نقطة البداية

 

 … لكل انسان خصوصيته واستعداده الذي يعبر عنه ويظهر اثره عليه ويعرف به ، وهو متأثر بما يحيط به وما نشأ عليه ، ذلك الاستعداد له عاملان ، فطري مرتبط بالتكوين الجيني للانسان وهو الذي يوحهه في البداية ، وهناك العامل الثاني وهو المحيط الاجتماعي الذي يرسخه وينميه وهو الاهم والاكثر تأثيرا ، عندما يقع الانسجام بين الانسان والمحيط الخارجي له يكون الإبداع والتميز ، الحياة تبتدئ بتجربة انسانية تنمو وتكبر ليكتسب بها معارفه الاولى ، ثم يكتسب الانسان معرفة جديدة عن طريق تجارب الآخرين عن طريق التعليم ، التعليم هو منهج لاكتساب خبرات ترسخت واصبحت قوانين ثابتة ، العلم يراد لما يحققه من فائدة ، مالا يفيد لا حاجة اليه ، العلم الذي لا يضيف شيئا لا تحتاجه ، لا بد من الربط بين العلم والحاجة اليه وهي المنفعة ، والمنفعة نسبية احيانا تكون مدركة وظاهرة ، واحيانا تكون حاجة شخصية يستمتع بها صاحبها وحده ولا يشعر بها اَي احد غيره ، يلتمس العذر لكل انسان فيما يرى سعادته فيه ، احيانا يكون شعورا متوهما يختص به ويسيطر عليه ويزين له أشياء ويراها أمامه وتستولي عليه ويبني احكامه عليها ويعتبرها حقيقة ، هناك الكثير مما يكون مصدره الوهم ، وما يتوهمه صاحبه يكون بالنسبة اليه حقيقة ، كل المشاعر والعواطف ذات طبيعة شخصية ، هناك قوة للانسان خارج القوة الحسية يدرك بها الاشياء وتكبر لدى البعض ، ولا يمكن تجاهلها ولا فهمها ، القوة الروحية حقيقة وهي تدرك من خلال اثارها علي السلوك ، المهم ان تكون صادقة وليست مدعاة او متوهمة ، التوهم قد يكون كالحقيقة ، وهذا كثير ، ومن الصعب التفريق بين الحقيقة والوهم ، وهناك الكثير من الاوهام فيما ينفرد به صاحبه ، وهو بالنسبة لصاحبه حقيقة ، العلم قد يراد به المعرفة ، وقد يكون مهنة معاشية ، كبقية المهن التي يقع التخصص فيها ، وفضل العلم بمقدار الحاجة اليه ، واشرف مهنة هي مهنة الطب  لانها تهتم بالابدان وعلاج أمراضها ، ومساعدة الآخرين للتخفيف من آلامهم عبادة ، والمهنة الأخري هي الفلاحة التي تسهم في توفير الغذاء لذلك الانسان ، اما العلوم الأخري فاقل أهمية لانه يمكن الاستغناء عنها ، ما يمكن الاستغناء عنه اقل أهمية مما لا يمكن الاستغناء عنه ، رسالة الدين في مجتمعه ان يهدي الانسان المكلف الي أمرين الايمان بالله والقيام بعبادته ، وبيان اصول الحقوق الانسانية التي تبني عليها العدالة وتعرف بها الاستقامة ، وهذه هي رسالة الاسلام التي جاء بها لهداية الانسان الى الطريق الافضل والأكمل الذي يحبه الله من عباده ، ولكل عصر خصوصيته ومطالبه ولكل مجتمع اهتماماته ، وكل جيل مؤتمن على ما خوطب به ، ان يلتزم به بما يحقق المقاصد المرجوة منه ، وتحترم ارادة كل مكلف فيما اختاره لنفسه بشرط ان يكون مؤتمنا علي ما هو مكلف به ، ومن حق كل جيل ان يختار ما يناسبه من النظم والافكار وان يختار لنفسه ما يترجح له انه الأعدل والأكمل ، من طبيعة الحقوق ان تتطور باستمرار نحو مزيد من العدالة في رحلة البحث عن الكمال ، وليس هناك أفق للعدالة تتوقف عنده ، ولا تتجاوزه ، العدالة مفهوم متجدد باستمرار ويتجه نحو الكمال ، وهذا يفرض ان يختص كل جيل بتجديد ذلك المفهوم لكي يواكب نمو وعي الانسان بإنسانيته وحقوقه في الكرامة التي هي حق من الله لكل عباده ، ولهذا تتحدد الاحكام الفقهية المرتبطة بالحقوق والعقود والمعاملات والناتجة عن جهد العقول لتحقق المقاصد منها لكي تنسجم مع الحقوق التي ضمنها الله لعباده ، لا احد ينفرد بحق يملكه غيره عن طريق القوة والاغتصاب والاستغلال ، تلك هي مهمة الدين في مجتمعه ، ان يمنع ذلك التجاوز في الحقوق لمنع التظالم وحماية الطرف الضعيف ، الدين حليف المستضعفين في دفاعهم عن حقوقهم المشروعة ، لاوصاية على الدين ولا يمكن لاحد ان يتحكم في مفاهيمه ، ولا ان يجعله مطية له ، صراع الخير والشر لا بد منه ، الدين ينمي قيم الخير في النفس عن طريق التربية والتغذية المستمرة ، الاسلام لكل المؤمنين به ولو اختلفوا فيما بينهم ، الصراع علي المصالح والمغانم والسلطة والمال وما يولده من التباعد والتعصب والتباغض بين مختلف الطوائف والمذاهب ليس من الاسلام ، ولا يقره الاسلام ، ذلك صراع مصدره الأطماع والاحقاد والعصبيات المتنافسة ، ومن استخدم الدين مطية له فقد اساء وافترى علي الله ، الدين جامع لما تفرق من القلوب ، ما نراه من الانقسامات مصدرها التعصب والجهل والرغبة في استغلال اسم الدين في هذا التنافس ، الدين له رسالته الايمانية بالله اولا، والروحية في السلوك والاخلاق‏ والقيم ثانيا وفي احترام الحقوق في كل العقود والمعاملات وعدم الظلم والعدوان فيها ثالثا ، تلك هي ثوابت الدين ، وغاية الدين ان ينمي قيم الخير والمحبة والرحمة ، وهذه ثوابت جامعة لما تفرق ، فمن التزم بها فهو اقرب الى الدين ، اما التنافس والتغالب علي المصالح الدنيوية فيحكمها قانون عادل يكفل للجميع حقوقه في ذلك التنافس ، ما يحتاجه اَي مجتمع ان يستمد من فهمه للحياة من منطلقات ايمانية تجد الانسان مؤتمنا من الله ومستخلفا علي الحياة ان تكون كما ارادها الله ، وان يكون كل مافيها مسخرا لذلك الانسان لكي تكون الحياة به وهو الذي ينير ليلها المظلم بحركته وسعيه لكي يبحث عن كماله الانساني بالعقل الذي زوده الله به وجعله له نورا ، الحياة كبئر يتدفق الماء من أعماقه بقوة الهية يحكمها قانون الاسباب وينتشر ذلك الماء في كل الاتجاهات مكونا الأنهار الكبيرة التي تمد الارض بأسباب الحياة والجداول الصغيرة التي تروي ماكان قريبا ، فتخرج من كل ارض افضل ما فيها من الاشجار المثمرة والنباتات والأزهار ، ذلك هو الفيض الالهي الذي كان به الكون والحياة والحيوان والانسان ، الارادة هي البداية كن فيكون ، وكان بها الكون والخلق ، الحقيقة واحدة وكل احد يراها بعينه فتكون متعددة بحسب الناظر اليها ، ولا احد خارج ما اريد له ان يكون فيه من ذلك التعدد الذي يخفي وحدة الكون وانسجامه وتكامله وارتباط مظاهره وجمال تجلياته ، نقطة البداية واحدة هي النور الالهي وكان بها الخلق الاول ، وتدفقت المياه في كل الاتجاهات وانبتت تلك الحقول وكان بها الربيع الانساني في كل تعددياته واختلاف مكوناته ، لا أحد من كل ماكان خارج تلك المظلة الكونية في ذلك الجرم الصغير الذي يتوهم من هم فيه انهم هم وحدهم الاوصياء علي ذلك الكون الفسيح …

( الزيارات : 49 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *