مهمة العالم البيان

كلمات مضيئة..مهمة العالم هي البيان

مهمة العلم ليست هي مهمة الوعظ والإرشاد ، ولكل من العالم والواعظ مهمة في مجتمعه وكل مهمة لها اهلها القادرون عليها والمختصون بها ، العالم باحث عن الحقيقة من خلال منهج عقلي يعتمد على معايير علمية منطقية واداة العلم هو العقل بادواته  المنطقية ، اما الوعظ والإرشاد فله طريقة اخري ، وقلما ينجح العالم في مجالس الوعظ وقلما يقع الانصات له والتأثر به ، وقلما يكون الواعظ عالما  بمفهوم العلم ولغة العلماء ، وعندما يكبر علمه ويتسع ينقطع عن الوعظ وتخبو لهجته ويقل حماسه ، نحتاج الي العالم لانه يخاطب العقل بمنهج الدليل والبحث عن الحق ، محنة العالم عندما يغلب عليه منهج الواعظ المرشد ، الواعظ يحتاج الى قليل من العلم والقدرة على المبالغة  لكي يتمكن من التاثير فاذا اتسع علمه ضعف تأثيره ، وبخاصة في مجتمع تكثر الأمية فيه ، الوعظ والإرشاد ليس هو مهمة المؤسسات العلمية ، ما يريده الواعظ ان يحدث الآثر فيمن يخاطبه ، احيانا يعتمد على التأثير النفسي بالكلمة والحركة الى ان يحدث الأثر في مخاطبه ، وهو اثر سريع سرعان ما يضعف ، ولا بد فيه من التكرار لتغذية المشاعر ، ويحتاج الوعظ الى مواهب متعددة ، واهمها حسن التعبير واللغة كأداة لذلك التعبير ، والعلم يضعف من قدرات الواعظ ويقلل من اثره ، وأصبح الوعظ في مجتمعات التخلف والأمية مهنة معاشية وأصبح لها رموزها ممن يجدون قبولا لدى الناس ، هناك افراد يملكون مواهب خاصة كما هو الشأن في كل مهنة ، اما العلم فهو امر آخر ويحتاج الي مؤهلات اخري ، واهمها السعة العقلية والقدرة على التأمل العقلي وموهبة النقد واعتماد المنهج النقدي في رفض كل ما لا يقبله العقل بأدواته المنطقية ، ثقافتنا  العامة هي ثقافة وعظية تعتمد الأثارة والانفعال ، مهنة الوعظ تزدهر في المجتمعات التي تضعف ثقافتها ، ويكون تأثير الوعاظ في الأرياف والأحياء الشعبية اقوى وأرسخ ، احيانا يكون الواعظ صالحا وصادقا وتقيا ويكون مؤمنا بما يقول ، ويقبل الناس عليه لصلاحه وتقواه ، واحيانا يكون الوعظ مهنة معاشية غايتها الحصول على ثمراتها الدنيوية من الشهرة والسمعة وان يكون صاحبها في موطن الإعجاب وهو الغالب ، وهناك من يريد من وراء ذلك المال والكسب وبخاصة في عصر ازدهار الوعظ للتأثير على قناعات الناس او لصرف أنظارهم عما هم فيه او لا ضعاف اهتمامهم بقضاياهم الملحة ، وأصبحت السلطات تسخر الدعاة للتأثير في مجتمعاتهم ، الوعظ الديني يمكنه ان يكون اداة للتذكير بالقيم الايمانية وتنمية القيم الروحية, وهذا وعظ محمود بشرط ان يكون صاحبه صادقا وصالحا وتقيا ، وهو امر محمود وهو الأصل فيه ، واحيانا يكون موجها لتكوين نماذج دينية اقل صلاحا واكثر قابلية واستعدادا لتبرير الواقع والدفاع عنه باسم الدين ، كنت احب الصادقين والصالحين ممن ارادوا الله بعملهم للدعوة الي الايمان بالله والى تعميق قيم الخير والي التغلب علي الشهوات والأهواء ، ذلك عمل صالح ويجب ان يشجع كمنهج تربوي روحي ، وهذه هي مهمة المساجد ان تكون لله والدعوة لما يحبه الله ,ولا احد فى مساجد الصالحين الا الله ، هناك ما كنت اجد اثره في حياة مجتمعه خيرا واستقامة ، وهناك استغلال للدين ولدعوته عن طريق استغلال الشباب في غير رسالة الدين لتأييد نظام سياسي او للتصدي لآخر باسم الدين ، وتاريخنا الاسلامي هو ثمرة لصراعات سياسية كانت مؤثرة في تكوين مذاهب وطوائف واتجاهات هي ثمرة لما في الواقع من تناقضات وصراعات ، كنت ارى ان المؤسسات العلمية يجب ان تتحرر من التبعية وان تؤدي رسالتها العلمية من خلا ل منهج علمي عقلاني وفق المقاييس العلمية ، تلك هي قناعتي الشخصية ان يتحرر الاسلام من المؤثرات الخارجية لكي يكون كما اراده الله رؤية كونية ذات نظرة انسانية للحياة والوجود والانسان ، عندما يتحرر الدين من الوصاية عليه تبرز ملامحه الانسانية كرؤية للوجود ذات نظرة شمولية روحانية تعبر عن معني الالتزام التكافلي بالحفاظ على الحياة  لكي  تكون لكل خلق الله ، لا احد يحرم من حق مشروع  بسبب عدوان من هو اقوي منه ، لا عدوان علي حياة احد ولا حرمان لمستضعف من طعام وكرامة لانه لا يملك حق الدفاع عن نفسه ، كنت افرق بين الصبر كمنهج تربوي لا بد منه للتخفيف من معاناة الانسان، وبين الصبر كشعار  لقبول الظلم والحرمان لان الله تعالى قدره على الانسان المظلوم ، مفهومان مختلفان لمعني الظلم ، كنت اقبل الصوفية كمنهج تربوي و وافرق بين الزهد الداعي لتحرر الانسان من التعلقات الدنيوية المذلة له ، وبين الزهد المعبر عن الكسل والاستسلام وتبرير ذلك بانه الطريق الى الله ،. هناك زهد مضمونه التحرر من عبودية التعلق بالأشياء وهناك زهد ناتج عن الخمول والكسل والاستسلام والانعزال الناتج عن اليأس ، وهذا ليس فضيلة ابدا ، ولا أراه محمودا ، لم اكن ضد الوعظ كمنهج تربوي لتنمية قيم الخير بمحبة الله والتذكير بفضله والدعوة للقيام بما يحبه من عباده، ولكن لا احب ذلك الوعظ  المتكلف المصنوع الخالى  من الاخلاص والصدق ولا احب تلك الرموز التي ارادت ان تتقرب الى العامة بما يرضيها وبما يعمق جهلها بالله ويبرر لها واقعها صبرا عليه وقبولًا له ، ذلك منهج مختلف ، احيانا امسك نفسي عن التعبير لان الحياة هي مانحن فيه بكل ما فيه ، واحيانا اعبر وأعجز عن الإمساك بنفسي وأكون صادقا لاناقدا ، لاننا يجب ان نستيقظ من غفوتنا الطويلة ، قد تكون الغفوة طويلة ومخيفة ويائسة ، ولكن اليأس لا يقتضي اليأس ، والا كانت الحياة عابثة ومملة ، نحتاج الي منهجية تربوية عقلانية تشجع العقل لانه هو المخاطب والمؤتمن ، عندما نفهم جيدا ما خوطبنا به من الله يرتقي مفهومنا للحياة الى الاعلى ونفهم رسالة الدين كما ارادها الله تعالي لا كما فهمًها رجال الاديان  ولو اخلص هؤلاء  لتحرروا من المصالح الدنيوبة ، الفطرة تدرك من الدين ما تعجز عنه كل كتب الوعظ والهداية ، مهمة العلم تنمية العقول بقدرات معرفية لكي يتمكن العقل من التوصل الى الحق ، الدعوة هي حسن البيان .
.وتذكرت ما سبق ان قلته امام الملك الحسن الثاني رحمه الله في الدروس الحسنية في رمضان عام ١٩٧٨ وكنت أتكلم عن مهمة دار الحديث الحسنية وماهي مهمتها ، وكنت اريد ان اقدم تصوري لما يمكنها ان تقوم به لخدمة البحث العلمي ، وكنت في الأشهر الاولي من تعييني كمدير لها استشير شخصيات مغربية ذات مكانة في مجتمعها عن تصورهم لمهمة دار الحديث العلمية ، وكان معظمهم يري ان مهمة الدار هي تكوين مجموعة من الذين يحفظون  الحديث برواياته وأسانيده كثقافة دينية وهي منهجية اشتهر بها علماء المغرب ، وكان البعض يري ان يحسن هؤلاء الدعاء لأمير المؤمنين وفقا للأعراف المألوفة في الدعاء ، كنت اسمع كل ذلك، ولَم يكن احد يتصور شيئا اخر ، ولَم يكن احد يتصور ان الشخصية العلمية هي شخصية ذات رسالة تنويرية عقلانية من منطلق إيماني روحي ، لم اكن احب تلك النظرة الساذجة لرسالة العالم في مجتمعه ، وكان يؤلمني ان اجد تلك النظرة التقليدية لدور العلماء وهو دور هو اقرب لدور الشعراء والمداحين ، لم اكن اري ذلك ابدا ، وكنتً أضيق بتلك الصورة التي ينظر بها المجتمع لمهمة العالم في مجتمعه ، وعندما وصلت فى ذلك الدرس الى مفهوم الثقافة الاسلامية في العصر الحديث تكلمت عن تصوري لمهمة دار الحديث الحسنية ، كان الملك ينصت وكل رجال الدولة يسمعون وكل المغرب يتابع الدرس ، تكلمت بعفوية وصدق ، كنت اريد ان اقدم نفسي كما انا ، واعبر عن قناعاتي كماهي ، وهو المنهج الذي سألتزم به ، قلت يومها ان دار الحديث ليس مهمتها تكوين وعاظ ومرشدين ،تلك مهمة وزارة الأوقاف التي تعني بشؤون الوعظ والإرشاد ، مهمة الدار هي مهمة اكبر وهي تكوين قيادات فكرية وثقافية واستخدمت كلمة جنرالات في الفكر ، ذلك هو ما يحتاجه مجتمعنا لكي ينهض منً كبوته ، نحتاج لفكر موقظ ولمنهجية علمية راقية ، والاهتمام بتكوين الشخصية العلمية المؤهلة لإحداث التغيير ، كان هناك تململ من هذا الطرح لدي الكثير ، ولكن الطبقة الأكثر وعيا ادركت ما اريد أن اقول ، كانت رؤيتي واضحة واردت ان اعبر عنها امام الملك وهو المؤتمن وهو الذي يحكم في الامر ، تكلمت عن الثقافة ومهمة الثقافة في مجتمعها ، ومحنة الثقافة انها ارتبطت في الأذهان بما كان محفوظا ، وليس بذلك الانسان الذي هو اداة الفهم ، لم اكن اريد ان توصف مهمة المؤسسات العلمية بتكوين الوعاظ والمرشدين لا تقليلا لأثرهم في مجتمعهم ولكن للنهوض بمستوى رسالة العلم ومؤسساته ، رسالة العلم ننويرية وتكوينية ، كنت في تلك الفترة منً حياتي اشعر بوقود متجدد يجعلني اكثر قدره على التعبير عما في داخلي ، وهذا ما نفتقده في حياتنا اننا نخاف من التعبير ، تكلمتً بصراحة عن قناعتي ، لم يكن بالامكان انً اقول مثل هذا خارج مجلس الملك ، لم أتوقع ابدا ان ا لملك سوف يؤكد هذا المعني ، ويتحمس له ، قال  فى كلمته معلقا على درسي بان مهمة العلماء اكبر من الوعظ لان المؤسسات العلمية مؤتمنة على التغييير نحو الأكمل ، وكنتً في مباريات القبول في الدار  احرص هلى اختيار الشخصيةالمؤهلة لرسالة العلم ، تلك مرحلة عندما أتذكرها ادرك ان حكمة الشيوخ ليست دائما هي حكمة ، العلاقة بين الحكمة والعجز وثيقة ، ولهذا ارتبطت الشيخوخة بالحكمة وأصبحنا نتكلم عن حكمة الشيوخ كمنهج للتغيير البطيئ والقبول بالواقع كما هو لانه الأسلم والاقل جهدا ، نحتاج الى المؤسسات العلمية لتعميق المعرفة بالحياة وأكتشاف قوانينها ، وهذا يجعل الانسان اكثر معرفة بالحياة ، عندما نرتقي بمستوي الوعاظ والمرشدين نسهم في تكوين مجتمع افضل فهمًا للإسلام ، الوعظ والإرشاد ليس مهنة ولا وظيفة ، فان كانً كذلك فقد اثره في مجتمعه ، وكاان التنافس والتحاسد فيه  وامتطاه كل طامع  فى  استرضاء العامة  والتقرب اليهم بما يحبون ، الإخلاص هو الأساس في خطاب الايمان ، ان لم يكن الاخلاص والصدق فهو كمن زرع في ارض قاحلة ، التغذية الروحية منهج سليم وضروري ولكن ما نراه اليوم في الاعلام من انحدار الخطاب الديني سييؤدي لامحالة الى تشويه القيم الروحية ، لست ناقدا ولا احب النقد ولكن لا بد من التصحيح لاننا نغرق فى الاوحال ونسئ لصورة الاسلام ونخدم بجهلنا اهداف من يريدون القضاء عليه , الدين رسالة تنويرية ذات اصول ايمانية وقيم اخلاقية , وغايتها الانسان  وجودا وحقوقا وكرامة , الدين لا يلغى الانسان ويثق بعقله كمخاطب ومؤتمن , وكلما ارتقى الانسان ثقافة وعلما ارتقت معاييره فى فهم الدين وادرك منه مالا يدركه الجاهلون به , الدين له رسالة فى الحياة وهي رسالة مدركة وهي تحقيق مصالح العبادفيما هو حق من حقوقهم الانسانية التى ضمنها الله لكل عباده ..

أعجبني

تعليق

التعليقات

اكتب تعليقًا…

 

 

 

 

 

 

 

( الزيارات : 46 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *