السنة الاولى فى المغرب

 ذاكرة الايام..السنة الاولى فى المغرب

كان العام الاول الذى امضيته فى المغرب هو الاشق بالنسبة لى , لم اكن اعرف اي شيء عن المغرب , كل شيء كان جديدا , هناك الكثير من الاشياء لم افهمها ولم يكن بالامكان ان افهمها , كنت اسمع ممن كان حولى اشياء متناقضة لم افهمها  , وكنت اتاثر بها , كنت افهمها من خلال الاخرين مما كنت التقى بهم , اعترف اننى كنت محظوظا وكنت التقى  باناس رائعين حقا , ولم يكن هذا  ليكفى , ماهو مطلوب منى كضيف مؤتمن ومكلف ان اكون اكثر سعة وفهما , العدالة ليست مقبولة وليست عادلة , الاساءة لاترد بمثلها , كان يجب علي ان استوعب كل المخالفين وان احترم كل الاخرين ولو كانوا مخالفين , ووقعت فى اخطاء كثيرة , كان الملك الحسن الثانى رحمه الله رائعا بكل المقاييس , كان يفهمنى جيدا , لولا سعة الملك لما استطعت البقاء طويلا , كنت طموحا بغير حدود , وكنت متفائلا وتوقعت ان كل شيء مما افكر فيه يمكنه ان يكون , كنت واثقا من نفسي وصادقا وامينا , كنت اريد ان احقق اشياء كثيرة وتصورت ان كل شيء يمكنه ان يكون , تذكرت كلمة العلامة الاستاذ عبد الله كنون عندما حدثنه فى الايام الاولى عما اريده ان افعله : قال لى : لن تتمكن من فعل ما تريد , وقال لى الشيخ محمد مكى الناصرى , مثل هذا , قال لى امضيت سنة وكنت احلم كما تحلم انت , وبعد عام انتهى كل شيء , وقال لى الاستاذ احمد بنسودة مدير الديوان الملكى  وكان شياسيا ذكيا ,  وكنت قريبا منه , بان  اكون حذرا وان اهدئ السرعة , لان الطريق ليست معبدة , بعد عام تعلمت اكثر واكتشفت الكثير مما كنت اجهله , هناك خصوصيات للمغرب ويجب ان تفهم , بعد عام واحد اغلقت الابواب وانطفأت الانوار فجاة وعلى غير توقع , واعتقدت ان كل شيء قد انتهي , وكدت ان استسلم , بدات افهم شيئا لم اكن افهمه , فى هذه الفترة خسرت الكثير من الاصدقاء وكسبت الكثير , ومن كسبتهم اكثر اهمية , وتولدت لدي رغبة فى التحدى على خلاف ماانا عليه , كنت اشعر اننى على حق واننى افعل الصواب , لقد فهمت ما يريده الملك , وكنت اريد ان تكون مهمتى ناجحة وان اكون امينا وصادقا , وكان من حولى يدرك ذلك , كنت اريد ان افعل اشياء كثيرة , كنت اقول لنفسي لقد وثق بى الملك وكلفتى بمهمة ويجب ان انجح فيها , لقد رايت من كبار العلماء ما اسعدنى , ورايت من علماء الدار ما شجعنى , رأيت منهم الوفاء بغير حدود , ووصلت الاصداء الى الملك , وفهم ماكان , ووقف الى جانبي , وفهم من حوله من المساعدين والاعوان ذلك , وفى تلك الاثناء اقبل شهر رمضان , وكلفنى الملك ان القى درسا امامه فى الدروس الحسنية , ذلك موقف رائع  ومعبر وله دلالته الكبيرة , انه رسالة تاييد ومؤازرة , وما رايت اكثر ذكاءا من الحسن الثانى فى اختيار كلماته ومواقفه , اخترت موضوعا للدرس بعنوان منعطفات فى مسيرة الثقافة الاسلامية , واخترته عمدا , وطرحت فيه اهم افكارى , فى قضايا كثيرة , كانت الدروس الحسنية اهم منبر علمي يمكن الحديث فيه بحرية , كانت الكلمة تصل الى الجميع , ولا احد يوقفك او يعارضك او يشوه كلماتك , منهج الدروس منهج علمي هادئ ومنصف وليس فيه انفعالات ولا شطحات ولا مبالغات , والشعب المغربى ينصت باهتمام وهو الحكم  فيما يسمع , كنت القيت قبل ذلك ثلاثة دروس سابقة فى اعوام متتالية , وتكلمت فيها بحرية فى كل الموضوعات التى اعتبرتها هامة , عن الاقتصاد الاسلامى ونظام الحكم ومفهوم الربا  , وهي اشق الموضوعات واكثرها حرجا , وبخاصة فى مجلس ملك يحسن الفهم ويعلم ما يقال , وما رأيت منصتا يحسن فهم ما يسمع كالحسن الثانى رحمه الله , لقد تكلمت فى قضايا معقدة ومحرجة فى مجلسه , واهتم بها , وكنت اجد منه تشجيعا صادقا , وكانت تعجبه الافكار الناتجة عن حسن فهم , لا ادعى اننى قلت شيئا مميزا فى مجلسه , ولكنه احسن الظن بي , لواردت اتكلم بمثله اليوم بعد اكثر من اربعين عاما لما تمكنت , وكنت اساءل نفسي كيف اخترت هذه الموضوعات  التى يضيق بها الحكام عادة , ماتكلمته فى تلك الدروس كان اكثر تعبيرا عن قناعتى مما كتبته فيما بعد , كنت فى تلك الفترة من حياتى اكثر شجاعة فى التعبير واكثر صدقا , من خلال تلك الدروس ازدادت ثقة الملك بى , كان يريدنى ان احاضر فى كل المدن المغربية , كان يريدنى ان اكون كما انا عليه , الحرية اذا كانت  عاقلة لا تخيف الا من كان جاهلا , طرحت اهم القضايا  الشائكة فى قضايا الثقافة , المدارس الفقهية والتعصب وعصر الركود وقضية اعلاق الاجتهاد والتقليد وتدخل الحكام فى الفتوى , وتحدثت عن الثقافة فى العصر الحديث واهمية النهوض بالثقافة وتخلف مناهج التعليم ومخططات الثقافة والدعوة وانتقدت منهج الوعظ والارشاد , كماتكلمت عن التراث ومنهجية احياء التراث وانتقدت ماعليه التراث من جمود فى مفاهيمه , اعترف اننى بالغت فيما ذكرت , واخيرا تكلمت عن دار الحديث الحسنية , واكدت ان الدار ليست مهمتها الوعظ والارشاد , وانما مهمتها احياء المفاهيم وتصحيحها والنهوض بها , وتكلمت عن تصورى لدور دار الحديث فى تكوين قيادات فكرية , واستخدمت كلمة جنرالات وان مهمة الدار تخريج جنرالات فى الفكر  , لم اتصور بعد سنوات سوف نجد ان رئيس الحكومة ونائب رئيس الحكومة من  خريجى هذه الدار , ويتولى ابناء الدار اعلى المناصب فى المغرب بكفاءتهم , دافعت بحماس عن هذه الدار وعن دورها العلمى والثقافى , واكدت على ان الاسلام هو الركن الاهم فى بناء الشخصية المغربية الوطنية , وقلت فى ذلك الدرس ان الدار اما ان تكون اولاتكون ولا ثالث لهما , كنت منفعلا وانا اتكلم , كان ذلك هو خيارى الوحيد لكي اواجه العزلة التى اريدت للدار , علق الملك لمدة عشرين دقيقة على الدرس , كان الملك فيما قال عاقلا وحكيما , كانت كل كلمة لها دلالة معبرة , توقع الجميع ان ذلك اليوم هو الاخير لى فى الدار واستمرت مهمتى لمدة ربع قرن تقريبا , ما زالت الدروس  التى تعلمتها  ذلك اليوم حية فى نفسي اذكرها باستمرار , كان يوما مؤثرا في حياتى , تعلمت منه الكثير , كان المنعطف الاهم والاكثر صعوبة , لم يكن بعده كماكان قبله , استمر اصدقائي يذكروننى به , اعترف اننى لست انا من كان فى ذلك اليوم , كنت مختلفا عما انا عليه , ليس من عادتى الانفعال , توهمت فى ذلك اليوم ا ن ما انا عليه هو الصواب , ولم افكر فى غيره ابدا , لا ادرى لماذافعلت ذلك , بعد ذلك اليوم خسرت القليل من الاصدقاء وربحت الكثير الكثير ممن اكثر منهم اهمية , انفتحت كل الابواب التى كانت مغلقة , اكتشف الكل اننى صادق فيماقلت , واننى اريد ان احمل الامانة , استقبلت بعد ذلك اليوم الكثير ممن اصبحوا اصدقاء لى من الرموز التى تحظى باحترام مجتمعها , بعد فترة من الزمن  اختارنى الملك لكي اكون عضوا مؤسسا فى اهم هيئة اكاديمية فى المغرب هي الاكاديمية الملكية المغربية التى تضم اهم ثلاثين شخصية اكاديمية من ابرز الشخصيات المغربية , كنت اريد ان احقق اشياء اكبر بكثير لولا تلك العقبات  فهمت فيما بعد ان هذا هو الممكن .  وما زاد عليه فهو غيرممكن , وتعلمت من هذا انه ليس كل مانفكر فيه يمكنه ان يكون , المصالح غالبة ولا احد يمكنه ان يغالبها , ومصالح الكبار يحميها الكبار ..

( الزيارات : 108 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *