منهج التجديد في الفكر الإسلامي

خواطر مضئيئة من وحي الايام

خواطر مضئيئة من وحي الايام

منهج التجديد في الفِكر الإسلامي

بقلم: الدكتور محمد فاروق النبهان

الأمة التي ترفض التجديد، ولا تمارس حقها فيه، تُلغي ذاتها، وتُضعف من إمكاناتها الفكرية، وترضى لنفسها أن تكون عالة على أجيال سابقة أو لاحقة. تلك هي رؤية الكاتب حول منهج التجديد في الفكر الإسلامي، كأداة للتواصُل، استمراراً للبقاء والصمود في وجه التطورات المُستحدَثة.

كلمة التجديد تعني تكوين ظروف الاستمرارية، وتجديد الفكر يعني استمرارية الإيمان بصلاحية ذلك الفكر، لكي يكون أداةً لتوجيه الإنسان وهدايته، ومن هذا المنطلق يكون التجديد مطلباً ملحّاً، لأنه يمثل العلاقة بين الإنسان والفكر، فإذا توقفت عوامل التواصل بين الإنسان والفكر جمد الفكر وتراجع دوره.

والتجديد هو أداة التواصُل، لأنه يُعطي للفكرة بُعدها الزمني، عن طريق ربط تلك الفكرة بالرؤية المتجددة التي تمنحها القدرة على الاستمرار والبقاء والصمود في وجه التطورات المستحدثة التي يفرضها الواقع الجديد، وتألفها الأجيال اللاحقة.

ولا أظن أننا بحاجة إلى إقامة الدليل على أهمية التجديد بالنسبة للفكر، فالتجديد هو وسيلة الاستمرار، لأن العقل البشري من حقه أن يباشر مسؤولياته في فهم الظواهر الإنسانية، وأن يفسرها بما يراه ويعتقده، وهو يمارس بذلك صلاحيات مشروعة، وليس من الإنصاف أن ينكر جيل سابق على جيل لاحق حقه في ممارسة رؤيته المتجددة لقضاياه الفكرية، لأن الإنكار لا يُلغي ذلك الحق، ولا يوقف ممارسة الإنسان له بطريقة اعتيادية من غير تكلُّف أو تجاوُز.

والفكر الإسلامي لا يختلف عن الفكر الإنساني من حيث قابليته للتجديد، ومن حيث خصائصه الإنسانية، إلا أنه يختلف عنه في جوانب خاصة، تكفل له الاستمرارية وسلامة المنطلق، ويبرز ذلك الجانب المتميز في الفكر الإسلامي من خلال ما يمتاز به من خصائص ذاتية وغايات إنسانية.

أما الخصائص الذاتية فتتمثل فيما يلي:

أولاً- إلهي المصدر:

وهذه الخاصة تكفل للفكر الإسلامي أن يكون في منأى عن المصالح والأهواء، لأن التوجيه الإلهي تكفّل للفكر أن يكون أصيلاً في تكوينه، إنسانياً في غاياته، أخلاقياً في مواقعه، لا يضلّ ولا ينحاز ولا توجهه مصالح الأقوياء، ولا تعبث به عواطف أهل الأهواء، يحكم في البشر، ويرسم لهم طريق السلامة، لكي يكون المجتمع في أمن واستقرار.

ثانياً- الثبات والاستمرارية:

وهذه الخاصة تكفل للفكر الإسلامي أن يكون معبراً عن معنى التواصُل والتكامُل بين الأجيال المتلاحقة، بحيث يكون الجيل اللاحق مؤتمناً على منجزات الأجيال التي سبقته، مُضيفاً إليها رؤيته المتجددة، لكي تكون صيغة هذا الفكر في متناول الجيل اللاحق.

ثالثاً- أخلاقية الأهداف:

وهذه خاصة واضحة، نجدها في كل حكم من الأحكام وفي كل موقف من المواقف، ولا يمكن للفكر الإسلامي أن يتجاوز هذا المنهج الأخلاقي الذي يعبر عن أصالة الفكر الإسلامي كفكر يستمد أصوله من نصوص معتمدة، لا تقبل النسخ والإهمال، لأنها نصوص قرآنية أو أحاديث نبوية.

أما الغايات الإنسانية للفكر الإسلامي فتتمثل بما يلي:

أولاً- تنظيم المجتمع ورقيّه:

وهذه غاية نجد ما يؤكدها من خلال تتبّعنا الدقيق للأحكام الشرعية التي اتسعت في تنظيمها للحياة الإنسانية، بطريقة يسّرت على الإنسان أمره، لكيلا يضيع في متاهات التردد، باحثاً عن الطريق الموصل إلى العدل والحق والفضيلة.

ثانياً- محاربة الأسطورة في مجال العقيدة:

وذلك لأن الفكر أداة للهداية، ومن أبرز غاياته تحرير الإنسان من الخرافة والأسطورة، بطريقة جادّة، لكي يشعر عندئذٍ بإنسانيته التي أكرمها الله بنور العقل وهدايته.

هذه مبادئ أساسية، لا تخضع للتجديد أو التغيير، لأنها منطلقات أساسية، تحمي الإنسان من الانحراف، وتُبعده عن مواطن الزلل.

وبعد ذلك يبتدئ دور العقل، وهو أداة التكليف، بممارسة حقه في النظر والفكر، في حدود ما أُنيطَ به من تفسير لنصوص أو تأويل في فهمها في إطار الضوابط المنصوص عليها التي يدركها الحسّ السليم، ويعترف بها المنطق السديد.

والتجديد أمرٌ لا خيار فيه، وهو مطلب عقلي واجتماعي، لأن العقل يتطلع إليه لممارسة حق مشروع، والمجتمع يتطلع إليه لتزويده بالرأي الذي يحقق له المصالح المشروعة التي أقرَّ الإسلام بها في مبادئه الأساسية.

وتبرز مبررات التجديد في العوامل التالية:

أولاً- التطوُّر المستمر في طبيعة الحياة الاجتماعية:

وهذا أمرٌ مشاهد ومُسلَّم به، ولا مجال لإنكاره، لأن الحياة كالنهر المتدفق بالحياة المتجددة، ولا يمكن أن توقف الحياة، ومهمة الفكر أن يواكب مسيرة الإنسان، لكي يكون معبراً عن تصوراته الفكرية، النابعة من الرؤية الزمنية لقضايا الإنسان واهتمامه، والذين يرفضون التجديد ينكرون واقعاً قائماً متمثلاً في أجيالٍ متلاحقة، تتجدد قضاياها، وتتجدد معها رؤيتها الفكرية.

ثانياً- قابلية النصوص التشريعية للفهم المتجدِّد:

وهذا مبدأ لا خلاف فيه، فالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية الثابتة تقبلان التفسير والتأويل، وليس من حق أي جيل أن يختص بهذا التفسير والتأويل مدعياً في ذلك حقاً خاصاً، يمارسه دون غيره، فالأجيال المتلاحقة سواء في حقها المشروع في التفسير والرأي، والخطاب الشرعي متجدد في كل عصر، وهو خطاب لكل مكلف، ومن حق المكلف أن يقرأ الخطاب، فإذا توفرت فيه القدرة على الفهم والتفسير والتأويل فهو مكلف به، ولا عذر له في تقليد يحاكي به عوام الناس ممن تنقصهم الكفاءة والقدرة.

ثالثاً- ضرورة مواكبة الفكر الإسلامي لحاجات الإنسان:

وذلك لأن الفكر غايته الإنسان، ولا يجوز لهذا الفكر أن يكون معزولاً عن قضايا ذلك الإنسان، فإن رضي لنفسه بالعزلة فقد حكم على نفسه بالجمود والتراجع، والفكر الإسلامي يملك كل قابليات النماء، وهذا منهج استخدمه أسلافنا في عصر النهضة والتقدم بذكاء وشجاعة، وتصدّوا لداء دورهم في إثراء الفكر الإسلامي عن طريق الاجتهاد الذي أقرّه الإسلام ودعا إليه، ولا يمكن لأحد أن ينكر أهمية الاجتهاد في تاريخ الفكر الإسلامي، وفي تكوين أهل المدارس الفكرية التي أغنت الفكر الإسلامي بتراث خالد، سيظل معلمة مضيئة في تاريخنا.

معايير التجديد:

يخضع التجديد في مجال الفكر التشريعي لضوابط ضرورية، تعطي لذلك التجديد شرعيته، وتمنعه من أن يكون تجديد انحراف يقود إليه عقل غير متبصر، وهوى نفس لم تبلغ رشدها وكمالها الأخلاقي، ووسيلة التجديد في الفكر التشريعي هي الاجتهاد الملتزم بالضوابط الشرعية، وهو اجتهاد مشروع وضروري، ولا مبرر لمن توافرت فيه شروطه في أن يتقاعس عنه، كسلاً أو ورعاً، وليس من الورع في شيء أن يتخلى المجتهد عن مسؤولياته الفكرية.

وتتمثل معايير الاجتهاد المشروع بما يلي:

أولاً- عدم الإخلال بالنصوص الثابتة:

وذلك لأن الفكر الإسلامي يختلف في خصائصه عن الفكر الوضعي من حيث المصادر، فالفكر الوضعي فكر بشري، يخضع للعقول المجردة، وللاجتهادات الفكرية من غير ضوابط أو قيود، بخلاف الفكر الإسلامي فهو فكر ملتزم بمصادره الأساسية، لا يتجاوزها برأي، ولا يناقضها باجتهاد، فإن تجاوزها أو تنكر لها فقَدَ صفته الإسلامية، وأصبح خاضعاً لما يخضع له الفكر الوضعي من قابليات الخطأ والإلغاء والتحيُّز والحيف، وتعتبر الدلالة اللغوية هي معيار التفسير والتوضيح، فما أفادته الدلالة اللغوية عن طريق القطع والجزم يدخل ضمن حكم النصوص القاطعة، وما أفادته الدلالة اللغوية عن طريق الظن خضع لقواعد الاجتهاد، وتثبت الدلالة اللغوية للكلمة العربية عن طريق النقل المتواتر والاستعمال المتكرر، كما تثبت عن طريق الاستنباط العقلي المؤكد بالنقل عن علماء اللغة أو استعمالهم للألفاظ اللغوية، واختلف العلماء في حكم إثبات المعاني اللغوية عن طريق القياس، والرأي الراجح أن القياس اللغوي يحتاج إلى إثبات استعمال العرب له وقبولهم به، لكيلا يتحكم العقل في المعاني اللغوية بطريقة تعسفية.

وتخضع النصوص التشريعية الثابتة في توضيح دلالاتها الشرعية لقواعد التفسير المقررة، وأهم تلك القواعد ما يلي:

الأول: الالتزام بالمعنى اللغوي الذي أقرّه علماء اللغة، مع مراعاة المصطلحات الشرعية التي أخرجها المشرع من معناها اللغوي العام إلى معنى خاص دلّ عليه النص عن طريق أدلة قطعية، وهذا التغيير في معاني المصطلحات الأسماء لا يخرج الكلمة عن معناها الأصلي، لأن التصرف في اللفظ العربي أمرٌ مألوف في اللغة العربية، وقد جرى العُرف على تخصيص بعض الأسماء للدلالة على المعاني القريبة منها.

الثاني: تحديد علاقة اللفظ بالمعنى المُستفاد منه، عن طريق مراعاة القواعد المقررة عند علماء الأصول، بحيث يكون استعمال اللفظ معبراً عن معنى أراده الشرع، وكلما كانت العلاقة واضحة وظاهرة بين اللفظ والمعنى كانت مهمة المجتهد أيسر، وفي ظل الوضوح تضيق دائرة الاجتهاد، إلا أن اتساع الدلالة اللفظية على المعاني الشرعية يساعد على نمو حركة الاجتهاد وازدهار الرأي واتساع الفروع الفقهية.

ثانياً- احترام القواعد الاجتهادية:

وتُعتبَر القواعد الاجتهادية من أهم ضوابط الفكر، لكي يكون أصيلاً من منطلقاته، لا يزيغ ولا يضل عن غاياته، والاجتهاد هو الجهد العقلي الذي يبذله المجتهد في استنباط حكم من دليله، وهو أداة التواصُل بين النصوص الثابتة والمصالح المتجددة.

وتتسع دائرة الاجتهاد لكي تشمل المواطن التالية:

1- القضايا التي لم ينص عليها القرآن والسُنّة، وهذا هو الموطن الأوسع لحركة الاجتهاد، لأن القضايا الجديدة متكاثرة، ويفرضها الواقع الاجتماعي والاقتصادي، والنصوص محدودة، والوقائع متجددة، والوسائل إلى تحقيق المقاصد ليست واحدة.

2- النصوص التي وردت في إطار الظنية في ثبوتها أو دلالتها، وهنا يتصدى الاجتهاد للبحث عن صحة السند من خلال دراسة ذلك السند وطرق روايته، أو يتصدى الاجتهاد للبحث في تفسير تلك النصوص مما يؤدي إلى وضوح الدلالة على المعاني المُرادة منها.

أداة تنظيم ومنهج للحياة:

والتجديد عن طريق الاجتهاد هو التجديد الأصيل الذي لا يجوز الخلاف فيه، لأن منهج الاجتهاد مُقرَّر ومُعترَف به، وفي الوقت الذي لا يباشر أهل الاختصاص والكفاءة واجبهم في إبداء الرأي في القضايا الاجتهادية فإنما يُسهمون بطريقة مباشرة في إقصاء الشريعة عن أداء دورها الاجتماعي كأداة للتنظيم وكمنهج للحياة الإنسانية، وهم في هذا يُسهمون في عزلة الفكر الإسلامي وضعفه وجموده، لأن الفكر ينمو بالجهد البشري.

وادّعاء الورع في أمر الاجتهاد لا يُعتبَر مبرراً للتهرُّب من المسؤولية في إبداء الرأي والتعبير عن موقف الإسلام من القضايا الشائكة والمُستحدَثة التي تواجه المجتمعات الإسلامية اليوم، وليس من الورع في شيء أن يمسك العلماء عن الاجتهاد، نهياً وخشية، فالمسؤولية تفرض على أهل الاختصاص أن يتصدوا للاجتهاد، لكي تؤدي الشريعة الإسلامية دورها في تنظيم حياة المجتمعات الإسلامية.

وهناك قاعدتان لاستحداث الأحكام الشرعية هما:

القاعدة الأولى: القياس:

تقوم على أساس إلحاق المسكوت عن حكمه بالمنصوص عليه عند مشاركة المسكوت عنه للمنصوص في علة الحكم، وكلما كان المسكوت عنه أولى بالحكم من المنصوص عليه كانت العلاقة القياسية أولى وأظهَر، وأحياناً لا يكون الإلحاق ظاهراً بين الأصل والفرع، لتعدد المعاني التي تجمع بينهما، مما يجعل القياس معقداً وصعباً، وهنا تبرز الحاجة إلى البحث عن العلة التي تعتبر من أهم ضوابط القياس، لأن الشرع ينيط الحكم بوصف لا يصعب على العقل البشري إدراكه، مما يدخل ضمن المقاصد الشرعية المتضمنة لجلب نفع أو دفع ضرر مما أقر الشرع الحنيف اعتباره، وقد أفاض علماء الأصول في بحث الوصف المناسب، واشترطوا فيه أن يكون ظاهراً ومنضبطاً ومتعدياً، وألا يكون مما ألغى الشارع اعتباره.

القاعدة الثانية: المصالح المرسلة:

وتقوم على أساس حرص الشرائع على تحقيق مصالح الخلق المتمثلة في جلب المصالح ودرء المفاسد، وتنقسم المصالح إلى قسمين:

– مصالح معتبرة في نظر الشرع، وتتفاوت بحسب أهميتها للإنسان، فمنها الضروري، ومنها الحاجي، ومنها التكميلي، وجاء اعتبار هذه المصالح للمحافظة على النفس والعقل والمال والعِرض.

– مصالح مُلغاة في نظر الشرع، وجاءت نصوص تُلغي اعتبار تلك المصالح، لوجود اعتبارات أكثر أهمية بالنسبة للإنسان، فمصلحة المُرابي مُلغاة، ومصلحة المحتكر مُلغاة، ومصلحة شارب الخمر مُلغاة، ومصلحة السارق مُلغاة. وسبب إلغاء هذه المصالح ما يترتب عليها من أضرار بحق المجتمع كله.

والمراد بالمصالح المرسلة هي المصالح التي لم يُذكَر فيها نص بالاعتبار أو الإلغاء، وتركت للمجتمع لكي يقرر فيها حكماء الأمة وعقلاؤها التنظيم الذي يحفظ الحقوق ويصون الحريات.

والتجديد لا يعني الخروج عن دائرة الأحكام الشرعية، لأن ذلك التجديد يحمل معنى الهدم للقيم الأصيلة لهذه الأمة، وهو أداة للفوضى والاضطراب، وكل تجديد يتجاوز النصوص الثابتة أو يتنكَّر لها محكومٌ بالفشل.

أما التجديد الذي ندعو إليه فهو اعتماد المنهج الأصولي الصحيح في تفسير النصوص وتأويلها، وهو منهج يشجّع الرأي، وينكر التقليد والجمود، والأمة التي ترفض التجديد ولا تمارس حقها فيه تُلغي ذاتها، وتضعف من إمكاناتها الفكرية، وترضى لنفسها أن تكون عالة على أجيال سابقة أو لاحقة.

وإذا كان منهج الاجتهاد الفقهي يشجع الرأي، ويُنيط بالعقل البشري أن يتحمل مسؤوليته كاملة في ميدان التفسير أو في ميدان الاجتهاد فإن التجديد في ميادين الفكر الإنساني أمرٌ طبيعي ومنطقي، لأن العقول البشرية مكلفة بأن تمارس إنسانيتها من خلال ما تفكر فيه.

 

اتجاهات التجديد:

لقد حفل تاريخنا الطويل بمواكب متلاحقة من دعاة التجديد، وكان لفكرهم دورٌ رائد في مواصلة العطاء وتصحيح المسيرة، سواء في ميدان العقيدة أو في ميدان الفكر والتشريع، ولم يضِق صدر الإسلام بهؤلاء، وإنما ضاق صدره بما أثقل كاهل الفكر الإسلامي من انحراف وجمود وتقليد، حتى أننا أصبحنا نُعطي للتاريخ قداسة، وللتراث عصمة، وهذا منهج لا يستقيم مع منهج الإسلام الذي يرفض القداسة والعصمة، ويجعل أمر الفكر في موطن رعاية العلماء المؤتمنين على مواصلة العطاء، لكي تظل شعلة الفكر متوهجة ملهمة، تنير الطريق، وتعبر المسالك أمام قوافل المؤمنين برسالة الإسلام.

إن الفكر لا ينمو بالتقليد، وسيادة منهج التقليد في مجال الفكر مؤشر واضح على تخلُّف الأمة، وعجزها عن العطاء، والتجديد لا يعني التغيير، وإنما يعني الإضافة المتميزة التي تطبع الفكر بطابع عصره، لكي يكون وليداً شرعياً للمجتمع، يحمل قسمات ذلك المجتمع، ولا يمكن لمجتمع حي أن يتخلى عن مسؤوليته في إبداء رأيه فيما يواجهه من قضايا فكرية.

والفكر الإسلامي يملك إمكانات التجديد المستمر، لأن النصوص الشرعية التي تعتبر مصادر أساسية للفكر الإسلامي أناطت بالعقل البشري مسؤوليات جسمية، واطمأنّت إلى سلامة اختياراته، ووضعت له قواعد وضوابط لكي تكون رحلته في البحث والاستنتاج والاستنباط محكومة بمؤشرات الوقاية من الخطأ والضلال، مطوقة بكل أسباب السلامة.

والإنسان هو أداة التجديد، وهو الغاية من كل تجديد، والتجديد مؤشر على نضج الممارسة العقلية، وتحمّل الإنسان لمسؤوليته في التعبير عن تجربته الذاتية ورؤيته المتجددة لقضايا عصره، فإذا مارس الإنسان هذا الحق المشروع بحرية وشجاعة كان مؤهلاً لحمل المسؤولية، وإن تقاعس عن ممارسة هذا الحق لجهل أو عجز أو خوف كان جديراً بأن يكون في مؤخرة الصفوف.

وإن مجتمعنا الإسلامي اليوم مُطالَب بأن يتصدى لقضاياه الفكرية، مؤكداً في ذلك أصالة الفكر الإسلامي وتميزه بخصائص ذاتية وإنسانية.

وإذا لم يتصدَّ علماؤنا -وهم رموز الحياة الفكرية في مجتمعاتنا المعاصرة- لتحمُّل مسؤولياتهم في الإعراب عن آرائهم الفكرية، في القضايا المطروحة على مجتمعنا، فإن من المؤكد أن عصر التراجع والتخلف سيمتد وسيطول، وسيبحث مجتمعنا بعد أن يفقد أمله عن البدائل الفكرية المتزاحمة التي نراها في كل يوم وهي بدائل لن تسهم في رقي مجتمعنا، ولا في ازدهار فكره، لأن الفكر الدخيل ليس كالفكر الأصيل في قدراته على مخاطبة شعبنا، وعلى تلمُّس مشاكلنا.

وسيظل منهج التجديد في مجال الفكر الإسلامي هو الأمل الذي لا خيار لنا في تجاوزه، لأن مجتمعنا ضاق بليل الظلام، ويتطلع إلى مشاعل التجديد التي ستضيء ذلك الليل، وتطارد ظلامه الدامس، لكي يطل من خلف الأفق البعيد ذلك النور الخافت الذي يحمل في يديه بشرى عهد جديد، يتصدى فيه فكرنا الإسلامي لكل التحديات الفكرية المعاصرة.

( الزيارات : 5٬478 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *