اذا كان التمام كان الكمال.

كلمات  مضيئة ..اذا كان التمام كان الكمال

مال .

 

منذ طفولتى الاولى كنت اشعر بتلك الحيرة التى كانت تنتابنى ومعظمها  كان ظاهرا  فى كثير من افكارى وكتاباتى , وكنت اتامل في كل الافكار التى كنت اسمعها او اقراها واحاول ان افهمها جيدا واتتبع ماكنت اراه امامى من تلك الشخصيات التى كنت التقيها فى حياتى فى رحلتى الطويلة , لا شيء مما كنت اراه كان خارج الاهتمام والتأمل , كنت اشعر اننى مشدود الى منهج معرفى روحي نشات فيه وتاثرت بفكره , وكان شديد التأثير فى شخصيتى , وكانت له جذور عميقة فى شخصيتى وافكارى , وكنت استمده من صحبتى للسيد النبهان طيب الله ثراه , وكان عميق التأمل وصاحب منهج اشراقى فى المعرفة متميز , وهو منهج متكامل ويعتمد على رؤية عميقة لمفهوم المعرفة والوجود , وهذا المنهج  من افضل ما قرات عن المعرفة الاشراقية المستمدة من النور الالهي الذى يتمثل فى محبة الكمال المطلق وهو الله الذى هو خالق الوجود ومبدعه  ومن هناك تكون فكرة الحب الالهي , وان الطريق الى تلك المعرفة هي المجاهدات الروحية التى تهدف الى كبح جماح النفوس والتحكم في الغرائز والاهواء لبلوغ ذلك الكمال , وان ذلك يقود الى محبة الله والتعلق به ,  وهذا يشعرك ان الله هو كل شيء ولا شيء معه , وان الوجود المادى والانسانى هو من الفيض الالهي الذى تجلى فى هذا الوجود المدرك بالحواس الظاهرة , وان كل شيء فى الكوون من الجماد والحيوان والانسان يسجد لله سجودا ابديا لا يتوقف , وان اعلى درجة من درجات الانسانية ان تكون عبدا لله وان درجة العبودية المطلقة هي التوحيد المطلق , وان الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذى يمثل ذلك الكمال الانسانى بما اكرمه الله به من خصال الكمال , كنت اتأمل فى كل ذلك وكنت اجد لذة فيما كنت اتامل فيه , وكنت اجد ذلك فى نفسى , وكان يشعرنى ذلك بسعادة لا اعرف مصدرها وانس اجد اثره فى داخلى , ومن هذا المنطلق كنت افهم معنى المعرفة الاشراقية التى تحدث عنها حكيم الاشراق شهاب الدين السهرودى المقتول بسبب افكاره التى عبر عنها فى  كتابه حكمة الاشراق وتكلم فيه عن المعرفة الاشراقية والفيض الالهي الذى هو الوجود بكل ما فيه من المادة والعقل والروح والنفس , وقد حظيت افكار السهرودى باهتمام العلماء قديما وحديثا , كما حظيت باهتمام عدد من المستشرقين من امثال ماسينيون , وبروكلمان وغيرهم  وقد قتل بسبب افكاره فى عصر الايوبيين , وفى نفس الوقت كنت اشعر فى داخلى ان المنهج العقلى فى التفكير هو ما يجب علينا ان نعتمد عليه  لانه يعصمنا عن الخطأ ويضعنا امام طريق معبدة لا يمكن  لمن سار فيها ان  يضل ولو تعثر او التبست عليه الطرق , لم اكن اجد اي تناقض بين المنهجين , وكنت اجد تكاملا فى الفهم , فما يتعلق بالتكليف فلا بد من العقل ان يؤدى دوره فيه وهو الحجة فيه , ولا ارى تجاوزه , ونحن مخاطبون به  ومهمة العقل ان يمهد لنا طريق الحياة فيما يتعلق بالحقوق الانسانية , وتلك معرفة انسانية لا بد منها , وطريقها العلم الظاهر , وهي منهج اهل العلم  , ومن تجاوز ذلك لم يامن من الزلل , ومن احسن العلم احسن الفهم فى الغالب فيما كان من امر العلم وقضاياه , اما المعرفة الاشراقية فهي منهج لرقي المعرفة بالله وبالانسان , وهي منهج روحي غايته ان يتحقق العبد بعبديته لله , وهذ المنهج يقود الى التقوى ويجعلك اكثر فهما عن الله فيما يريد , ومن علامة  ذلك التقوى والورع والاستقامة والزهد والخلق والاخلاص , اما طريق العلم فغايته حسن الفهم للخطاب  ومعرفة دلالته , والعلم لا سلطان له على الارادة والسلوك , ولا يعنى ان العالم هو افضل من غيره فى التقوى والاستقامة , وهناك كثير من العلماء لم يعرف عنهم العلم ولا التقوى , وبخاصة من ارادوا الدنيا  منهم , العلم معرفة مادية ولا تعنى اي معرفة روحية او رقي اخلاقي , العلم امكانية عقلية ولا شيء اخر , واذا انتفى الاخلاص فيه  كان وبالا على صاحبه ومجتمعه وعلى الدين نفسه , كنت ارى اهمية ذلك التكامل بين العلم الظاهر والتربية الروحية التى ترتقى بصاحبها الى الاكمل , كنت اشعر بقصور العلم عن اداء مهمته فى التكوين الانسانى , المعرفة الالهامية تحتاج الى ضوابط عقلية وشرعية لكيلا تتحكم فيها الوساوس ويكثر فيها الشطط,  وهو كثير , وقد ادعاها ماليس من اهلها فكانت ثمرتها مرة المذاق تعافها النفوس ولا تستلذها , وما اكثر الذين ساروا فى هذا الطريق والتبست عليهم ممراته وانزلقت ارجلهم فيه فضلوا واضلوا , مهمتنا ان نجد ذلك التلاقي بين تلك المناهج , ما يجمعها هو الحق الذى اراده الله وما يفرقها هو تلك الاهواء والعصبيات والمصالح , دعاة الحق يتعارفون ولوتباعدت اجسادهم فالارواح اذا تلاقت تعارفت وتحابت فلا شيء يباعد بينها , والارواح تسرى فى الوجود كما يسرى النور فى الكون فلا يوقفه الا ذلك الحجاب الذى يتمكن ويتحكم وعندئذ يكون الظلام . تعالوا نبحث عن ذلك السر الذى بقود كل من الطرفين الى الاخر , ذلك سر الاهي لا ترى ماهيته وانما تدرك اثاره , وهو الذى يقود البعض الى البعض الاخر ليحقق بذلك التلاقى ذلك  التمام فاذا كان التمام كان الكمال ..

( الزيارات : 149 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *