الرسالة القشيرية فى ذاكرة الطفولة.

ذاكرة الايام.. الرسالة القشيرية فى ذاكرة الطفولة . .

هناك الكثير من الذكريات لا تنسى وتظل عالقة فى الذاكرة لاتمحى وتظل ناطقة معبرة , فى طفولتنا الكثير من الذكريات , مازلت  اذكر ذلك اليوم الذى كنت اقرا فيه رواية ادبية مشوقة وكنت يومها فى الرابعة عشرة من عمرى , وكنت احب ان اقرأ بعض ما اراه امامى من الكتب الادبية الخفيفة التى لاتتضمن فكرا وبعضها لا يضيف شيئا من الفائدة  , عندما  رآنى السيد النبهان طيب الله ثراه اخفيت ما كنت اقراه وكاننى ارتكبت اثما , كان يرقب ما اقرأه او اهتم به  , اقترب منى وسألنى عما كنت اقرأه , ناولته الرواية واخذ يقلبها بين يديه ,

 قال لى :  الا تريد ان ادلك على ماهو خير لك منها  وامسك بيدى وقادنى الى مكتبته واخذ يقلب بين الكتب , وامسك كتابا واخذ يقلب صفحاته , ثم ناولنى اياه وقال لى:  هذا خير لك واكثر فائدة , اقراه ان استطعت او اقرأ صفحات منه , ان لم تفهمه فاسالنى عما اشكل عليك فهمه اوتعسرت عليك دلالته , هذا كتاب الرسالة القشيرية ولم اكن سمعت باسمه من قبل , كانت دراساتى فى علوم التفسير والحديث و الفقه والنحو والصرف والعقيدة والمنطق وكنت اقرا ذلك على يد اعلام كبار ممن كانت لهم مكانة علمية متميزة , واعترف ان ماكنت ادرسه كان اكبر من قدرتى على الفهم , ومازلت احفظ الكثير من اسماء تلك  الكتب التى كنت ادرسها, احيانا كنت اضيق بما كنت ادرسه , درست امهات الكتب فى معظم العلوم الاسلامية , لم اسمع من قبل باسم الرسالة القشيرية , قرأت صفحات منها ولم افهم شيئا وتركت ذلك الكتاب  , وظل اسم الكتاب فى ذاكرتى , بعد سنين طويلة تذكرت ذلك الكتاب الذى كنت احفظ اسمه ,  واردت ان اعرف ما فيه لكي احسن الحكم عليه , كنت اقدر على فهمه مما كنت عليه من قبل , وانزلته منزلته كما هو وعرفت الكثير عن الامام القشيري وعن اثره فيما كتب , اعترف ان الرسالة من اهم كتب التصوف الاسلامى , وجاء بعد مائة عام من كتاب اللمع وكتاب التعرف , كان الامام القشيرى من اعلام التصوف العلمى وكانت الرسالة القشيرية موسوعة فى علم التصوف اشتملت على الكثير من البحوث التى تعتبر من اركان الفكر الصوفي , وكان اسلوبه فى الكتابة راقيا وعبارته دقيقة , واعترف انه من اهم  المراجع الاصيلة فى هذا العلم , والقشيرى هو ابو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك النيسابورى المتوفى سنة 465 من الهجرة فى نيسابور التى كانت مدينة العلم والعلماء فى تلك الفترة , وكان القشيرى من اعلام تلك المدينة , وكان يسمى زين الاسلام , والتقى صدفة الصوفي الشهير ابا علي الدقاق وحضر مجلسه وهو يتحدث عن الاحوال والمقامات والمجاهدات فانشرح صدره لما سمعه واقبل بكليته على مجالسه واصبح قرييا منه وارشده الى الطريق وامسك بيده موجها ومعلما , وتكلم عنه الامام السبكى فى طبقات الشافعية فى الجزء الخامس فى الصفحة 153 وقال عنه معرفا به : الامام مطلقا وصاحب الرسالة التى سارت مغربا ومشرقا  ثم قال انه احد ائمة المسلمين علما وعملا واركان الملة فعلا وقولا,  وقال عنه : كان فقيها بارعا واصوليا محققا , واشتهر بوفائه لشيخه والتزامه بالادب فى مجالسه,  وقد خصص فى كتابه فصلا خاصا عن ادب المريدين واوصاهم بالابتعاد عن التطلع للجاه والتصدر فى المجالس لئلا يؤدى ذلك الى تشويش فى  القلب واوصاهم بحفظ اداب الشريعة وحفظ الحواس والمجاهدة , وترك القشيرى كتبا عدة اهمها كتاب لطائف الاشارات,  وهو كتاب فى التفسير الاشاري وتضمن الكثير من المعانى الدقيقة التى لم تتضمنها كتب التفسير الاخرى , وعندما حاولت ا ن اقرا بعض تلك المعانى رأيت الكثير من الدلالات الصوفية التى قد تكون خافية على العقول والدلالات الظاهرة ,.

واعود الى الرسالة القشيرية التى تعتبر موسوعة فى علم التصوف فى بحوثها التى اشتملت على كل اصول التصوف وثوابت الصوفية ومشايخها ومصطلحاتها التى حرص على بيان معانيها المرادة منها , ولم يغفل ما سبقه اليه السابقون من الصوفية من انكار على من انتسب الى الصوفية من غير اهلها الذين اساؤوا الى الصوفية وشوهوا معالمها وعبر فى مقدمة كتابه عن اسفه لما آل اليه امر التصوف فى عصره,  وقال بان المحققين من رموز التصوف قد انقرضوا او انقرض اكثرهم ولم يبق منهم الا اثرهم وقال فى ذلك:  لقد مضى الشيوخ الذين كان بهم اهتداء,  وقل الشباب الذين كان لهم بسيرهم اقتداء,  وزال الورع وطوي بساطه , واشتد الطمع وقوي رباطه وارتحلت عن القلوب حرمة الشريعة,  وندد بالصوفية فى عصره  الذين ظنوا انهم قد بلغوا الكمال وتحققوا بحقائق الوصال ,  وتضمنت الرسالة القشيرية الكثير من المباحث الهامة عن التصوف وتعريف بشيوخه وبيان لمصطلحات هذا العلم,  و بيان معنى المعرفة والاحوال والمواجيد والمحبة , وهي بحوث قيمة ومفيدة وتتضمن فهما اصيلا لما تريده التربية الصوفية ,

واهم فصل فى الرسالة القشيرية هو الفصل الخاص بادب المريدين وسماه وصية المربيدين وهو بحث هام ومفيد ولا نجد فيه تلك المبالغات التى اصبحنا نراها لدى كثير ممن جهلوا او انحرفوا او ارادوا الجاه والسمعةوالمكانة الاجتماعية , وحذر القشيرى المريد من التطلع الى الجاه قبل خمود البشرية لان ذلك يشغله عن ربه ويشوش قلبه,  كما نصح المريد بعدم التصدر فى المجالس لان ذلك يحجبه عن الله لان القلوب اذا انشغلت بشيء حجبت عن الله تعالى , وحذر المريد من التوقف عن المجاهدة لان ذلك يعيده الى سيطرة اهوائه عليه,  وحذر المريد من ان يعود الى شهواته التى تركها لله تعالى ,  وقد حظيت الرسالة القشيرية باهتمام العلماء والمختصين , وعكف الكثير منهم على شرحها والتعليق عليها,

 ومن اهم الكتب التى شرحت الرسالة اولا :احكام الدلالة على تحرير الرسالة للشيخ زكريا الانصاري المتوفى سنة 916 من الهجرة ووضع الشيخ العروسي حاشية على الشرح سماها نتائج الافكار القدسية فى بيان معانى الرسالة القشيرية

الثانى : الدلالة على فوائد الرسالة لعبد المعطى اللخمى وهو مخطوط وهناك كتاب ثالث هو تهذيب الدلالة على  فوائد الرسالة .

ومما لفت اهتمامى ان جميع من كتب من العلماء عن التصوف حذر من انقراض هذا العلم وانحراف اهله عنه , وانحراف بعض مفاهيمه عن معناها المراد بها , وهذا توقع قبل الف عام فما بالنا اليوم وقد اصبح تصوف اليوم ابعد عما كان عليه وتوهم الكثيرون من ادعيائه انهم على الحق والكمال , وهم بسبب انحرافهم ابعد الناس عن ذلك الكمال فى الفهم والادب والالتزام , لا احد من السابقين لم يحذر من انحراف الجهلة عن التصوف الحق , التصوف منهج تربوى روحي يعمق القيم الايمانية ويقوي صلة العبد بربه ويكون بالتربية الصوفية اكثر خلقا وادبا ورحمة واستقامة , ما نراه اليوم ليس هو التصوف الحق , توهم الكمال لا يعنى الكمال , وتوهم الحق يبعد صاحبه عن الحق , عندما نقارن بين التصوف الحق وما نحن فيه ندرك جيدا اننا قد ابتعدنا كثيرا عن الاخلاقية التى يريدها الدين ويدعو اليها ,

 صوفية اليوم هي مرآة صادقة لما عليه مجتمعنا من جهل برسالة الدين وما يريده رب العالمين من عباده

( الزيارات : 154 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *