كن صالحا والله يتولاك

   ذاكرة الايام… كن صالحا والله يتولاك

 بعض الكلمات فى ذاكرتنا لاتنسى , وتظل حية ويزداد بريقها , ونستحضرها فى كل مناسبة ونتعلم منها مانحتاج اليه , هناك الكثير مما فى الذاكرة , كلمات سمعتها او مواقف عشتها , اهم كلمة سمعتها فى طفولتى الاولى  من السيد النبهان طيب الله ثراه ومازلت اتاملها فى كل مناسبة , عندما كنت احدثه عن امالى واحلامى , توقعت انه سيسعد بما سمعه منى فى تلك الليلة , كنت فى الخامسة عشرة من عمرى , كنت احدثه عن المستقبل الذى كنت اعد نفسي له , كنت احلم به ان يكون جميلا , فوجئت به ينظر الي على غير ما اعتدت منه , كان معلما وناصحا وموقظا , قال لى ياولدى :  لست انت من تعد مستقبلك , كل جهدك وعقلك لن يفيدك شيئا ولن يفتح لك طريقا كان مغلقا , كن تقيا والله يتولاك , وسوف يختار لك ما يرضيك , خجلت من نفسي واطرقت وشعرت كاننى ارتكبت اثما , كان السيد بالنسبة لى لم يكن جدا فقط كان مربيا ومعلما ومرشدا , كانت علاقتى به خاصة , كان يفهمنى وافهمه ويحبنى واحبه , كنت الاقرب اليه والاحب  , كان يشعرنى بالحب والرعاية , كان يهتم بي فى كل امر من امورى , كنت اشعر اننى كبير فى مجلسه , كنت الى جانبه فى كل مناسبة وكنت اصلى معه الاوقات الخمسة واقف الى جانبه , وكان يوقظنى لكي اصلى معه صلاة التهجد قبل الفجر , لم اغضبه قط ولم اخالفه فى امر , كان يخشى على ولا يحب  ان ابتعد عنه , احيانا كنت اضيق بذلك , واريد ان العب مع الاطفال امثالى, قالى لى يوما اننى احاسبك بميزان الذهب لا بميزان النحاس , كل حركة كانت محسوبة , كنت ارافقه فى زياراته واحضر كل مجالسه , من العاشرة الى العشرين من العمر كنت مع السيد النبهان , كنت اشعر بمحبته ويعرف اننى احبه , عندما سافرت لاول مرة كان حزينا , تمنيت ان اعو د اليه , عندماكنت اعو داليه كنت اشعر بسعادته ومحبته , كنت اشعر انه معي , فى كل اسفارى وكل اصدقائي  الذين صادفتهم  , كان مختلفا عن كل من التقيت به من الكبار , ماتعلمته منه كان مختلفا , كنت استعيد كلماته فى كل موقف , كانت توقظنى وترشدنى , ماتعلمته منه كان هو الاهم فى حياتى فهما وادبا , مازالت تلك الكلمة التى سمعتها منه حية متجددة الدلالة , فهمتها فيما بعد , احيانا كنت اجد نفسي محمولا , كنت اشعر بالرعاية والتوفيق , لا شيء خارج الاسباب ولا شيء من الاسباب كان خارج الرعاية , ليس كل مانزرعه يمكنه ان يخرج زهورا , وليس كل ما نقوله من الكلمات تنشرح له القلوب وتكون  نورا , الزهور فى الحدائق ليست واحدة وتتفاوت قيمة وجمالا , يمكنك ان تختار اجمل الكلمات فصاحة واكثر العبارات بلاغة ولكن اثارها فى قلوب السامعين لها ليست واحدة , القلوب تتحرك بامر الله تنشرح وتنقبض , وترى فى لحظة الانشراح من الجمال ماليس جميلا , وترى من القبح فى لحظة الانقباض ماليس قبيحا , ما اشد جهل الانسان بربه وهو يتعلق بالاسباب الظاهرة ويغفل عن سر التدبير الالهي,مازالت تلك الكلمة فى كيانى , كنت افهم بها الكثير مما نحتاج اليه من المعانى الايمانية , ما قعدت يوما عن الاسباب , ولكننى ما اعتمدت قط على الاسباب فى تحقيق النهايات , لم اكن قط من اهل السذاجة الذين استغنوا عن العقول وعطلوا الاسباب , ارادة الله غالبة , والله هو خالق الاسباب لكي تتحقق بها الاقدار , المعرفة الذوقية خاصة وذاتية ولا تتجاوز صاحبها ولايحتج بها في مغالبة الاسباب , من ارادها قانونا فقد عطل الحكمة من الاسباب ..

كل المعانى الايمانية كنت اجد فى السيد النبهان ما يغذيها فى قلبي , واعترف ان تلك التربية الاولى هي التى عمقت تلك المعانى فى نفسي , كنت اجد فى تربية الطفولة ما يمدنى باسباب الفهم لحقيقتها , كنت احتاج لذلك واحن اليه , وعندما كانت تلك المعانى تتراجع ويخفت نورها فى كيانى كنت اعود الى تلك الطفولة لاوقظ تلك المعانى من خلال ماكانت تختزنه الذاكرة من المواقف والذكريات , لقد ترك السيد النبهان  الكثير مما كنت احتاجه من المعانى الروحية التى تشدنى الى الله تعالى وتعرفنى به وتشعرني برعايته التى لم تفارقنى فى اية لحظة فى حياتى , وفى لحظات الظلام كنت اشعر بذلك النور فى كيانى , كنت اشعر ان الله تعالى ليس كما تصوره كتب التوحيد وليس كما تحدث عنه علماء الكلام , ماكنت اراه فى كتب التراث لم يحرك شيئا فى ذاتيتى , ذلك السكون فى قلبى كان من اثار تلك الطقولة وتلك المجالس النبهانية التى كانت مختلفة عن كل ماعرفته من بعد من مجالس العلم ومصاحبة العلماء , اهم ماتعلمته ان الله تعالى هو الاقرب الينا والارحم بنا , وانه رب العالمين ورب المستضعفين والمذنبين , ولا احد اقرب الى الله الا بعمله وطهارة قلبه , من كان فى قلبه ذرة من الحقد والكراهية والشر فلا يمكن ان يكون قريبا من الله ولو اكثر من العبادة, كانت كلمات السيد النبهان حية فى كيانى , وكنت استمد منها القوة والفهم والصفاء الروحي الذى كنت احتاج اليه , لم تكن تعنيه كل المظاهر الخارجية ولم تثير اهتمامه , كان قلبه يتسع لكل الخاطئين والمذنبين , مارأيته يوما يهتم بما عليه اي احد من اخوانه فى حياته الخاصة ا وفى اعماله الدنيوية , تعلمت منه ان اكون اقرب الى الله فى حياتى الخاصة , ورأيت فيما بعد ان كل ما اشتغلنا به من العلم لا يقربنا الى الله خطوة واحدة , رايت اكبر المشتغلين بالعلم من الاعلام الكبار وائمة العلم وهم غافلون عن الله وبعيدون عنه , كنت ابحث عن ذلك الصفاء الروحي فى ذاتى , وكنت بفضل تلك الطفولة اقل انفعالا بتلك المظاهر المعتادة فى المناسبات الدينية  , لم يشغلنى اهتمامى بالعلم والكتابة والتاليف عن شعورى بالحاجة الى تلك القيم  الروحية التى كنت اشتاق اليها فى كل موقف وعند كل منعطف ,  و مااكثر تلك المنعطفات فى حياتى  وانا اتنقل بين مختلف الموانئ ابحث عن ذلك الضوء الايمانى , لم اجد فى العلم الذى تعلمته تلك القيم الروحية فى المفاهيم الايمانية ,  ذلك النور الداخلى كان يحتاج الى وقود متجدد لا ينضب زيته  , كان العلم الذى تعلمناه بعيدا كليا عن تلك المعانى الروحية , كان ذلك العلم مهنة معاشية كبقية المهن ويخضع هذا العلم ولو كان فى العلوم الاسلامية  لما تخضع له كل العلوم الاخرى من اهتمامات مادية لا اثر لها فى السلوك والقناعات , مااقسى الفراغ الروحي عندما يكون العلم مهنة , وكل من اتخذ لنفسه مهنة تفرغ لها واهتم بقضاياها وكانت الشغل الذى ياخذ  منه كل وقته ويعتبره الاكثر اهمية فى حياته , كنت ابحث عن الثمرة المرجوة , احيانا كنت اضيق بما انشغلت به من العلم والكتابة , وكنت اخاطب نفسى هامسا:

 وما ذا بعد ..

كنت اريد ماهو افضل , كنت ابحث عن ذلك النور فى داخلى ..    

( الزيارات : 150 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *