالة أخلاقية ترتقي بالإنسان ليكون إنساناً أكثر رحمة وأكثر محبة وسلاماً، وأكثر احتراما للإنسان حيثما كان ذلك الإنسان.

هذه صورة الإسلام كما نتصورها.

لا يمكن أن نأخذ الإسلام من نص أو آية واحدة في القرآن. الإسلام يؤخذ من مجموع القرآن لكي تكون الصورة كاملة عن الإسلام، حتى نستوعب ما المراد بالإسلام.

اليوم، الإعلام يلعب دوراً كبيراً، ونحن نواجه هذا التحدي بطريقة بسيطة جدا أو نكون أداة في هذا الإعلام الخاطئ، نقدم تصوراً من خلال إعلامنا البسيط الذي يتسم بكثير من السذاجة والأخطاء الفاضحة في عرض القضايا الإسلامية. لاشك أن التحدي أمامنا خطير.

موضوع الإعلام يحتاج إلى اهتمام كبير لنرتقي بمستوى المواطن كي يكون محصنا ضد الإعلام الخاطئ الذي يسمعه..

المواطن الجاهل ليس مؤهلا لاختيار الصواب ولا لفهم الصواب. هو يستوعب ويقلد ويأخذ ما يراه. هذا المواطن البسيط الأمي قد يكون محصنا أكثر من هذا المثقف لأنه يدرك الإسلام بفطرته.

يرفض ما لا يراه مناسباً. وبالتالي فهو محصن.

أما الإنسان الأكثر ثقافة فهو يقف حائراً أمام هجمة ثقافية فكرية خطيرة.

أنا ما أزال أذكر أننا في الأحياء الشعبية مثلاً كنا نجد ذلك الإنسان البسيط عندما يجد ظلماً يقول : هذا حرام ! هذا ليس من الإسلام ! هذا ظلم ! فهو بفطرته يرفض الظلم. نحن اليوم نقبل الظلم لأنه أحياناً يأتي لابساً ملابس إسلامية.

هناك أشياء كثيرة في مجتمعنا اليوم تشكل خطراً كبيراً علينا. نشعر أننا أمام تحدي حقيقي، إذا لم نوجه اهتماماً إلى مقاومة ذلك الجهل في تصورنا للإسلام، في مجال العقيدة، في ثقافة الحقوق، في القيم الأخلاقية.

ثلاثة أشياء أرادها الإسلام : تصحيح العقيدة، أن نرتقي بمستوى العقيدة لكي نحكم العقل في قضايا العقيدة ونرفض الأسطورة والخرافة في مجال العقائد.. في مجال الحقوق، وهو الجانب الثاني الذي ارتبط به الفقه الإسلامي، أن تكون الحقوق على أسس ثابتة أهمها : تحريم الظلم حيث كان ذلك الظلم.

كل الأحكام الفقهية التي جاءت لتحارب الظلم ابتداء من الأسرة وانتهاء بالمعاملات وعلاقة السلطة بالمواطن.

أن تُقِيم أسسا للحقوق وثقافة الحقوق لكي تكون عادلة. ألا يكون هناك إنسان قوي يتطاول على إنسان ضعيف، ابتداء من علاقة الزوج بزوجته والأب بابنه، وانتهاء بعلاقة السلطة والحاكم بالمحكوم. وفي المعاملات وغير ذلك.

كل الأحكام الفقهية جاءت لتنظيم الحقوق بين الناس على أسس عادلة.

اختلف الفقهاء فيها – لم يختلفوا في الأصول وإنما اختلفوا في  مفهوم العدل، أين يكمن ؟

واختلفوا في الفروع، كيف نتوصل إلى العدل الذي يحقق مصالح الناس ؟

والنقطة الثالثة أن نرتقي بمستوى السلوك الإنساني، أن نرتقي ولو درجة أو درجتين وهكذا…

هذه هي الأهداف الأساسية التي أرادها الإسلام.

ليست قضية كم نصلي ؟ ولكن كيف نصلي.

ليس في كلمة العبادة وإنما هي الثمرة المرجوة من العبادة. كل العبارات لها هدف واحد : كيف يكون الإنسان أنساناً صالحاً، محبا للخير، ملتزماً بأدبه، باحترامه للناس، هذه هي الغاية من العبادة.

أما أن نعرف كم يُصلِّ الإنسان، ليس هذا هو المعيار.

إذا كان يصلي في الليل وفي النهار ولا يلتزم بأخلاقيات الصلاة، ولا بالثمرة المرجوة من الصلاة، فهذا لم يصلّ، لابدّ أن نفهم أن الإسلام له ثمرة واحدة وهي أن يكون الإنسان صالحاً ﴿الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾.

وكل مجتمع له مفهوم للصلاح، نعرف أين يكون الصلاح وأين يكون الفساد.

هذا ما نريده من الإسلام، أن نقدم هذا الإسلام الحقيقي الصافي، الإسلام الفطرة الذي ترتضيه الفطرة الإنسانية حيث كان إذا تذوقنا مفاهيم جديدة للإسلام لأننا اعتدنا عليها، فالفطرة النقية تحب الطعام الحلو الجميل.

إذا وجدنا إنساناً اعتاد على أن يتذوق الطعام المر ليس لأن الفطرة هي التي دعته، ولكن بحكم الاعتياد، اعتاد أن يتذوق الطعام المرّ. هذا انحراف في المزاج وليس أصلا في المزاج فالفطرة دائماً فطرة نقية صافية.

إذا حدث انحراف فهو انحراف بحسب البيئة التي يعتادها الإنسان. البيئة الغير الصالحة التي تنمّي قيم الشر في الإنسان.

الإنسان من طبيعته ينطلق من منطلق أخلاقي نظيف ونقي لا يعرف معنى العدوان. كل عدوان لا يمكن أن يقره الدين.

رسالة الدّين في المجتمع هي رسالة خير، رسالة محبة وإنسانية، رسالة العمل الصالح واحترام الإنسان للإنسان حيث كان ذلك الإنسان. ولو كان عدوا لك فله حق الإنسانية عليك.

هذه هي رسالة الإسلام. وهذه هي مهمة الإعلام في مجتمعنا، أن نقدم هذا الإسلام.

أكرر تقديري لأخي الزميل الدكتور إدريس العلوي العبدلاوي على هذا البحث القيم الذي أتاح لنا الفرصة للحديث في موضوع نحتاج إليه وهو موضوع الإعلام. هو موضوع يستحق أن يحظى باهتمامنا وبدراستنا، وشكراً لكم.

( الزيارات : 735 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *