ذكريات الزيارة الاولى الى المغرب

     الزيارة الأولى للمغرب :

كانت الدعوة مفاجئة ، ولم يكن صاحبنا يعرف عن المغرب إلا القليل ، كانت أخبار المغرب في الصحف قليلة وكانت الاضطرابات السياسية تشد اهتمام الصحافة ، فقبل عامين وقعت أحداث الصخيرات ، حيث قامت فرقة من طلاب إحدى المدارس العسكرية بالهجوم على قصر الملك في الصخيرات بمعاونة بعض الضباط ، وأدى هذا الحادث المروع لقتل وجرح المئات من كبار رجال الدولة ، وفشل الانقلاب وأعدم الخونة من الضباط ، وفي الصيف التالي وقع هجوم عسكري بالطائرات العسكرية على طائرة الملك في طريق عودته من زيارته إلى فرنسا ، وفشلت المحاولة بمعجزة ، واستطاع الملك أن يواجه هذه التحديات المتلاحقة بشجاعة نادرة وحكمة وصلابة ..

كان التساؤل ملحاً في الصحافة ، ماذا يجري في المغرب ، كانت المعارضة قوية ، وكان اليسار يحكم قبضته من خلال تنظيماته الحزبية على المنظمات العمالية والطلابية وعلى الجامعات ويستقطب معظم الشباب في المدن الكبيرة ..

كانت المحاكمات مستمرة ، والمواجهات قائمة ..

كان الملك هو الصامد الأكبر ، ويتحكم بذكاء عجيب وبمهارة فائقة بكل الخيوط ، وكان يحارب على جبهة خصومه وعلى جبهة أعوانه الذين كانوا يخونون الثقة ، ويؤلبون من خلال سياستهم الاستفزازية الخصوم ويدفعونهم للتمرد والثورة..

تردد صاحبنا في قبول الدعوة ، لا بسبب هذه الأحداث ولكن بسبب ظروفه الأسرية ، فقد كان من الصعب عليه أن يترك أسرته وحيدة في الكويت ، وكان يتهيب هذه الرحلة الطويلة من شرق الأرض العربية في الخليج إلى غربها على المحيط الأطلسي ، ولم يكن يعرف أي شيء عن الدروس الحسنية ، وقد سمع بها لأول مرة ، وكان يتوقع أن أفكاره قد لا تكون مقبولة لدى الملوك ، وبخاصة وأن المغرب اشتهر بفكره التقليدي الذي يرفض أي تجديد أو تحديث في مجال الفكر الإسلامي .

ولما استشار بعض أصدقائه الذين عاشوا في المغرب في أمر المشاركة في الدروس الحسنية حدثوه عن شخصية الملك بما يدعوه للخوف منه والرهبة من الحديث أمامه .

وكان عميد كلية الحقوق بالكويت الدكتور عبد الحي حجازي ، وكان من أبرز علماء القانون بمصر ، وكان صاحبنا وثيق الصلة به ، وتربطه به صلة صداقة ومودة ، ولما بلغه أمر الدعوة اتصل به ونصحه بقبول الدعوة من غير تردد, وقال لـه : لقاء الملوك هو فرصة العمر ولا يجوز التردد ولا التهيب ، وقل ما تؤمن به من أفكار ، فإن وجد قبولاً فقد يكون الخير فيه ،وإذا لم يجد القبول فأنت ضيف قد أديت رسالتك ..

وأحسَّ صاحبنا بانشراح القلب وسكونه ، وابتدأت الرحلة عبر باريس ، وفي مطار الرباط استقبل أحسن استقبال ، وأقام بفندق تورحسان الفندق الأفضل والاشهرفي الرباط في ذلك الوقت ،  وهو الفندق الذي تجد فيه ملامح التراث المغربي في مجال العمارة, ويشتمل على قاعات مغربية جميلة ، وكانت هي الزيارة الأولى للمغرب ، وهاهو المغرب في حضارته وبهائه ..

وفي اليوم التالي بعد صلاة العصر اتجه صاحبنا إلى القصر الملكي حيث تعقد الدروس الحسنية في ضريح مولاي الحسن وهي قاعة مغربية جميلة ، وهناك وجد كبار رجال الدولة من وزراء وسفراء وعلماء وشخصيات مدنية وعسكرية, وفي صدر القاعة أعد مجلس الملك المهيب ، ويجلس عن يمينه ولي عهده سيدي محمد وعن يساره شقيقه مولاي عبد اللـه ، ويجلس الوزراء عن يسار الملك ويجلس السفراء عن يمينه ، ويجلس العلماء في صفوف منتظمة أمام الملك ، وكلهم يرتدي الجلباب والسلهام ويضع على رأسه الطربوش المخزني الأحمر الذي يغطيه الجلباب ، وفي الصف الأول أمام الملك يجلس الضيوف من كبار علماء المغرب والمشرق المدعوين ، وجلس الأستاذ عبد اللـه كنون الأمين العام لرابطة علماء المغرب الذي يفتتح الدروس الحسنية في منتصف الصف الأول أمام الملك مباشرة ، وجلس صاحبنا على يمينه ، وعن يساره السارد الذي يفتتح الدرس بمقدمة من الأحاديث والأدعية المرتبطة بموضوع الدرس ،و كان المجلس مهيباً جميلاً أنيقاً في شكلـه ، والكل يرتدي اللباس المغربي الأبيض ما عدا الضيوف ، وهم قلة منهم الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر والشيخ محمد الغزالي والأستاذ حسنين مخلوف مفتي مصر والشيخ موسى الصدر والأستاذ محمد المبارك ، وجلس في الصف الأول من علماء المغرب الشيخ عبد الرحمن الدكالي والشيخ عبد الواحد العلوي عميد كلية الشريعة بفاس ، والشيخ الرحالي الفاروقي من أبرز علماء المغرب ومولاي مصطفى العلوي مدير دار الحديث الحسنية ..

واتجهت الأنظار إلى زاوية قريبة في موقع متميز وهناك جلس الأستاذ علال الفاسي الزعيم المغربي الكبير والشيخ عبد السلام الفاسي ، وجلس الشيخ محمد مكي الناصري وزير الأوقاف إلى جانب الجنرال مولاي حفيظ العلوي وزير القصور الملكية في موقع وسط القاعة أمام الملك على اليسار ..

كان الكل يترقب وصول الملك ، ولا تسمع سوى صوت همسات متقطعة ، مجلس مهيب مشبع بالجلال والجمال ، أحسَّ صاحبنا بالحرج ، كان عمره لا يتجاوز الثالثة والثلاثين بينما كان الجميع أكبر منه سنا، وهو الوحيد الذي يرتدي البدلة الأوربية بينما كان الكل في ملابس العلماء التقليدية ، وهذا مما أحرجه إذ اتجهت الأنظار إليه ، وفي الوقت ذاته شعر بالاعتزاز أن يجلس إلى جانب هؤلاء الأعلام من علماء المشرق والمغرب .

أحس صاحبنا بفرحة كبيرة وسكون وطمأنينة ، زالت الرهبة وبقيت المهابة .. إنه مجلس الملوك ، في مجلس العلم ، وشعر صاحبنا آنذاك بمكانة العلم والثقافة, وكان العلماء فخورين بهذا المجلس ،و لم يعتادوا مثلـه فى أي بلد آخر .

الحسن الثاني يكرم العلم أحسن تكريم ويرفع من شأن العلماء ، وهناك تشعر بعظمة مكانة الثقافة الإسلامية ، وبعظمة الاعتزاز بتراث الإسلام وبالقيم الإسلامية . ولم تكن هذه المجالس مألوفة فيما شهده عصرنا ..

وفجأة انطلقت أصوات الحرس المخزني بعبارة ” اللـه يطول بعمر سيدي ” معلنة وصول الملك ، وتتالت النداءات المعتادة مقتربة إلى أن دخل الملك محاطاً بالمهابة والاحترام ، ألقى التحية ، وجلس في مجلسه المعتاد في صدر القاعة ، ونظر عن يمينه ويساره ثم صوب نظره إلى المتحدث وأعطاه إشارة الإذن ببدء الدرس ..

هاهو الحسن الثاني بملامحه وهيبته ونظراته المهيبة ، ونظر في المجلس وكأنه يبحث عن شيءما, و خلال لحظات قليلة أحاط بكل شيء في مجلسه ، لا أحد يصدق أن هذا هو الرجل الذي واجه أقسى التحديات والمؤامرات، واستطاع أن يحقق النصر في كل مواجهاته مع خصومه، وأخذ ينصت بهدوء عجيب إلى المتحدث وكأنه لا يشغلـه شيء إلا العلم والثقافة ..

مازالت الآثار النفسية لأحداث الصخيرات والاعتداء على الطائرة الملكية تخيم على كل المجالس الملكية، ولكن الملك لا يظهر عليه أي شيء .. وكأنه لا شيء يشغلـه عن العلم إلا العلم ، ولا تجد في مجالس الملك أي مظاهر أمنية مقلقة ، إنك تشعر بالأمان والسكون..

وتتالت الدروس ، الأول والثاني والثالث ، وفي اليوم الرابع حضر الملك لمجلس الدروس ، كانت ملامحه قلقة وأخذ الكلمة ، وأبلغ الجميع أن حرباً نشبت بين العرب وإسرائيل ، وأن الجيش المصري في طريقه إلى عبور قناة السويس وتحرير الضفة الشرقية من القناة ، وأن الجيش السوري قد اخترق الخطوط الدفاعية للجيش الإسرائيلي وحرر جزءاً كبيراً من هضبة الجولان ، وأن الجيش المغربي يخوض على الجبهتين المصرية والسورية الحرب ضد إسرائيل ، وطلب من الحضور أن يرددوا معه ” يا قوي يا عزيز ” وانطلقت هذه الصيحة الإيمانية في المدن والأحياء والبيوت في كل أنحاءالمغرب ، فقد كان الشعب المغربي يتابع الدروس على الهواء مباشرة بواسطة الإذاعة والتلفزة ، وألقى الشيخ عبد الرحمن الدكالي درس تلك الأمسية عن الجهاد في سبيل اللـه .. وتوقفت الدروس ..

وعاد صاحبنا إلى الفندق وقد شغلته الحرب ، وتمنى أن يعود إلى الشرق لكي يتابع أخبارها ، كانت المؤشرات الأولى مشجعة ومفرحة ، ولابد من محو الذكريات الحزينة لحرب عام 1967 ، ولابد من تحقيق النصر ، ولم يكن جيلنا يحتمل هزيمة جديدة ، فإما النصر أو الانهيار ولا خيار ..

كان يريد أن يشارك بلسانه وقلمه في هذه الحرب ، وتمنى أن يأخذ أول طائرة إلى الشرق ، كانت العودة محفوفة بالمخاطر ، والأجواء ليست هادئة ..

أحس صاحبنا بسعادة وتفاؤل ، وكان سعيداً بهذه الزيارة إلى المغرب ، لقد أعجب بشخصية الملك ، وتأثر بكلمات الترحيب التي سمعها منه في اليوم الأول عندما تقدم للسلام عليه بعد انتهاء الدرس الأول ، أحاطه بعناية خاصة ،وخصه بتكريم متميز ، أزالت عن نفسه تلك الرهبة .. عندما يرحب بك الملك تشعر بأنه قريب منك .. يشدك إليه بقوة ، وتعجب بقدرته الفائقة على انتقاء العبارات التي تقرّبك منه ، يسألك عن إقامتك وأحوالك ويخصك بتشجيع يضاعف من ثقتك بنفسك ، حتى أنك تشعر بقربه منك ، وفي لحظة اللقاء هذه ترى الملك قريباً منك وصديقاً لك ..

كان متهيباً من الحديث في مجلس الملك ، وبعد ذلك اللقاء أصبح متشوقاً لذلك ، ومضت تلك الليلة وأخبار الحرب ترد متقطعة مبشرة ، كان يريد أن يتأكد من صحة الأنباء عن الانتصارات ، وأخذت محطات الإذاعة الأجنبية تؤكد الأخبار المفرحة ، وتوالت الأنباء عن هزيمة الجيش الإسرائيلي وتراجع قواته ، وارتفعت صيحة اللـه أكبر في جبهة القتال ..

في صباح اليوم التالي اتصل به وزير القصور الملكية الجنرال مولاي حفيظ العلوي وأبلغه أن جلالة الملك يريد أن يسمع درسه غداً ، وهو الدرس الأخير .. فوجئ بهذا النبأ ، وتهيب الموقف وانتابه شعور غريب ، بالفرحة حيناً وبالقلق حيناً آخر .. وتساءل لماذا خصه الملك بذلك ، وهناك كبار علماء الإسلام ينتظرون أمر الملك لإلقاء درسهم .

واختار لدرسه موضوع ” معالم الفكر الاقتصادي في الإسلام ” وفي الموعد المحدد ذهب إلى القصر الملكي ، وجلس في المكان المعد للمتحدث ، في وسط الصف الأول المواجه لمجلس الملك ، وأحس في البداية بقدر من الهيبة ، كانت الأنظار متجهة إليه ، متسائلة عنه ، من يكون المتكلم اليوم ..

كان الشيخ محمد مكي الناصري وزير الأوقاف من أكثر الموجودين قلقاً، فهو الذي رشحه للدرس وحدث الملك عنه، وكان يسعده أن يكون الملك سعيداً وراضياً، وجلس الشيخ عبد الرحمن الدكالي إلى جانبه يحدثه عن تقاليد الدروس الحسنية، ويذكره بأن من تقاليد هذه الدروس الدعاء للملك ولولي عهده..

ورأى من بعيد أستاذه محمد المبارك عميد كلية الشريعة بدمشق عندما كان صاحبنا طالباً في السنة الأولى ، وكان يشجعه بإشارة من يديه ..

وفجأة ارتفع صوت الحرس المخزني بالدعاء للملك ، ودخل الملك وألقى السلام ، وجلس في المكان المعد لـه في صدر القاعة ، ونظر في الملف المعد لـه ، وقرأ عنوان المحاضرة وأشار بيده إشارة الإذن بالكلام .. وأخذ السارد يسرد ما اعتاد أن يقولـه من مقدمات الدرس ، ولما انتهى أشار اليه المك بيده ان يتكلم , بدأ صاحبنا بالكلام ، وتكلم عن الاقتصاد الإسلامي شارحاً معالمه موضحاً مبادئه منطلقاً من فكرة الحق التي تعتبر الأساس في شرعية الملكية والأموال والسلوكية الاقتصادية ، وأوضح الخصائص العامة للملكيات والأموال وحقوق المجتمع في الأموال والطبيعة الاجتماعية للملكيات والدور الاجتماعي للمال، والقيود المفروضة على الحقوق والملكيات الفردية..

ودعا في نهاية الدرس إلى أهمية تجديد الفكر الإسلامي والنهوض به عن طريق تشجيع الاجتهاد والحث عليه ، وحث على مراعاة روح النصوص واحترام المصالح الاجتماعية التي جاءت الشريعة باعتبارها ورعايتها ، كما دعا إلى إنشاء مَجْمَع فقهي على مستوى العالم الإسلامي لدراسة المشكلات المعاصرة ووضع الحلول الإسلامية الممكنة لها ، وأكد أن مسيرة الفقه الإسلامي مستمرة ولا يمكن إيقافها ، وأن النص يحتاج إلى فهم غاياته واستنباط أحكامه ، ولا حدود للفهم ، وتجب الثقة بالعقل المؤهل للاستنباط ، المتفتح على القضايا المستجدة ، ودعا إلى ضرورة التغلب على الجمود الفكري والتعصب الضيق عن طريق الحوار العلمي بين المدارس والمذاهب ..

كان الملك ينصت باهتمام ، ويتابع كل كلمة وفكرة ، وكان صاحبنا يخاطب الملك وكأن الحديث لـه ،وبمنهجية علمية مركزة .

ولما انتهى الدرس تقدم صاحبنا للسلام على الملك ، وفوجئ باحتضان الملك لـه بطريقة عفوية ، وأخذ يثني على الدرس ويناقشه في أهم أفكاره ، وطلب منه الملك ألا يسافر لأنه يريد أن يجتمع به ، لمناقشة أهم الخطوات التي تؤدي إلى النهوض بالفكر الإسلامي ..

كان الملك صادقاً في لهجته غيوراً على الفكر الإسلامي مستعداً لكل خطوة تخدم هذا الفكر وتنهض به ..

لقي الدرس تقديراً كبيراً من كل الأوساط في المغرب ، فالتيار الإسلامي اعتبره مكسباً لـه ، لأنه قدم الفكر الإسلامي بطريقة علمية سليمة ، والخط اليساري اعتبره فكراً إسلامياً منفتحاً بعيداً عن الأسلوب التقليدي الذي كان سائداً في المغرب ..

منذ ذلك اليوم بدأت مرحلة جديدة في علاقة صاحبنا بالمغرب ، على المستوى الرسمي والشعبي ، وأصبح معروفاً للجميع ، وتلاحقت الدعوات لإلقائه محاضرات في معظم المدن المغربية ، وأصبح جمهوره واسعاً .

شعر صاحبنا بحب المغاربة لـه ، والمغاربة أوفياء إذا أحبوا فلا حدود لعواطفهم ، والإسلام عميق في كيانهم ، ويحبون الضيف ويكرمونه ، وأحس صاحبنا بصدق هذه العواطف ، وأحب المغرب والمغاربة ، وأصبح هذا الحب المتبادل واضحاً في المواقف والسلوك ..

عاد صاحبنا إلى الكويت ، وبقيت ذكريات المغرب في أعماق قلبه ، وكان الملك قد طلب منه أن يعد لـه مشروعاً متكاملاً لفكرة المجمع الفقهي الإسلامي ، وأعد هذا المشروع ، وأعلن الحاج محمد باحنيني وزير الدولة للشؤون الثقافية عن قرار الملك بإنشاء هذا المجمع ، ومضى عام ، وقبيل شهر رمضان من عام 1974 تلقى صاحبنا دعوة للمشاركة في الدروس الحسنية للمرة الثانية، ولم يتردد هذه المرة ، فدعوة المغرب مرحب بها ، ووصل المغرب ولقي الترحيب المعتاد من كل المسؤولين المغاربة ، وفي المغرب إذا رحب بك الملك فالكل يرحب بك ، وكان الشيخ محمد مكي الناصري قد غادر الوزارة وحل مكانه السيد الداي ولد بابا ، وكان وزيراً للتربية الوطنية ، ومديراً سابقاً للديوان الملكي ، وكان من الرجال النبلاء ومن رموز الفضل المحبين للعلم والعلماء ، وهو من أصل موريتاني ومن رموز الدعوة للوحدة مع المغرب ، وكان الملك يحبه ويقدره .

واختار صاحبنا لدرسه موضوع ” معالم الفكر السياسي في الإسلام ” وكان قد فرغ من تأليف كتابه نظام الحكم في الإسلام الذي طبعته جامعة الكويت ..

ولما تقدم للسلام على الملك رحب به أجمل ترحيب وخصه بالرعاية والتكريم ، وتكلم صاحبنا عن الفكر السياسي في الإسلام وفكرة البيعة والعلاقة التي تربط الحاكم بالرعية ، ومما يذكره صاحبنا ويشهد به أن صدر الملك كان رحباً بكل ما يسمع ، ولا حدود لحرية المتحدث ، ولا قيود عليه ، مادام ذلك يدخل في إطار الموضوعية العلمية ، وفي إطار الالتزام بحسن النية وسلامة القصد والالتزام بأدب الحديث .. وفي نهاية الدرس شكر صاحبنا الملك لتفضلـه بالموافقة على إنشاء المجمع الفقهي في المغرب ، وشرح فكرة المجمع وعملـه والخطوات الضرورية لإعداده والغاية المرجوة منه .

جدد الملك ترحيبه ، وأكد استعداده لإنشاء المجمع في المغرب ، وشكل لجنة وزارية من ثلاث وزراء برئاسة الحاج محمد باحنيني قيدوم الوزراء والوزير القوى في المغرب، وحضر صاحبنا اجتماع هذه اللجنة وشرح لها فكرة المجمع ..

تعمقت صلة صاحبنا بالمغرب ، وأصبحت تربطه صداقة شخصية بمعظم المسؤولين المغاربة والعلماء ,ومن أبرزهم الحاج محمد باحنيني والسيد الداي ولد بابا والسيد أحمد بنسوده مدير الديوان الملكي وعبد الرحمن الدوكالي شاعر القصر وعبد الوهاب بنمنصور مؤرخ المملكة وعبد اللـه بن كنون ومحمد عواد الوزير المكلف بولي العهد ، وعباس القيسي وزير العدل ، والعربي الخطابي وزير الشؤون الاجتماعية ومحمد الركراكي من الحاشية الملكية ومولاي حفيظ العلوي وزير القصور الملكية ومحمد الفاسي الوزير السابق .

وقد افتقد صاحبنا في هذه الزيارة الأستاذ علال الفاسي السياسي البارع والوطني الغيور والعالم المتمكن الذي قاد الحركة الوطنية في أشد الأيام صعوبة ، وقاد حزب الاستقلال ، لقد سعد في الزيارة الأولى عام 1973 بمعرفته ودعاه إلى حفل إفطار في داره في طريق زعير وهي الدار التي أصبحت بعد وفاته المفاجئة مقراً للأكاديمية المغربية ثم مقراً لمؤسسة علال الفاسي الثقافية ، وتلقى منه صاحبنا رسالة شخصية قبل وفاته مازال يحتفظ بها ، ويعتز بمضمونها من عبارات التقدير ، وسيظل علال الفاسي من أبرز شخصيات المغرب في العصر الحديث ، بل هو أبرز قادة الاستقلال في العالم العربي في هذا القرن ، لقد جمع من المواهب والمزايا مالم يجتمع في غيره ، إنه عملاق في مواقفه ، وسيظل المغرب يذكره ويشيد به، والمغرب مدين لـه ، وهو الرجل الذي يستحق أن تكرمه كل الأجيال لجهاده ودوره فى تحقيق الاستقلال ، ويكفيه فخراً أنه هو الذي أعلن من إذاعة القاهرة يوم نفي الملك محمد الخامس ، أن محمد الخامس هو الملك الشرعي ، ولن يقبل المغرب غيره ملكا..

عاد صاحبنا إلى الكويت بعد انتهاء زيارته الثانية عام 1974 ، وفي الكويت نشرت جريدة الرأي العام الكويتية الواسعة الانتشار لقاءاً صحفياً معه بعنوان عريض ” مجالس الخلفاء تظهر في المغرب ، ولأول مرة تنشر في صحافة المشرق العربى صورة واضحة لمجلس الدروس الحسنية ويظهر فيها صاحبنا وهو يلقي درسه ، وصور أخرى تصف هذه الدروس ، وتتحدث عن تاريخها وأهميتها وما تمثلـه بالنسبة لتاريخ المغرب وعظمة تقاليده ، كما تتحدث عن المجمع الفقهي الذي أعلن الملك عن إنشائه في المغرب ، ونقلت وسائل الإعلام المغربية باهتمام كبير هذا اللقاء الصحفي الذي أعطى صورة مشرقة عن تقاليد ملوك المغرب العريقة واعتزازهم بثقافة الإسلام ..

وجاء رمضان الثالث في عام 1975 ، وأخذ صاحبنا مقعده المعتاد في مجلس الحسن الثاني فخوراً بما أصبح يحظى به من تقدير ، واختار لدرسه موضوع ” مفهوم الربا في ظل التطورات الاقتصادية والاجتماعية المعاصرة ” الذي نشر فيما بعد في كتاب طبع في المغرب ، وفي اليوم المحدد لإلقاء الدرس أرسل لـه الملك هدية ثمينة هي أعز هدية وأجمل تعبير عن رعاية الملك لـه ، وهي جلباب مغربي أصيل ، من الجلابيب التي يرتديها الملك ، مصنوع من الصوف ، ومعه طربوش مغربي أبيض ، لبس صاحبنا الجلباب ووضع الطربوش الأبيض بطريقة مغايرة للمعتاد وأصبح مفتوحاً من أعلاه كالطربوش الأحمر ، وذهب إلى مجلس الملك لإلقاء درسه ، وابتسم لـه الملك لما رآه فى لباسه المغربي ، وألقى درسه بعنوان ” مفهوم الربافى ظل التطورات الاقتصادية  المعاصرة ، واعتبر أن كل زيادة ظالمة في البيوع والقروض والعقود بشكل عام تدخل ضمن الربا ، وكلمة الربا تفيد معنى الزيادة في العقود المرتبطة بظلم ، ولابد في العقود لكي تكون صحيحة وملزمة من أن تتوفر الإرادة الحقيقية لدى كل من العاقدين ، فإذا تم العقد بين إرادتين غير متكافئتين في القوة ، فلابد للطرف القوي من أن يفرض إرادته على الطرف الضعيف ، ويحتاج الطرف الضعيف لحماية الشريعة لـه بتحريم العقد وبطلانه ، لكيلا يترتب على ذلك العقد الالتزام بشروط مجحفة وظالمة ، وتحدث عن الأجور واعتبر الكفاية التي توفر الكرامة هي الحد الأدنى للأجر العادل ..

كان الملك أثناء الدروس هادئاً بطريقة عجيبة ، بالرغم من أن مشكلة الصحراء المغربية كانت تشغل الرأي العام المغربي ، ولم يكن أحد يتوقع ما يفكر به الملك أو ما يعده ، كل شيء في المغرب هادئ ، والمغرب كلـه منهمك في أمسياته بمناقشة ما يجري في الدروس الحسنية من أفكار العلماء في المغرب والمشرق ..

كان من خصائص الملك الحسن الثاني أنه كان يفكر في وقت واحد في عدة قضايا شائكة ، ويعالجها بهدوء عجيب وبقدرة فائقة ، لا ينفعل ولا يظهر عليه الارتباك ، ويختار الوقت الملائم لحركته ، ويفاجئ الطرف الآخر بما لا يتوقع ، ويكسب الرهان بعد أن يربك خصومه .. كان المغرب كلـه يتساءل عن قضية الصحراء ، ولا شيء يفصح عن الخطوات التي ينوي الملك القيام بها للتغلب على هذه المشكلة التي أريد بها إرباك المغرب وإشغالـه بقضية لا يمكن لـه التفريط بها ، فالصحراء هي جزء من المغرب ، ولا يمكن لملك المغرب المؤتمن على السيادة المغربية أن يفرط في هذه القضية ، وبالرغم من كل الصمت والهدوء فقد كان الشعب المغربي واثقاً في أعماقه في قدرة الملك على تحقيق النصر في هذه القضية ، قال الملك : الصحراء مغربية ولن نفرط بها .. واطمأن المغاربة لكلام الملك ..

عاد صاحبنا إلى الكويت .. وفي أعماقه صوت يناديه ، الصحراء مغربية ، وبعد شهر انطلقت صرخة الحسن الثاني ، مسيرة خضراء إلى صحرائنا في الجنوب .. اهتز المغرب طرباً وانطلقت قوافل السلام تحمل القرآن الكريم ، ولا شيء آخر .. مسيرة قوامها ثلاثمائة وخمسون ألف من الرجال والنساء ، من أنحاء المغرب .. إنه قرار تاريخي في مسيرة المغرب الحديث .. إنه رهان حقيقي .. كان الحسن الثاني يراهن بعرشه وبتاريخه وبشعبه .. لا خيار لـه إلا أن يدخل في هذا الرهان .. وإلا ضاعت الصحراء إلى الأبد ..

قرار شجاع ومفاجئ أربك الخصوم ، وحرك إرادة التحدي لدى الشعب المغربي .. في لحظة ما انصهر المغرب في وحدة وطنية ، لا حزبيات ولا منافسات ، الملك يقود شعبه في معركة وطنية .. كان الحماس مذهلاً ومفاجئاً وعارماً .. والتحديات تصنع الشعوب وتوحدها في المعارك الوطنية ..

وفي الكويت هزت الدعوة إلى مسيرة خضراء قلب صاحبنا وألهبت عواطفه ، وفي لحظة ما قرر أن يسافر إلى المغرب لكي يشارك في هذه المسيرة .. ولكن ماذا يفيد المغرب في مشاركته والمغرب مشغول بالإعداد للمسيرة .. وقرر أن يشارك أصدقاءه في المغرب بلسانه وقلمه ، قام بزيارة لصديقه أحمد بلمليح سفير المغرب في الكويت وطلب منه أن يزوده بكل الوثائق التاريخية والقرارات الدولية وقرار محكمة العدل الدولية ، وانكب على دراسة هذه الوثائق ، وكتب أول مقالة علمية موثقة عن الصحراء المغربية في العدد ………. بتاريخ …………………. من جريدة الرأي العام الكويتية ، ثم أعقب ذلك بندوة في جامعة الكويت ، وندوات إذاعية وندوة في التلفزيون الكويتي عن مغربية الصحراء .. أصبحت كتاباته مرجعاً لمن يريد أن يكتب عن قضية الصحراء ، احتجت سفارة الجزائر وأصدرت بياناً تهاجم موقفه وتحرض الجامعة  عليه ..

كتب سفير المغرب كتاباً إلى عاصمة بلده يشيد بالدور الذي قام صاحبنا للدفاع عن مغربية الصحراء ، وأخذت وسائل الإعلام في المغرب تنقل ما يكتب في الصحافة الكويتية من دعوة العالم العربي لتأييد المسيرة ، والدفاع عن الوحدة الترابية للمغرب ، ولقيت هذه الكتابات صداها الواسع في المغرب ..

كان صاحبنا يدافع عن قضية وطنية مرتبطة بوحدة هذه الأمة ووحدة مصيرها ، وهو ضد أي دعوة للانفصال في أي بلد ، ولن يقبل أي حركة انفصالية فى أي بلد عربي، ومازال حتى اليوم يدافع عن وحدة هذه الأمة ، ولو ظهرت حركة انفصالية في أي بلد عربي لوقف في وجه هذه الحركة ، ولعل سبب ذلك أنه عاش في شبابه الأول في سوريا ، وكانت الوحدة شعاراً مقدساً ، ومازال يؤمن أن الوحدة هي الخيار الوحيد لنهضة هذه الأمة ، وأن رهان الغرب هو على التفرقة وإثارة مشاعر الشك والارتياب بين الدول العربية ..

هذا هو الموقف المبدئي ، والقضية قومية وتهم الأمة العربية قاطبة ، ولا يجوز الوقوف مع أي حركة انفصالية مهما كانت الظروف ، وفي إطار الوحدة يمكن تحقيق المطالب المشروعة للأقليات والطوائف لحماية ذاتهم والدفاع عن هويتهم ، والمغرب على حق في دفاعه عن وحدته الترابية وهو أقدر على حماية الصحراء من دولة صغيرة مستضعفة , ولايمكن لمبدأ تقرير المصير الذى اقرته الامم المتحدة ان يطبق فى اطار الدولة الواحدة التى تملك  كل مقومات الوحدة ..

ويتساءل صاحبنا عن سر الحماس الذي طوق مشاعره وأثار عواطفه ، لو كانت القضية غير مغربية لما شعر بذلك الحماس ،.. لعل ذكريات المغرب الجميلة في نفسه ،ربما تذكر أصدقائه في المغرب .. الدروس الحسنية .. الأمسيات الجميلة في شهر رمضان .. لعل ذلك الشعور الديني المفعم بالصدق من خلال الدعوة إلى حمل القرآن الكريم كشعار للمسيرة .. إنه شعار مثير للعواطف ، كل ذلك أشعل في كيانه ذلك الشعور بالتعاطف مع المغرب ، إنه شعور صادق ، كان يتدفق كفيضان يدفعه سيل يتساقط من جبل عال لا يمكن التحكم في مساره ..

عندما يتذكر صاحبنا ذلك الحماس يقف عاجزاً عن تفسيره ، وأغرب منه أنه تلقى في تلك الفترة دعوة من الجزائر لحضور الملتقى الإسلامي الذي اعتادت الجزائر تنظيمه كل عام ، وقَبـِِِِلَ الدعوة ، وبعد انتهاء المؤتمر طلب السيد مولود قاسم وزير الشؤون الإسلاميةمنه تمديد إقامته فى الجزائر ، وأعد لـه برنامجاً لإلقاء عدة محاضرات في المدن الجزائرية ، والتقى خلال هذه الفترة بشخصيات جزائرية مهمة من الحزب الحاكم ، وحاولوا إقناعه بموقف الجزائر من قضية الصحراء والدعوة إلى إجراء استفتاء شعبي لتحديد مستقبل تلك المنطقة ، وعارض هذا الموقف وأكد تأييده المطلق لمغربية الصحراء, وما زال حتى اليوم يؤمن بحق المغرب فى تحقيق وحدته الترابية..

ومضت الأيام .. وأقبل رمضان سريعاً ، وجاءت دعوة جديدة لزيارة المغرب .. وهي الدعوة الرابعة ، وجاءت دعوة هذا العام أكثر إلحاحاً ، وجاءت عن طريق الديوان الملكي وبأمر من جلالة الملك .. ووصل إلى الرباط ، وفي المساء اتصل به الأستاذ عبد الرحمن الدكالي أحد رجال الحاشية الملكية المقرّبين وأبلغه أنه قادم لزيارته في الفندق ، ولما وصل أبلغه أنه قادم إليه للترحيب به أولاً وليبلغه رسالة من جلالة الملك ثانياً ، وأبلغه أن جلالته ” يعرض عليك أن تكون مديراً لدار الحديث الحسنية التي أنشأها ويرعاها ويحرص على أن تكون منارة عهده ، ومفخرة منجزاته العلمية لخدمة الفكر الإسلامي ، وقد استقر رأي جلالته على اختيارك لهذه المهمة لما لمسه في شخصك من كفاءة عالية وفي فكرك من فهم عميق للإسلام ..

فوجئ صاحبنا بما سمعه ، واعتبر ذلك الترشيح تعبيراً عن التكريم واستمراراً لما عهده من جلالته من رعاية ، وغلب على ظنه أن الأمر لا يعدو أن يكون كلمة يراد بها التشجيع والتكريم، ورغبة عابرة سرعان ما يخبو أثرها .

وأجاب صاحبنا بما يقتضيه المقام من الشكر لجلالته والاعتزاز بهذه الثقة ، وطلب من الأستاذ الدكالي أن يرفع إلى جلالته هذه المشاعر المعبرة عن الفرحة بهذه الثقة الغالية ، أما قبول هذا الترشيح فهو أمر صعب للغاية لأسباب عدة ، أهمها صعوبة الانتقال من الكويت إلى المغرب وبخاصة بالنسبة للأسرة ومدارس الاطفال ، بالإضافة إلى ما يقتضيه الوفاء لذلك البلد الذي وفر لـه أسباب الاستقرار وليس من اللائق من الناحية الأخلاقية أن يغادره بعد ان استقر فيه لمدة سبع سنوات..

( الزيارات : 1٬420 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *