السيد النبهان والصوفية

..ذاكرة الايام ..السيد النبهان والصوفية

 كانت صوفية السيد النبهان طيب الله ثراه مختلفة كليًا عما عهدناه من التصوف الطرقي المتعارف عليه فى معظم المجمتعات الاسلامية التى ازدهرت فيها تلك الطرق وتعددت وبالغت كثيرا وبعضها انحرف عن حقيقة التصوف وآدابه واخلاقياته  ، لم اجد لدي السيد النبهان  تلك الصوفية التقليدية التي ترسخت صورتها في اذهان العامة بطقوسها  ومجالسها ،لقد  احسنت الصوفية الحقة  بمنهجيتها التربوية وتميزت بخصوصيات راقية من المعانى والدلالات وبخاصة فى منهجية المجاهدات والرياضات الروحية ,  وأيقظت العواطف الروحية وحركت المشاعر الايمانية وأسهمت في الكثير من. الجوانب الإيجابية وبخاصة لدي العامة فى عصر التخلف والتقليد والامية ، وهناك من اساء الى تلك الصورة النظيفة الراقية  من جهلة  التصوف  ممن اراد التصوف  مطية له لدنياه  وبالغ. في ادعاء الكرامات وشوه الكثير من المفاهيم الصافية وسخر العامة لأهوائه وبخاصة تلك الجدالات الكلامية والمبالغات القولية والاهتمام بتلك السلوكيات التي اعتاد رموز التصوف على التظاهر بها  ، والتي ليست لها دلالة في نظر الدين ولا تحقق غاية من غاياته في استقامة سلوك وطهارة قلب ، لا بد في كل سلوك من مصدرية شرعية تدل عليه ودلالة منطقية تبرره ، هناك مبالغات وادعاءات يراد بها مخاطبة العامة بما يحبون. واستغلال. عاطفتهم الدينية ، كانت صوفية السيد النبهان  خالية من تلك المبالغات والشطحات  والمصطلحات والكرامات , كان يكره ذلك ويضيق به ، لم اجده قط متكلفا في امر يفعله من انواع السلوك ، ما يفعله بينه وبين نفسه كان يفعله امام الاخرين كما هو ، لم اره يوما يستخدم كلمة المريدين بمفهوم الطاعة للشيخ والقداسة وادعاء الفتوحات  والكشف عن الاسرار ، لم ار ذلك في منهجه التربوي ،كان يهتم بالأدب كسلوك فردى واجتماعى , ويضيق بتلك المجالس الصوفية ومجالس الوجد والسماع الا اذا وقع الالتزام بادب الذكر واستحضار القلب ,  وكان مَن اكثر الناس التزاما بذلك الادب  في سلوكه اليومي ، كنت صغيرالسن عندما بدأت صحبتي له ، لم اشعر قط بتلك النظرة الضيقة ولا ذلك التزمت فى المواقف ولا ذلك التعصب فى فهم الدين , لم اره بعيدا عن كل الاخرين من الغافلين عن الله او العاصين , كان يمد يده لهم  ويمنحهم الشعور بالمحبة والرعاية ,   كنت اشعر بهيبته في قلبي وهي هيبة ناتجة عن الاحترام ، كان بالنسبة لي هو الجد والصديق والمرشد والمعلم والمربي ، كنت فخورا بذلك ، كنت استطيع ان أميّز كل كلمة تنسب اليه او كل سلوك او موقف هل هي صحيحة او غير صحيحة ، واعرف كيف قيلت ولماذا وكيف تفهم بسبب قربي منه. لمدة طويلة، كان مختلفا عن كل الاخرين ممن عرفتهم فيما بعد في فهمة للاسلام كمنهج تربوي لاستقامة الحياة ورقي الانسان ، كان محبا للكمال في كل معانيه ومحبا للخير. لكل الاخرين وبخاصة من المستضعفين ، لم اره يوما في موقف التعصب والكراهية ضد اي احد ولو كان له عدوا او كان منتميا لطائفة اخرى ، كان اهم وصف فيه هو الإعراض عما لا يحب من الافراد والمواقف دون اشعار اي احد ، كان كبير المواقف راقي المعايير، كانً بالنسبة لي كالميزان الذي كنت اعود اليه في كل موقف، واعرف من خلاله. ما كان من الكمال او النقصان ، وكان ذلك يعينني في كثير من المواقف التي كنت أمر بها في حياتي ، لم اره يوما ينتقد غيره في موقف او سلوك ، ما كان يعجبه يشيد به وما كان لا يعجبه يتجاهله ويتركه لصاحبه ، وكان يحترم رأي اهل العلم والعلماء فيما قالوا به من قبل. ، ما صح لديه اخذ به ومالم يصح لديه كانً يتركه لصاحبه دون اعتراض عليه او انكار، وكان يفعل ما ترجح له بدليله ، هناك مواقف كثيرة أعتاد عليها اهل التصوف والتزموا بها لم ارها في حياة السيد ولَم افعلها فيما بعد لاننى لم اعتد عليها فى تلك الطفولة  ، كانت صوفيته سنيّة لا بدعة فيها وهذا ما يحتاج اليه التصوف ان يخرج من الصوفية  ماليس منها  من الطقوس، والشطحات. والسلوكيات المنحرفة التي هي من اثار التاريخ ومخلفات الجهل والأمية. واشدها ضررا  تسخير الدين كمطية للدنيا ., ،وتوارث الاسرار الروحية كملكية فردية متوارثة بين الاحفاد والاتباع , وتلك محنة التصوف فى عصر التخلف  , ومن طبيعته  انه  لم يلتفت الي الوراء ابدا ، ولَم يندم علي فعل اقدم عليه، ولَم اره قط في موقف ضعف انساني في اشد المواقف قسوة وألما ، كان راضيا. بكل ما هو مقدر عليه ، وكان يري الحكمة فيه ، تلك الصفة تأثرت بها فيما بعد ، وحاولت. ان. التزم بها بقدر الإمكان. ، وكنت اجد الحكمة فيما كان ، كنت اجد ان كل المنعطفات الصعبة التي ضقت بها في وقتها كانت تحمل الثمرات التي كنت أحتاج اليها وكانت مجرد ممرات وجسور ضرورية لما هو افضل منها، معظم المحن التي ضقت بها في حينها كانً الخير فيها فيما بعد. ، كنت اسمع السيد النبهان يقول : لقد رأيت الخير كله في الابتلاء ، وكان يقول كيف ادعو الله ان يرفع البلاء عني وهو الذي قدره وهو الذي ارسله. بحكمته , كان صبورا بغير حدود ، كان يري الحكمة فيما كان ,  ولذلك كان راضيا عن ربه في كل المحن والازمات والابتلاءات وحامدا وشكورا ، تلك المنهجية أفادتني كثير ا فيما بعد ، كانت تفتح لي نافذه الامل في ظل المِحنة واري النور في نهاية كل نفق مظلم ، اعترف انني مررت بمواقف صعبه وتحديات وكانت تلك الدروس المبكرة تمنحني القوة الداخلية ، لم أتهيب قط موقفا، كنت احتاج لذلك كثيرا في معظم الحقب التاريخية وبخاصة في الحقبة المغربية التي كنت أستعيد تلك الدروس الايمانية والروحية فى كل الازمات ، كانت تمنحني القوة والايمان الداخلي ، وكنت اجد الحكمة في كل ذلك واشعر بالرضا. لاقتناعي بان الله تعالي هو الذي يلهمنا ما نفعل ويسدد افعالنا لكي تثمر ما هو مرجو منها من الخير ،. لم اشعر قط بالضعف الانساني ، عندما اشعر به سرعان ما يتبعه شعور آخر هو الرضا بان الله هو الذي يختار لنا ، كان هناك ترابط بين الحقبة الاولي في حياتي في صحبة السيد النبهان والحقبة الاخيرة وهي الحقبة المغربية التي كنت اجد فيه  التيسير والتسديد  ، كنت احتاج الي تلك الصوفية الروحية التي تلقيتها من السيد النبهان وتعلمتها منه. ، صوفية. لا بدعة فيها ولا شطحات ولا مبالغات ولاتوهمات ، تلك صوفية نحتاج اليها لتنمية المشاعر الايمانية والروحية، وان نشعر بان الله تعالي هو الذي يختار لنا ، وهو الذي يلهمنا ما نفعله ويشرح قلوبنا له ، كنت اكتب كثيرا في قضايا اجتماعية وكنت اجد اثر تلك التربية في افكاري وما كنت اكتبه ، ما احوجنا الى تلك النسمات الايمانية والروحية التي تمنحنا حسـُن الفهم لتلك الحياة .

( الزيارات : 108 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *