السيد النبهان وذاكرة الطفولة

  ذاكرة الايام..السيد النبهان  وذاكرة الطفولة

اجمل الايام فى حياتى هي التى قضيتها فى صحبة السيد النبهان طيب الله ثراه قبل العشرين من العمر , كانت مختلفة كليا عما بعدها , مازالت تلك الفترة فى ذاكرتى اذكرها باستمرار وتمدنى  بفهم ايمانى  اعمق للحياة , كنت اشعر بالدفء الروحي  كما لم اشعر به فيما بعد , مازلت اتامل  فى تلك الفترة واحن اليها , معظم من عرفته فى تلك الفترة كان من الصالحين , كانت المحبة والاستقامة والتقوى من غير تكلف  , كان ذلك المجتمع الصغير اكثر تكافلا وتراحما وفهما للدين , فى مجالس السيد النبهان  لم تكن الدنيا هي موطن الاهتمام  الاول , كان الكل فى خدمة الكل , فى تلك المجالس كانت كل الحواجز الدنيوية تتلاشى , وكل الاهتمامات المادية تتراجع , لم يكن ذلك التدافع والتحاقد , اهم ماكنت الاحظه هو ذلك الادب  فى تلك المجالس , لم اشعر قط بذلك التزمت ولا التطرف  ولا التكلف , كان الكل يحترم الكل فى تلك المجالس , اهم ماكنت الاحظه هو تلك الهيبة التى كانت للسيد فى القلوب , كان الدين غاية وليس مطية , لم يكن هناك كيبر وصغير فى تلك المجالس , كل فرد له خصوصيته وحريته واختياره لمنهجه , لم اجد ذلك التدافع  والتغالب للبحث عن الدنيا , لم اجد فى منهج التربية الروحية  عند السيد النبهان  ما اعتدنا ان نراه عند جهلة الصوفية من  شطط فى الاحوال ولا اهتمام بما اعتادته الصوفية الطرقية فى تراثها المكتوب اوفيما تعارفه اهلها من الطقوس المعتادة  التى فقدت الكثير من مصداقيتها لمنافاتها لمنهج العقول الراجحة  , كانت منهجية السيد النبهان فى التربية الروحية  عاقلة ملتزمة واقعية غير متكلفة تعتمد البيان وتغذية القيم الايمانية فى القلوب , ومن المؤكد ان الكثير من افكارى فيما بعد قد تأثرت بتلك المنهجية التربوية  التى  تأثرت بها , كان السيد النبهان لا يعنيه من هو ذلك الذى يخاطبه , لا اذكر اننى سمعت منه كلمة تعبر عن مذهبية او طائفيه , كان يخاطب الانسان  بكلمة بيانية توقظ المشاعر , لم اراه قط يتعصب لرأي او فكرة  او انتماء  ولم يجعل نفسه وصيا على احد ولو كانوا عصاة ومذنبين ,  لا احد فى مجلس السيد النبهان  يشعر بعصيانه  , والغافل لا يشعر بغفلته  , ذلك امر يعنيهم  وهم مخاطبون  كما خوطب غيرهم , والله  ارحم بهم ,  وكان من تأثير السيد النبهان  فى تربيتى  الاولى  اننى كنت لا اضيق بمخالف  فى حوار و لم اشعر قط باية عاطفة كراهية  للاخرين ولو كانوا من المذنبين  , لا احد من الخلق خارج المظلة الالهية  رحمة ومغفرة , وكنت  فيما بعد فى  حياتى العلمية  ارفض الكثير من المفاهيم  والافكار الضيقة  التى  تتنافى مع اصول الاخلاقية الاسلامية كما فهمتها فى تلك الحقبة المبكرة من حياتى , وعندما كنت اتوغل اكثر فى مجتمع العلم  والعلماء وانصت الى الكثير من الافكار التى  كانت  متداولة كمسلمات  لاتقبل  النقاش  كنت الاحظ القصور فى فهم المقاصد  والغايات , وادى هذا الى كثير من الانحرافات الناتجة عن الجهل بالمقاصد المرجوة التى هي صلب رسالة الدين , لقد اسهمت التربية الروحية  الاولى  فى صحبة السيد النبهان  فى تكوين شخصيتى اكثر بكثير مما اسهم به العلم  الذى تعلمته من الكتب , العلم وسع من قدراتى العقلية واصبحت بفضل العلم اكثر فهما للحياة ولكن العلم لم يضف الي شيئا فى تكوين شخصيتى ,  مجتمع العلم والعلماء  كاي مجتمع اخر , فيه  كل اصناف الناس  , وهناك الصالحون الاتقياء  وهناك  الاخرون   الذين كان العلم بالنسبة لهم مهنة معاشية  ,  كبقية المهن المعاشية, ليس كل من انتسب الى العلم هو الافضل  من غيره دائما ,  وليس هو الافضل اخلاقيا وبخاصة اذا كان العلم  غايته التكوين المعاشي ,  وليس العلم الذى يرتقى بصاحبه الى  معرفة الله  ومحبة الخير , لم اجد فى العلم تميزا الا اذا صاحبه العمل الذى يقود الى الله واهمه التقوى  والاخلاص , كل العلوم واحدة , وكل الاختصاصات العلمية  واحدة فى العلوم الشرعية والعلوم الاخرى كالطب  والعلوم الكونية  التى تهتم بتوفير اسباب الحياة ,  فما اريد به الخير فهو خير ,  وما اريد به الشر فهو مذموم , العلم واحد ولكن عندما يستخدم لخدمة الانسان وتوفير اسباب حياته كالغذاء والعلاج والتعليم  فالعلم كالعمل يمكنه ان يكون عبادة , اما ما اريد به مجرد العلم  كمهنة  معاشية  فهو علم لا ثمرة له  الا بمقدار ما يؤدى اليه  من الخير , لييس هناك علم هو افضل من علم الا اذا سخر ذلك العلم للعمل الذى يحبه الله من عباده , العلم يمكنه ان يكون مهنة او يكون رسالة , كنت اجد فى  الطب رسالة انسانية وكنت اجد فى تعليم الاطفال رسالة انسانية , كنت ارى فى العمل  معنى  العبادة , العلم مظنة للخير لانه يخرج صاحبه من ظلمة الجهل  الى  النور  , ولكنه قد لا يكون كذلك , تعلمت من مجالس السيد النبهان كيف يكون اي عمل عبادة لله , كنت انظر نظرة احترام واكبار لكل الذين يعملون فى اية مهنة لكي يقوموا بما امرهم الله به من تربية اطفالهم  وخدمة مجتمعهم  , ما اعظم تلك الام التى تحمل وترضع وتربي اطفالها , هذه هي العبادة الحقيقية , يمكنك اان تكون مع الله فى كل عمل من اعمالك  اذا اردت الخير , لا اشك ان ما غرسه فى شخصيتى السيد النبهان طيب الله ثراه كان كبيرا ,  لم اشعر قط ان العلم اضاف الي شيئا من  محبة الخير ولم اشعر ان العلم  , اذا كان لدى ما هو خير فهو من اثر ماتعلمته  وما تربيت عليه من خلال صحبتى للسيد النبهان فى تلك الحقبة الاولى من حياتى , عندما أتامل فيما افكر فيه او ما اكتبه من كلمات اجد اصلا لها مما تربيت عليه من قيم وافكار ومفاهيم , ما زالت مجالس السيد النبهان تمدنى بالكثير من الافكار التى احتاجها وهي الاهم  فى تربيتى الروحية , ما نتاثر به فى الطفولة يظل فى الذاكرة كغرس فى ارض  وسرعان ما ينبت  وينمو وقد يخرج ثمارا , واهمه ما يتعلق بتكوين الشخصية  بمقوماتها , لا اشك اننى فى تلك الفترة كنت اتلقى وادخر قبل ان نستثمر ما ادخرناه فيما ينفعنا , الغاية مما ندخره فى الطفولة ان نستثمره ثم ننفقه فيما نحتاج اليه مما يعود علينا نفعه , وما فى الذاكرة هو مدخرات  , نحتاجها يوما فى حياتنا  , وكثيرا ماكنت استعين بموقف سابق فى الطفولة لا فهم به  موقفا جديدا كنت اصادقه , وبخاصة فى الحقبة المغربية التى كانت غنية باحداثها , وكنت احتاج لفهم اعمق واكثر رقيا لكثير من المشكلات والحلول , من السهل جيدا ان تكون ككل الاخرين ومن الصعب ان تكون متميزا الا بمواقف  غيرمعتادة ومتميزة , احيانا تحتاج ان تكون افضل مما هو متوقع منك , لا انكر امرا كنت اشعر به فى كل مراحل حياتى , وهو ايمانى العميق  برعاية الله , لم اقصر قط عن الاسباب ولكن الاسباب وحدها ليست كافية الا بالتوفيق  والتدبير الالهي , ومن التوفيق  التسخير , وللتسخير سر لا يمكن للعبد ادراكه ولا فهمه لانه خارج الاسباب , هناك منعطفات تصادفنا  فى رحلة الحياة على غير توقع , تلك المنعطفات  قد تواجهنا فجاة من غير توقع  او اختيار  , واحيانا نضيق بها  لانها قد تخرجنا مما كنا فيه , ونظن انها ثمرة مرة المذاق وبعد حين نكتشف ان  الخير كان فيها ولولاها لما انتقلنا الى طريق اكثر نورا ويسرا , لا شيء من اعمالنا خارج الاسباب الظاهرة , ولكن  الاسباب تحتاج الى تامل فيما هو خلف الاسباب , واهمها ظاهرة الانشراح والانقباض وظاهرة التسخير وظاهرة الخواطر المحركة للعزائم , وهناك ظاهرة الحفظ الالهي والستر , هذه اسباب للاسباب , فانت تقدم وتحجم  ولاترى تفسيرا لذلك فى نظر العقول , ومن الجهل ان ينسب الانسان كل شيء لذكائه وفهمه وبصيرته , ما تملكه من المهارات العقلية يملك غيرك مثله او ماهو افضل منه , وتجد ان هناك من فتحت له الابواب وهناك من اغلقت فى وجهه , من اليسير ان يدعى الجاهل الصدفة , والصدفة لاتتكرر , هناك التوفيق الالهي  الذى لا يتوقف  عند حدود الاسباب , انه سر التدبير الالهي وسر الحكمة , وهذا يقودنا الى التسليم القلبي  بما اختاره الله لعباده ..

تلك تاملات كانت الاقوى فى حياتى والاعمق تاثيرا والاكثر رسوخا , تلك قناعاتى الداخلية , وهي قناعات كانت من تاثير السيد النبهان فى فكرى , بالرغم من ايمانى العميق بكل الاسباب العقلية ,  كان الاهتمام العلمى هو الاوضح فى منهجي , كانت حياتى الروحية خاصة بي , ولكننى  لم اشعر انها خارجة عن ذاتى , لم اكن احب ذلك الاستغراق  المتكلف  فى الاحوال الروحية , هناك اشياء كثيرة  لم اكن اراها  ولم تثر اهتمامى , وفى نفس الوقت لا انكرها على اهلها , واؤكد ان منهجية السيد النبهان  الروحية  كما استطيع الان فهمها كانت اصيلة وعميقة الدلالة وتختلف كليا عما هو مالوف  لدى كثير ممن رأيتهم من المعاصرين او سمعت اقوالهم واطلعت على كتبهم واثارهم من السابقين , وارى ان السيد النبهان كان من المجددين فى فهمه لمعنى التربية الصوفية ومن المجددين لكثير من المفاهيم الصوفية ..

 

( الزيارات : 146 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *