أيها القلب

أيها القلب

captured

أنت الداخل وتمثل الحقيقة الإنسانية ، فإن صلح داخل الإنسان صلح فكره واستقام سلوكه ، والفكر هو وليد هذا الداخل، فإن كان فاسداً فما ينتجه سيكون فاسداً ورائحة الفساد الداخلي تظهر من فساد الأفكار والسلوكيات , فالحقد الموجود في القلب يولد الخواطر الأولى لما يعبر عن ذلك الحقد، وتسيطر تلك الخواطر على العقل ، وقد تجنده لخدمة تلك الأفكار فيكون العقل أداةً للتعبير عن الحقد ، ولا يستطيع العقل أن يسيطر على الخواطر وإنما يستجيب لها وينقاد لما تريد ، فالحقد يولد خواطر العنف والقتل، والعقل يقبل هذا ويستسلم له، وينفذ جريمة القتل، ولا يمكن للعقل أن يتخلص من سيطرة الغرائز عليه , والقوة الغضبية حاكمة على الإنسان ومسيطرة على العقل، ولذلك تحب السيطرة على تلك القوة الغريزية نتيجة قدرات العقل أولاً وبمجاهدة الغرائز الفطرية ثانياً، وتأثر التربية الروحية في تعديل الغرائز ومقاومة استعداداتها السيئة ثالثاً، والقلب هو بيت الإنسان وهو موطن الخير فيه، فإذا فسد القلب أفسد كل ما ينتجه من أفكار، والأفكار هي مصدر السلوك، ويفسد القلب مما يدخل إليه من أشياء ملوثة من خارجه، كالظلم والفقر والقهر واليتم والمرض والقسوة والاحتقار والشعور بالنقص، وهذه العوامل تتفاعل في الداخل وتفسد ذلك الداخل، فينتج الأفكار المريضة كالرغبة في الانتقام والعنف والرغبة في إيذاء الآخرين للدفاع عن النفس، وعندما يفكر الإنسان في الانتقام يرتاح لأنه يخرج ما فيه ويكون الداخل كالبركان ، ولا بدّ من الانفجار من خلال سلوك عدواني ضدّ ذلك الآخر الذي ظلمه وقسا عليه، ويكون العقل أسير تلك الخواطر المرضية ويستسلم لها ويرى الأمور من خلال نافذة ضيقة تطل على الجانب المظلم. والقلب الذي ينتج الفكر العدواني هو قلب مريض لوجود خلل وفساد فيه، فلا يكون قادراً على إنتاج الأفكار الصالحة، والعقل هو جزء من ذلك الداخل, والقلب هو سيد ذلك الداخل وهو المعبر عنه ، وليس القلب هو ذلك القلب الذي ينبض بالحياة، وإنما القلب بمفهومه الأوسع هو كل الإنسان، وكل ما في داخله من استعدادات ، والقلب الصحيح يجسد الفطرة السليمة النقية الصافية المهيأة لصدور أفعال الخير عنها، ولا يمكن للفطرة النقية أن تنتج أفكار العدوان وسلوكيات العنف، ويتأثر القلب بما يجري حوله، فكل ظلمٍ ينعكس أثره على القلب إلى أن يمتلئ القلب بالصور السوداء ، وعندئذ ينتج القلب الخواطر السوداء لتفريغ الاحتقان الداخلي، ولولا تلك الخواطر لانفجر الداخل بسبب الاحتقان فيه، ويكون العنف حتمياً، لإراحة الداخل، والاحتقان لا يزول بالخوف، ولكن يمكن للخوف أن يمنع من السلوك إلى أن يبلغ الاحتقان مداه الأوسع وعندئذ فلا بدّ من العنف السلوكي، في الأفكار أولاً في السلوكيات ثانياً، ويجب أن تزال أسباب الاحتقان بمعالجة أسبابه، فالشعور بالظلم لا يرفع إلا بزوال الظلم، فإذا زال الظلم استقر الداخل ولا يمكن للداخل المستقر أن ينتج أفعال العدوان، ويعالج المرض بإصلاح الخلل في الحياة الاجتماعية.

( الزيارات : 1٬628 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *