مناقشة موضوع ذكريات سجين

  • العضو الزميل السيد محمد فاروق النبهان :

أشكر الزميل العزيز العالم المؤرخ الدكتور عبد الهادي التازي، عندما أسمع حديثه أشتاق إليه قبل أن أسمعه لأنني أعرف أنني سأسمع حديثاً مهما من الدكتور عبد الهادي التازي في طريقته التي يعرض بها موضوعاته العلمية، إنه يتمتع بقدرة مميزة وطريفة وممتعة في عرض قضاياه. 

مازلت أذكر محاضرة له في الجديدة، كان يحدثنا عن الحب بين الصقور، وكيف يعبر الصقر عن حبه، وكان يصف بدقة بالغة تلك العلاقة الحميمية بين الصقور، ويصفها بطريقة ممتعة، مازلت أذكرها قبل ما يزيد على 20 عاماً.

الدكتور عبد الهادي التازي يملك ذكاء متميزاً في فهمه للأمور ويملك قدرة كبيرة على الصمت عندما يريد أن يسكت ويعبر بصمته على مواقف كثيرة.

فافهمه كثيراً عندما يتكلم وعندما يصمت وهو كذلك يعبر بصمته عن مواقف. وكنت أستفيد من صمته أكثر مما أستفيد من تعبيره. كنت أرقبه لما يصمت وأرى معالم وجهه وهو يعبر لي أو يقول لي ما يريد أن يقوله.

فأستمتع كثيراً بحديثه. يملك القدرة على وصف الدقائق الصغيرة، ويستحضرها ويعرضها.

يجمع بين الموضوعية والقدرة على الوصف وإيصاله إلى من يسمعه. ويتمتع بنظرة شمولية لقضاياه، فهو ملتزم ولكنه يملك قدرة على النظر بشمولية لقضاياه. ويملك سعة في الأفق وهذا ما يمكنه من الإحاطة بأمور كثيرة. أنا أهنئك على هذا الحديث القيم الممتع الذي عبرت فيه عن تجربتك، والمراد من هذه التجربة هو ما يمكن أن يستنتج منها.

تجربة السجن تعبر عن قضايا كثيرة، وأنا أقول دائماً إن الإنسان لابدّ له من وقود.

الوقود إما أن تستمده من غيرك، وإما أن تستمده من ذاتك. إن كنت تستمده من غيرك فلا بد للغير أن يدفعك باستمرار ، وإن كنت تستمد وقودك من ذاتك، فسوف تتحرك بذاتك من غير دفع الآخرين.

كل إنسان له كمال خاص به ويختلف، فهناك إنسان يبحث عن الكمال في المال، وآخر يبحث عن الكمال في العلم، وهذا يرى أن الكمال هو في الجمال، أن يكون جميلا الخ… هذا الشوق إلى الكمال هو النشاط الإنساني والحركة، وهذا النشاط لابد له من وقود، والمعاناة من أهم عناصر الوقود.

فالإنسان الذي لا يشعر بالمعاناة ليس لديه وقود. لذلك لما تجد طفلا يعاني معاناة تجد له وقوداً يدفعه للطموح، ويشتاق لذلك الطموح بغير إرادة منه، يسابق الآخرين ويسبقهم.

الذي لا يشعر بشوق الكمال لا يتحرك. يقال : أشقى الناس هو الذي لا يجد سببا لشقائه.

 عندما تصحو صباحاً فلا تجد شيئاً يشغلك. هذا شعور بالشقاء. فالحياة هي هذه المحنة المتواصلة، هذا الشوق المتواصل، وهذا النشاط.

فالدكتور عبد الهادي التازي، لما دخل إلى السجن وهو طفل صغير، وأنا أقول لا ينبغي أن نخشى من أطفالنا وشبابنا، فهم يمثلون النقاء والصفاء والتلقائية والعفوية. كتبت أمس على الفايسبوك، أنادي الشباب : تمردوا ما شئتم ! التمرد حركة.

عبّروا عن ذاتيتكم كما أنتم !

عبروا عن شبابكم ولا تستعملوا الشيخوخة والحكمة فهي قادمة لا محالة!

 فالشباب لديهم هذه التلقائية، ولو دخلوا السجون وعاشوا تضحيات، فهذا وقودهم في المستقبل. ستبقى ذكريات، ولكن ذكريات دافعة. ذكريات تدفعك إلى الأفضل، وأن تكون الأحسن. فالأستاذ عبد الهادي كان طفلا واندفع ببراءة الأطفال في المقاومة الوطنية. فلو كان أكبر سنا ربما تردد واستعمل الحكمة، الحكمة هي تردد.

سؤال ورد عن مفهوم العدالة ؟

عندما يأتي هذا القائد الفرنسي ويقول : لقد أخللت بالعدالة. فهو مصدر للعدالة، كيف يمكن أن يكون هو مصدر للعدالة وهو من وضع القانون ويحاكمك بمقتضى القانون ؟ الذي وضعه هو نفسه. أين هو مفهوم العدالة ؟

العدالة ليست العدالة بمفهومها القانوني، القانون إذا لم يكن له مصدر ية حقيقية، وليست فقط أخلاقية، وهنا يبدأ دور الدين.

مفهوم الظلم في الدين لا مثيل له في الأخلاق، ولا في القانون.

عندما يبتدئ الظلم، يبتدئ الخروج عن العدالة يجب دائماً أن نسأل ماهو السبب الذي يعطي للشرعية شرعيتها وللقانون شرعيته لذلك أقول بالجهاد، فإذا دافعت على حق من حقوقك المشروعة فأنت مجاهد.

إذاً الشباب يعبر دائماً عن نزاهة وعن تلقائية وهو يبحث عن هدف نظيف في حياته الوطنية.

فإذاً التاريخ هو كتابة دروس نسمعها ونستنبط منها خبرات ونستفيد منها في حياتنا. فهذا يجعلنا نرتقي بفهمنا للأحداث.

( الزيارات : 870 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *