ثوابت التكليف ورسالة الدين

  كلمات مضيئة..ثوابت التكليف ورسالة الدين

عندما خلق الله تعالى الانسان لكي يكون مؤتمنا على الحياة فى الارض كلفه بامور ثلاثة :

التكليف الاول : الايمان بالله كما امره الله به عن طريق الوحي المنزل على رسوله , ان يؤمن بالله ولا يشرك به احدا , وهذا حق الله على عباده , الايمان بالله وبكل ماجاء من عند الله,  وهذا هو مضمون الشهادة , كل ما يتعلق بالله فقد ورد فى القران من الاسماء والاوصاف , ولا تجاوز لما ورد فى القران , ليس هناك اصدق من كلام الله ولا اوضح منه دلالة واجمل منه تعبيرا , خطاب الله معجز اللفظ والدلالة فلا تجاوز له , ما يفهمه المخاطب منه فهو مكلف عليه ومؤتمن عليه , التفاسير ابتعدت عن الدلالة القرانية ولم تضف الى القران شيئا من البيان , فالقران اوضح معنى وابلغ لفظا , عندما ارجع لكتب التفسير اجد نفسي بعيدا عن القرآن ويفقد بالتفسير قدسيته واعجازه وكانه يهبط من علياءقدسيته الى  اهواء مفسريه الذين عجزوا عن فهم دلالاته الروحية   , القرآن كلام الله والتفسير هو جهد العقول وهي قاصرة ولو احسنت فيما فهمت , كنت اكتفى بتفسير مفردة لغوية لفهم الدلالة ولا اتجاوزها لئلا ابتعد عن روح القرآن , ماكنت افهمه من القران نفسه كان اجمل واشمل واروع , ولو توقفنا عند القرآن لاستغنينا به عن غيره , كنت اضيق بما كتبه علماء الكلام واجده سذاجة فى الفهم وخروجا عن الاصل وتشويها لجمال التصور القرآنى للمعانى الايمانية , القرأن خطاب الله المعجز وجماله فى اعجازه , ولا احد ممن كتب فى الاعجاز اكتشف عظمة ذلك الاعجاز ,  

التكليف الثانى .. العبادة وهي حق الله على عبادة اداءا لواجب الشكر لله وقياما بحق الله على عباده , العبادة بادبها , وكيفية ادائها تاتى عن طريق النبوة والاتباع , ما ثبت من العبادة يؤخذ به , وما لم يثبت فلا يؤخذ بالشك ولا بمالا يصح من الروايات , الرواية اما ان تكون ثابتة ويحتج بها أوغير ثابتة فلا يحتج بها لاثبات حكم , لا تجاوز فى العبادات , والغاية من العبادات امران:  قيام بحق الله اولا,  وانعكاس اثر العبادة على السلوك استقامة وتقوى ثانيا , من اقبل على الله فلايمكن ان يرده الله ابدا , علاقة المؤمن بربه قوامها حب الله والانس به واستحضار رقابته على عباده بالرحمة والرعاية والغفران , من يرتكب ذنبا او اثما فهو محاسب عما يفعل , والمذنب يخاف من ذنبه , ولا احد اقرب الى الله الا بعمله الصالح , لاتجاوز للعدالة الالهية ابدا ولا شفاعة لمذنب الا بالتوبة , والتوبة الصادقة لاترد,  ولكنها لا تسقط حقا ولا تمحو ظلما , الله تعالى ارحم بعباده وهو الرحمن الرحيم , ولا حق لعبد مهما كان صالحا ان يتدخل فى امر من امور الله ادبا مع الله , ومن ادعى القرب من الله فقد اساء الادب , مقام الربوبية له هيبته وكل الخلق عبيد لله لا يملكون امر انفسهم فضلا عن امر غيرهم , المذنبون هم خلق الله وامرهم بيد الله , فلا احد يملك لهم نفعا او ضرا , وهم اقرب الى الله من كل الاخرين , العبد يؤدى عبادته باركانها وشروطها بما يقدر عليه , ولا تجاوز للوسع ولا حرج فى العبادة , لا وساطة بين الله وعباده ابدا ومن ادعاها كان ظالما لنفسه وجاهلا بادب العبودية  , الدعاء لاظهار العبودية لله , والله ارحم بعباده واحكم ,  الاخلاص فى اداء العبادة يخرج العبادة من صورتها الظاهرة الى حقيقة العبادة وهي استحضار رقابة الله على افعال المكلفين ,  كل مكلف مؤتمن على اداء العبادة بما يستطيع من غير تفريط بحق من حقوق الله , وكل ما كان لله فالمكلف مؤتمن على تحقيق مقاصده المرجوة , لا وصاية على الدين , ولا احد اولى بالدين من احد , والدين رسالة حياة وادب واستقامة وليس مهنة ولا مطية لاحد ولو كان صالحا وتقيا  , مكانة العبد عند الله يحددها عمله الصالح , وكل طريق يقود العبد الى ربه فهو صحيح , ولكل عبد طريقه واختياره  وهو اولى به   , من احسن من الخلق فله اجره , ومن اساء فعليه وزر اساءته , باب الله مفتوح لكل عباده الصالحين وغير الصالحين ولكل المذنبين ولا يرد عن باب الله احدا  , من اتهم غيره بكفر او تقصير اوزيغ او ضلال من غير حجة ودليل فقد تجاوز وظلم ومن تسلق اسوار الاخرين فى امر من امورهم  فقد اعتدى عليهم وكان من الغافلين  , اسرار الخلق من امر الله , من تظاهر بغير ما فى باطنه فهذا من الرياء المذموم وهو دليل جهل وغفلة عن الله , حكمة الله فى الاسباب التى تدركها العقول ,  ولا شيء خارج الاسباب , خوارق العادات تصدر ممن يملك اسبابها ولا دلالة لها فى الدين وهي ادعاها كان من  الغافلين , ومعيار الحسن والقبح هو العقل اولا بفطرته ويؤكدها الشرع بحكمه ,  والعقل هو اداة الشرع وميزانه وهو المؤتمن على الخطاب التكليفي , ولا يمكن للشر ع  ان ينبنى على خلاف ميزان العقول لان العقل هو نور مستمد من نور الله تعالى وهو افضل عطاء من الله .

التكليف الثالث : احترام الحقوق الانسانية و استقامة المعاملات , وهذا الذى تكفل به الفقه واهتمب بتفاصيله الاحكام , وتشمل كل الحقوق التبادلية فى الاسرة والمبايعات والعقود والحقوق الفردية وحقوق الجماعة وعلاقة الفرد بالدولة واهمية الدولة وكل الحقوق بين الافراد والجماعات والاحكام المنظمة للعقوبات المالية والعقوبات البدنية , وهذا هو الفقه باقسامه المختلفة , ويراد بالفقه هو جهد الفقهاء فى استنباط الاحكام من مصادرها النصية اولا وهو القرآن وما صح من السنة , ثم مما استنبط من تلك الاصول عن طريق الاقيسة والحاق الفروع باصولها , وتعددت مدارس الفقه وتكاملت فيما بينها لتكوين ذلك الفقه المستمد من الاصول الاسلامية , الفقه هو جهد العقول فيما ترجح لها انه الحق والصواب , وكل جيل اضاف لبنه مما ترجح له انه الصواب , وكل مجتمع اهتم بقضاياه وسجل اضافته واصبح الفقه غنيا بجهد تلك الاجيال , الفقه ماكان وما سيكون الى يوم الدين  , ماكان صالحا لعصر ومعبرا عن حاجاته لا يعنى ان يكون صالحا لعصر مختلف عنه , امران لا بد من الالتزام بهما المقاصد المرجوة والمصالح المشروعة , ولاتنفصل المقاصد عن المصالح , مالا يحقق مصالح العباد فلا يعتد به , وكل مصلحة فردية لا تعتبر الا اذا كانت مشروعة ولا يترتب عليها اي ضرر بمصالح مجتمعها , الفقه جهد متجدد يعبر عن حاجة المجتمع وتتطور مفاهيم العدالة فيه نحو مزيد من احترام الانسان حرية وكرامة , وقد وضع الدين ثوابت للمعاملات واعتبرها اصولا لا يمكن تجاوزها , غاية المعاملات ان تكون عادلة لا ظلم فيها , الظلم محرم فى نظر الدين , ولا شرعية للظلم ولا لاي سلوك يؤدى اليه , تحترم ارادة الانسان فيما يراه محققا لمصالحه , وكل ما وقع الاتفاق عليه فيجب احترامه ما لم يكن الانسان مكرها وفاقدا للارادة او فاقدا اهلية الرشد فى قراره , مفهوم الظلم يحدده اهل الاختصاص ممن اشتهروا بالتقوى , لا عبرة برأي غير اهل الاختصاص , فى المعاملات لا يجتهد فيها الا من كان يحسن فهم ما يجتهد فيه , لا بد من كمال الاهلية والجدارة لمن يبدى رأيا او يجتهد فيه , التقوى ضرورية لمن تقع الثقة به ولكنها لا تغنى عن الاهلية والخبرة , الرأي لاهل الخبرة والتقوى شرط للثقة بهم , التعدد امر حتمي فى الاراء والاختلاف ظاهرة ايجابية , والترجيح بالحجة والدليل , ولا احد اولى بالحق الا بدليله , هناك تعدد فى المناهج الاجتهادية وليس فى المذاهب , ولا مذهبية خارج الدليل , ومن اعتمد على الدليل فهو اولى بالترجيح والاعتبار,ليس هناك منهج هو اولى من اخر بالحق واقرب الى الصواب , هناك منهج اهل الرواية ولهم خصوصياتهم واولياتهم , ويجب احترام ما صح من الروايات , ومالا يصح لضعف فيه فلا يمكن الثقة به , والظن لا يكفى لاثبات الدليل , ولا بد فى الدليل من اليقين او ما هو  اقرب الى اليقين , والتساهل فى الرواية ليس ورعاولا يعبر عن التقوى , والتقوى تتحقق  بالتزام الدليل من غير تجاوز لضوابط الرواية , وسلامة المتون من احتمال الوضع فيها او التساهل فى روايتها , ولو كانت من مكارم الاخلاق , فالتوثيق يخضع لضوابط التوثيق المنهجية التى يمكن الثقة بها والاطمئنان اليها , التساهل فى قبول الروايات تفريط غير مبرر , الالتزام بالحق اولى من التساهل لانه تفريط  , مالا يثبت فلا يحتج به ولو اشتهرت روايته , اما المتون فيجب اخضاعها لمنهج نقدى عادل لكيلا تتضمن الرواية مالا تصح فى العادة ان يكون لوضوح المبالغة فيه ومخالفته لما هو ثابت من الاصول المتواترة , منهج العلماء انهم لا يقبلون الا ما صح لديهم سندا ومتنا , وقياس الفروع على الاصول منهج العقلاء واسلوب العلماء من غير تجاوز ولا تكلف ولا شطط فى الالحاق , الفقه الناتج عن جهد العقول يتجدد باستمرار لكي يواكب عصره ويعبر عن حاجات مجتمعه , وما يصلح لمجتمع قد لا يصلح لغيره لاختلاف المفاهيم والمعايير والمصالح , لكل مجتمع فقهه الذى يحقق المقاصد المرجوة منه فى مراعاة المصالح المشروعة , ولا يمكن افتراض التناقض بين مقتضيات النصوص والمصالح المشروعة , لان غاية الاحكام الشرعية تحقيق المصالح للعباد بما ييسر لهم امورهم , افتراض التناقض والتصادم غير ممكن , وهو دليل القصور فى فهم المقاصد او المصالح , الجهل باحدهما يبعده عن الاخر , لا شيء فى الدين مما ترفضه الفطرة او يناقض مقتضيات العقول الراجحة , العقول اذا ضاقت ضيقت الخناق على مجتمعها باسم الدين او باسم الاخلاق , العقول مخاطبة ومكلفة ومؤتمنة وتجب الثقة بها وفيما تراه , ضعف الثقة بالعقول دليل جهل وجهالة , اتهام العقول بالجهل والقصور مخالف للتكليف الشرعي , ولو لم تكن مؤهلة لفهم الخطاب لما وقعت الثقة به , والعاقل مخاطب وهو المؤتمن على فهم الخطاب , والعقول اذا تجردت عن الاغراض استقام فهمها ولو اخطات , والعذر ملتمس لها فيما اخطات فيه , التراث الفقهي يجب ان يحترم وينسب لاصحابه , وينسب الحكم الى دليله ويثبت به  وليس الى مذهب صاحبه ,التراث  الفقهي يخترق الاسوار المذهبية , ولا قداسة لرأي مع احتمال الحق فى غيره , تحترم المناهج الفقهية , والتعصب المذهبي جهل وجاهلية , والتقليد المطلق لا يليق بالعلماء , لانه يفقدهم صفة العلم ويصح منهم التقليد فيما يجهلون لا فيما يعلمون واحترام اهل العلم لا يعنى تقديسهم وهم فى العلم لا يفقدون خصوصيتهم الانسانية وخضوعهم لما يخضع له غيرهم من تبرير ما يقولون بالدليل والبرهان  , والمجتهدون هم اصحاب الاختصاص ويسألون , ومن لا علم له فلا يسأل ولا يستشار , ولا يبنى الحكم الشرعي الا بناء على رأي اهل الاختصاص فيما اختصوا به , الرأي الفقهي مجرد رأي وليس فتوى , والفتوى لا تصدر الا من اهل العلم والاختصاص بعد دراسة علمية وتكون جماعية ومعتمدة وصادرة عن جهة علمية مختصة , ولا احد يفتى فى النوازل الا من كان من اهل الفتوى والعلم وتكون جماعية للتخفيف من الارتجال والخضوع للاهواء , والرأي الفردى لا يقبل الا ان يعتمد من جهة مختصة , ورأي الجماعة يلزمهم ولا يلزم غيرهم ولا يتجاوز من قال به زمانا ومكانا , الا بارادة من رأى فيه الحق والصواب , غاية الاحكام الشرعية ان تحقق اغراضها المرادة منها , فاذا ادت الى غير ما هو مراد منها يعدل عنها الى ما يحقق الاغراض المرجوة من احترام مصالح الخلق , واهمها احرام الحقوق وتحقيق العدالة فيها , اصول المعاملات وثوابت الحقوق هي من حقوق الله ومن ثوابت الدين , مهمة الانسان ان يكون مؤتمنا على تحقيق المقاصد المرجوة منها , الاحكام الناتجة عن المصالح تتجدد باستمرار لتحقق المصالح المرجوة منها , وما راه المجتمع انه ضرورى له لحياته واستقراره فيجب الاخذ به من الانظمة والدساتير والقوانين , ما كان ضروريا للمجتمع فيجب الاخذ به , وما كان ضارا به ويؤدى الى الظلم والعدوان فيجب تركه والتخلى عنه , ومن حق اي مجتمع ان يضع لنفسه النظام  الذى يراه افضل له لضبط الحقوق والمعاملات , ولا حدود للثقة بالانسان فى كل عصر ومجتمع ان يختار لنفسه ما يصلحه وينهض بامره , عندما يضع المجتمع لنفسه نظامه الاجتماعي والسياسي والاقتصادى فهذا حقه ويقف الدين الى جانب ذلك المجتمع فى سعيه للاصلاح والنهوض , اذا كانت تلك الانظمة عادلة ونافعة وتحترم الحقوق وتقاوم الظلم فالدين يؤيد كل ذلك ويعتبر كل ما يؤدى الى الصلاح فهو من العمل الصالح , وما كان فاسدا ويؤدى الى الفساد والظلم والفوضى واكل اموال المستضعفين بالباطل واستغلال المصالح وتجاهل الحقوق المشروعة فلا يمكن للدين ان يقره ولو رفع اهله شعار الدين جهلا به او بهتانا  ..

 

 

( الزيارات : 10 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *