التصوف كما تربيت عليه وفهمته

 

 

ذاكرة الايام..التصوف كما تربيت عليه .

تربيت منذ طفولتى الاولى فى مجتمع  اسلامى  ملتزم وفى ظل تربية روحية اصيلة ,  كنت في بيت السيد النبهان طيب الله ثراه وقريبا جدا منه وتاثرت بما تربيت عليه وكنت بعيدا كليا عن كل بيئة مخالفة لما نشات فيه , وكانت التربية الصوفية قوية الجذور فى تربيتى  , وعرفت الكثير من المفاهبم  والمصطلحات , وفهمت الكثير مما هو غامض من المعانى  والدلالات , كان الاسلام ولا شيء اخر , كنت اطل على المجتمع كله من خلال نافذة واحدة هي ما تربيت عليها , كنت ارى الكمال فيما نشات فيه , ماكان عليه السيد النبهان كنت ارى فيه الكمال ولا كمال خارج ذلك , تربيت على محبة افكار وقيم  وكراهية افكار وقيم مخالفة , كل ذلك كان بتاثير التربية والبيئة التى عشت فيها , نشات على محبة التصوف واحترام اعلامه وفهمت الكثير من مصطلحاته التى كانت تتردد على اذنى , كنت صوفي النزعة والتكوين , عندما كنت اسمع كلمة تتضمن اساءة للتصوف او نقدا له كنت اتضايق واعتبر ذلك اساءة لى شخصيا , كنت اعلم الكثير من السلبيات والشطحات والانحرافات , فيما ينسب الى الصوفية  ومع ذلك لم اكن احب الاساءة للتصوف , مازلت حتى الان لا احب ذلك , احيانا اعطى لنفسي حق النقد وما اعرفه هو اكثر بكثير , ومع هذا فانا ادافع عن التصوف , عوا طفى مع التصوف الحق وليس مع السلبيات التى هي كثيرة , تمنيت ان ازيل من التصوف ما ليس منه من الزيادات التى ليست من التصوف الحق والتى اساءت خلال التاريخ الى صورة التصوف , التصوف ليس هو مانراه لدى العامة من اعرافه وتقاليده , اكثر مانراه لدى العامة ليس من التصوف , وانما هي اعراف اجتماعية نمت وتطورت وترسخت ومعظمها لا دلالة له , اما من اساء الى التصوف الحق من دعاة الصوفية فهم كثر , وتراثهم هو الغالب , لو حذف من تراث الصوفية ماليس من التصوف الحق لحسنت الصورة واتضحت الملامح , التصوف منهج تربوى روحي له دلالات راقية ومعانى ايمانية دقيقة , وهو ارقى فهما من كل فكر الفلاسفة , من احسن فهم التصوف على حقيقته كمنهج تربوى روحي يعتمد على قيم راقية ويدعو الى استقامة سلوكية واصلاح للقلوب التى هي مصدر الخواطر الحسنة والسيئة , ان صلحت القلوب وصفت كانت خواطرها حسنة وراقية , واذا تكدرت القلوب واظلمت كانت خواطر النفوس سيئة ومظلمة  لاتليق بالانسان , امراض النفوس مصدرها امراض القلوب , والقلوب اذا مرضت انتجت اسوا الخواطر حقدا وطمعا وكرها لكل الاخرين , الصوفية اهتموا بامراض القلوب , وهي امراض قلما تجد من يفهم اثرها , اذا ساء الداخل ساء الخارج لامحالة , منهج التربية الروحية تميزت بها الصوفية وابدعت فى  منهجية الرياضات النفسية والمجاهدات , قلة ممن ادعوا التصوف وكانوا رموزا له احسنوا فهم هذه الرياضات , صوفية السابقين الاولين قادتهم الى الزهد فى الدنيا وعدم التعلق بها , اما صوفية المتاخرين فهم اهل الدنيا وتنافسوا فى الحصول عليها , واوضحها هو تعلقهم بالجاه والمال والمظاهر الدنيوية وهي كثيرة , لو اخلصوا لما تنافسوا على الجاه والمشيخة والطريقة , وهم اشد الناس تنافسا فيها وتحاقدا , وقلما تجد بينهم التعاون  وتبادل المودة والاخلاص , مثل هذه المنافسات بين الطريقة والطريقة والمشيخة والمشيخة المجاورة فى الحي نفسه او المدينة نفسها , واحيانا يشتد الخلاف بين اتباع الطريقة الواحدة , واحيانا بين ابناء الشيخ على  المشيخة وتوارث السر , تلك مظاهر سلبية غير محببة , لم يكن مثل هذا لدى السابقين ممن اخلصوا وكانوا صادقين , تربيت منذ طفولتى على خلاف ما رايته فيما بعد , لقد تربيت فى بيئة مختلفة على يد السيد النبهان طيب الله ثراه , وكان ما تربيت عليه امرا مختلفا , لم يكن السيد كالاخرين فى فهمه للتصوف  , كان هناك الكثير مما كان ينكره من المظاهر والطقوس المعتادة , وبخاصة لدى اهل الطرق , كل الطقوس ومجالس الانس والسماع لم تكن مستحبة ولا اجد لها دليلا , ولم تكن عند السابقين الاولين من ائمة الصوفية , كان الزهد خلقا لاتكلف فيه ,  واصبح متكلفا ويخفى الكثير من الاطماع الدنيوية , ماهو فى المجتمع من التمييز بين الاقوياء والضعفاء نجد مثله فى مجالس الصوفية , فهناك من يملك اسباب القوة والمال وهناك المستضعفون  الذين لا يملكون شيئا , لم اجد اخلاق التصوف الحقيقى  فى مجالس الصوفية المتاخرة  , كان الاقوياء يتحكمون ويسخرون رموز الدين من المشايخ للتحكم فى المستضعفين وكبح جماح غضبهم اذا غضبوا او تمردوا , لم يكن يعجبنى مثل هذا , كان السيد النبهان مختلفا كليا وكان ينكر ذلك , وتعلمت الكثير منه , ومازلت اتذكر الكثير من المواقف فى حياته الشخصية , لم يكن تعجبه تلك المجالس التى هي اقرب الى مجالس الطرب , وتلك المبالغات فىما يروى عن الصالحين , وهي مبالغات لادلالة لها وليست منطقية , وهناك الكثير مما تنكره العقول لمخالفته لما جرت العادة ان يكون , كنت اتتبع حياة السيد النبهان وكنت اجده مختلفا عما اصبحت اراه فيما بعد , كان السيد مختلفا حقا فيما كنت اراه  , كان يحب الكمال فى كل شيء , ولم يكن يعنيه ما يقوله الناس عنه من مدح او ذم , لم اره قط يسترضى العامة بما يريدون و لم اجد اختلافا قط بين حياته الخاصة كما كنت اراه وحياته العامة , كان يعمل فى الدنيا بافضل طريقة ولكننى لم اره يفكر فيها ولاتعنيه فى شيء , لم اره قط فرحا بمال كسبه ولا فرحا بادخاره اوجمعه , كان قريبا من كل المستضعفين من اطفال وايتام وارامل ,  كان صدره رحبا بهم ولو تجاوزوا او اخطؤوا , ماكنت اراه كنت احتفظ به فى ذاكرتى , بعضه لم اكن افهمه فى حينه , فيما بعد اصبحت افهم بعض ما كنت اراه , ماتعلمته كان مدرسة حية , ومنها تعلمت الكثير من المفاهيم والمصطلحات , كنت احتاج ان افهم وتاثرت بما كنت اراه , وما زلت بعد اربعين سنه اتذكر بعض المواقف واعبر من خلالها عن كثير من المعانى والافكار, كنت اريد لن افهم لنفسي وان احكم على ما اراه من خلال فهمى لما اراه , لم يخامرنى اي شك فى اصالة الفكر الصوفى كمنهج تربوى وروحي لتعميق القيم الايمانية اولا وكمنهج لتربية النفوس ثانيا,  وقدم الفكر الصوفى اروع منهج لمجاهدة النفوس وكبح الغرائز واخضاعها لسلطة العقل وضوابط الشرع , وهو فى هذا المنج التربوى قد تميز وتفوق , والذين خضعوا لهذه المجاهدات وكانوا صادقين فيما هم فيه وهم قلة حققوا نتائج مهمة من حيث صفاء النفوس وطهارة القلوب , وهذا الصنف من الناس كان افضل من غيره فى التقى والورع , واعمق فى مشاعره الانسانية واكثر تواضعا وادبا , وهذا امر لاخلاف فيه , وهناك فئة متسلقة ادعت لنفسها ذلك,  وتوهمت انها حققت شيئا وهي لم تخرج مما هي فيه , وزاد غرورها ووهمها وادعت اشياء روحية متوهمة , وتكلفت ماليس فيها من الاحوال , وهناك فئة ثالثة لاعلاقة لها من قريب او بعيد بهذا الموضوع وادعته لنفسها اوورثته او وجدت نفسها فيه , الصادقون قلة نادرة وهم اهل صفاء وتقوى , ولا يمكن انكار تميزهم بصفات من الادب والخلق والورع , اما الاخرون فقد اساؤوا اساءات بالغة الى الفكر الصوفى , وشوهوا الكثير من مفاهيمه , واتخذوه مطيتهم للدنيا , وانخدع العوام بهؤلاء , كنت ارى الكثير من الاساءات والانزلاقات , وهي غير مبررة , وهي من مخلفات الجهل  بحقيقة التصوف الحق , ليس هذا هو الدين وليست هذه رسالته , الدين ايمان واستقامة وادب وخلق , وكل من التزم بهذا فهذا من الدين , ومن لم يلتزم بثوابت الدين فلا يصدق فيما يدعيه , اما خوارق العادات فلا تدل على التقوى , وانما هي قدرات ذاتية لاتدل على التقوى , معجزات الانبياء لاتتجاوزهم لانهم انبياء ولهم خصوصيتهم التى لا يملكها غيرهم ,  واذا اراد الله اكرام عبد الهمه الاستقامة وشرح صدره لما يحبه الله منه , وهناك مناهج للعبادة والاذكار , واصحها وافضلها  ما ثبتت روايته عن النبى صلى الله عليه وسلم وكل طريقة خرجت عن هذا المنهج بزيادة او تغيير  فلا يحتج بها , وقد رأيت السيد النبهان يختار منهج الاتباع لسيد المرسلين ولا يقلد غيره ,  ويقول طريقتى محمدية , وهو منهج الاتباع والقدوة , واننى شديد الغيرة على التصوف الاسلامى , واتمنى ان تقتصر كتب التصوف على التصوف الحق الذى يعلى من شان التصوف فى نظر مجتمعه  , وان يحذف منه الكثير مما لا اصل له ولا دلالة عليه , وقد اشتملت كتب التصوف على الكثير الكثير من الانزلاقات والافكار والشطحات والعبارات التى لا يستقيم معناها  , الاسلام يؤخذ  من خلال نصوصه واصوله وثوابته , ولا يحتج باحد على الاسلام , ما اضيف الى الدين ليس منه ,  وما يتناقض مع اي اصل من اصوله فلا يمكن اقراره , ومن سوء الادب مع الله ان تتحكم الاهواء والمصالح فيما اراده الله من خلال كلام الله وسنة رسوله , ولا شيء بعد ذلك , لا احد اولى بالحق من الحق , التصوف الذى يعنى بالتربية الروحية ويرتقى بمستوى القيم الايمانية ويهتم برياضة النفوس وطهارة القلوب يجب الاهتمام به , وائمته الصادقون هم رواد الدعوة المخلصون ,  اما من انتسب الى التصوف وهو بعيد عنه ادبا وفهما وخلقا فهؤلاء لا صلة لهم بالتصوف , ولا يمثلون التصوف ولا يخدمونه , وقد اضافوا اليه الكثير من الطقوس التى تخدم  اهواءهم ودنياهم  اكثر مما تخدم اخرتهم ودينهم  , عندما يجرد التصوف مما ليس منه من الافكار,  ويحتفظ بما هو اصيل ومفيد يحتفظ التصوف باصالته وحقيقته وصفائه واخلاص اهله , وقد تاثرت فى طفولتى الاولى بمنهجية السيد النبهان طيب الله ثراه , وكانت صوفيته ليست كالصوفيات الطرقية , وليس فيها ذلك التكلف وتلك المبالغات , كانت تربية حقيقية , تاثرت بها مع اننى لم اسمع منه نقدا لما عليه الصوفية المعاصرة , كانت له اشارات وايماءات , كنت افهم منهجية المجاهدات والرياضات الروحية وهي تحقق صفاءا روحيا للصادقين  , ولكننى كنت ارى تكلفا وتظاهرا وتفاخرا لدى غير الصادقين , وكان بعضهم يدعى انه قد فتح الله عليه واصبح يملك من الاسرار مالا يملكه غيره , كنت ارى فى الكثير من هؤلاء الدنيا وليس الدين والطمع وليس الزهد وحب الظهور وليس الستر , هناك  امور متكلفة , ولسنا بحاجة اليها , مالا دليل عليه لا يؤخذ به , ومالا يحقق هدفا من اهداف الدين فلا يعتد به , كنت ارى الايمان والاستقامة هي المعبار , واؤكد اننى من منطلق دفاعى عن الصوفية الحقة التى  تدعو الى الصفاء الروحي ان الكثير مما ينسب الى التصوف لا دلالة له وليس من التصوف , وان المبالغات ليست محمودة , واغراق المجتمع بمفاهيم ليس لها دليل ولا تحقق هدفا من اهداف التربية الدينية هو امر يسيء لصورة التصوف الحق , ويفقده الكثير من اثره الروحي , التصوف يحتاج الى نفس جديد يخرجه من ازمته فى مجتمعه ويعيد اليه اشراقته , ماكان صحيحا ومفيدا يحتفظ به , وهناك ائمة صادقون ومخلصون , ولكن من جاء بعدهم اساؤوا كثيرا وتنافسوا وغلبت عليهم اهواؤهم وتحكمت فيهم مصالحهم , واصبح الكثير منهم مطية لظالم اومستبد ..

تلك تاملات سريعة سجلتها على عجل عبرت فيها عن قناعتى من منطلق دفاعى عن التصوف الحق , واثره فى تنمية قيم الخير ومعانى الرحمة فى الشخصية , وكنت اجد فى التربية الصوفية الكثير من القيم الانسانية فى الاداب والمفاهيم والسلوك ..  

( الزيارات : 67 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *