تأملات فى الموت والحياة..

آخر الأخبار

تاملات فى الموت والحياة

كتب البروفسور الدكتور الطبيب عبد اللطيف بربيش رئيس الاكاديمية الملكية المغربية تأملاته عن الموت والحياة فى مرضه قبل رحيله ضمنها اراءه و افكاره فى الموت والمرض والطب ومعاناة المرضى واخلاقيات الطبيب والموت الرحيم , وقد قام الزميل الدكتور ادريس خليل بترجمة هذه التاملات من الفرنسية الى العربية والقاها فى اجتماع الاكاديمية يوم الخميس الماضى وفاءا للراحل العزيز واستفادة مما تضمنته من افكار وتاملات غنية بمضمونها وبخاصة وهي تاملات طبيب مارس الطب لمدة خمسين سنة , وقد علق الدكتور محمد فاروق النبهان على هذه التاملات فى اجتماع الاكاديمية بالكلمة التالية ..

المرجع :وثائق الاكاديمية

:كلمة الزميل السيد الدكتور محمدفاروق النبهان :.
اشكر الزميل الدكتور إدريس خليل على هذا العرض القيم الذي قدمه نيابة عن الزميل الراحل الدكتور عبد اللطيف بربيش رحمه الله ، والذي كتبه فى الايام الاخيرة من حياته عن تاملات طبيب عن الموت والحياة ,. وهي تأملات مهمة وتعبر عن إنسانية طبية راقية اشتهر بها الراحل فى حياته الطبية والمهنية ، عرض فيها كثيراً من القضايا التي يعيشها الطبيب. وكلنا نتأمل في هذه القضايا، قضايا الموت والحياة. كما تامل فيها زميلنا , وقد اجاد فى عرض ما سجله من افكار راقية ذات ابعاد انسانية ..
لقد تميز الراحل بشخصية مميزة فى اخلاقياتها الطبية , وقد كنت معجبا بخصاله الرفيعة , وقد عرفته منذ فترة طويلة فى هذه الاكاديمية وكان راقي الخصال رزينا عاقلا حكيما يحترم الاخر حيث كان وينصت باهتمام لمن يحاوره , وكنت على تواصل دائم معه , وكان يتصل بى عندما كنت فى سوريا ويستفسرنى عن صحتى واخبارى , وكنت اسر بهذه المبادرات الاخوية الراقية , كما كان يزورنى فى بيتى فى المناسبات الاجتماعية , وكان حريصا على الا يتخلف ابدا , وقبل سنتين حضر مناسبة عقيقة لاحد احفادى بالرغم من حالته الصحية وقد اكبرت فيه اخلاقياته العالية ووفاءه الذى يدل على نبل خصاله الشخصية , وقد حزنت عليه واننى اقدم صادق العزاء به لاسرة الاكاديمية وللمغرب ولاسرته الصغيرة ..وادعو الله تعالى ان يتغمده برحمته الواسعة وان يجزيه خيرا عن كل عمل صالح قام به ..ٍ..
كان العرض الذى سمعناه قيما ومفيداً، طرح قضايا طبية معاصرة. وكل قضية تحتاج إلى حديث خاص. وبخاصة فيما يتعلق بأخلاقيات الطب، والموت الرحيم والحقوق المتبادلة التي تترتب على الموت. بالنسبة للاخرين ..
هذه قضية فقهية مهمة، أن نحدّد تاريخ الموت. أحيانا يقول الطبيب إن الشخص قد مات طبياً ولكنه لم يمت بدنيا ، هناك حقوق. تترتب على معرفة بداية الحياة وبداية الموت. ..ٍ
عندما كنت أرى في المنام حلماً، أعيش ساعات مع هذا الحلم وعندما أستيقظ. أظن نفسي كاننى كنت أعيش حياة طبيعية ، وأسأل نفسي : هل ما كنت أعيشه كان حلما أم أن هذه هي الحياة التي نعيشها هي الحلم الحقيقي ؟ ما الذي يُؤكد لنا أننا لا نعيش حلماً في هذه الحياة الظاهرة التي نحياها ..
وتذكرت قول أحد العلماء : «الناس نيّام، فإذا ماتوا استيقظوا!».
وتذكرت ما اشار اليه البحث من اثر الاسلام فى قبول الموت عندما رأيت مرة في التلفزيون لقاء مع طبيبة إنجليزية، سألوها لماذا دخلت الإسلام؟ قالت : كنت لما أستقبل مريضاً وأقول له : «أنت مريض بالسرطان» يسقط على الأرض، وكنت ألاحظ أنه عندما أخبر المرضى المسلمين بمرضهم يقولون : «هذا قضاء الله وقدره».
وقد دفعني هذا التأمل إلى التساؤل عن هذه العقيدة التي تجعل الإنسان يتقبل خبر الموت بغير خوف وبغير فزع. 
وقد اشار الدكتور بربيش الى هذه الملاحظة فى حياته الطبية ..
في لقائي مع أحد علماء الفاتيكان قال لي : «كنت أعد بحثاً عن تقبل المسلم للموت. وكان يذهلني شيء أعددت دراسة عنه من خلال تتبعي لما كتب باللغة العربية عن المسلمين، كيف يتقبلون الفقر وكيف يتقبلون الموت ؟ هذا أمر ربما لا ندركه ونحتاج الى تفسيره ».
بعض الناس يتقبلون الموت تقبلا عادياً. ولا يشعرون بأي خوف. وقلة من الناس يصابون قبل الموت بالسفه. أنا أقول إن الإنسان حين يكون في المرحلة الأخيرة من حياته، ينبغي ان يودع الآخرين بالمحبة؛ لكن بعض الناس في آخر العمر تصدر منه فى اخر حياته أخلاق السفه، أخلاق سيئة جدا، ..
قضية الموت والحياة، متى تبدأ الحياة؟ هذا امر يتعلق أيضاً بالحقوق. وتثبت به حقوق , . هذه القضية يترتب عليها أحكام. متى تبدأ الحياة التي لا يجوز إسقاط الحمل فيها؟ ومتى يجوز الموت ؟ قضية فقهية وخلافية ..
ذكر الأستاذ الدكتور عباس الجراري قضية الموت الرحيم، نتساءل هل يملك الإنسان نفسه.
هل أسرته تملك أن تعطي إذناً للطبيب بأخذ عضو منه أم أنها لا تملك ؟ من قال بأن الأسرة تملك هذا الحق ؟ من أعطاها السلطة في ذلك؟ وحتى الإنسان عندما يموت لا يملك نفسه. ولا يملك اعضاءه لكي يتبرع بها ..
هل الطبيب إذا أراد أن يأخذ عضواً من ذلك الميت، هل ييحق له ذلك وهل يحتاج إلى إذن ذلك الميّت؟ أو إذن أسرته؟ هذه قضية أخرى حقوقية. وفقهية ..من يملك الحق فى تلك الاعضاء ..
قضية الموت الرحيم قضية مطروحة علمياً، مطروحة قانونيا. الأطباء يقفون مترددين من هذه القضية، ماذا يفعلون أمام حالة إنسانية ؟ هذا الإنسان يقول في لحظة يائسة :لا أريد أن أموت! هل يملك هذا الحق أم لا يملك ؟هذه القضية أيضا تحتاج إلى دراسة علمية وفقهية وقانونية ..من يملك حق الحياة والحق فى انهاء الحياة … 
موضوع الحمل ..نحن نعرف أن الحمل تترتب عنه حقوق. لذلك من الضروري أن نعرف هل هذا الحمل موجود أم غير موجود. ومتى تترتب له الحقوق ..
الحمل عند ثبوته تترتب له حقوق شرعية وقانونية، مثال ذلك إذا كان هناك حمل وتوفي الأب فانه يترتب لذلك الجنين حقوق. مالية , يقبل الوصية و له حق الإرث. ولكن لا يقبل التبرع. وهذه الاهلية هي أهلية الوجوب التي توجد للجنين عندما يثبت وجوده. فيترتب له حق في الإرث وحق في الوصية بمجرد حياته ، يثبت له هذا الحق.
هناك حقائق فقهية كثيرة تتعلق بموضوع الموت والحياة. موضوع الموت لا أحد منا يعرف حقيقته.
كلنا نتساءل عن سر هذا الموت. 
هل هو انتقال من عالم إلى عالم؟ من عالم الكثافة إلى عالم اللطافة، عالم لا يُدرَك وهو عالم شفاف رقيق، لا نراه ولا نعلم عنه شيئاً لأنه غيب., هناك أسرار فى الموت ولم يرجع لنا أحد ليخبرنا بما في ذلك العالم. الا بما ورد من نصوص دينية لا تقبل الشك ؟ ؟ امور الغيب لا يجوز أن نناقشه لأننا نناقش بواسطة العقل والعقل لا يدرك الغيب . ، النقل الثابت، هو الذي يشرح أمور الغيب.
إذن، نحن نحتاج إلى التأمل في قضايا الموت والحياة، هي تأملات إنسان. وطبعاً لا نضيف شيئاً. ولا يمكن أن نصل إلى الحقيقة. فالحقيقة في هذا لم يصل إليها مَن قبلنا. ..هي مجرد تأملات نتأمل فيها في الحياة وفي الموت.

لابد الا أن تتجدد الأجيال، ولولا الموت لما تجددت حياة الأجيال. واستقام امر الجياة 
الحياة تتجدد؛ كل واحد يؤدي مهمة، وإذا انتهت المهمة عليه أن يغادر. كشجرة تزرعها وتكبرفتعطيك الثمر المرجو منها. بعد ذلك تصفر وتيبس، فنزيلها لكي تزرع شجرة جديدة. وإذا ما لم تزلها فستبقى موجودة وستعطل الحياة.إذن، لابد أن تزيلها لتنبت شجرة جديدة، وهكذا تعطيك الأمل الجديد والثمر الجديد. 
هذه الموضوعات لطيفة وممتعة وتنقلنا إلى عالم اللطافة، ولو للحظات لكي تخرج من عالم الكثافة الذي نعيشه الى عالم الروح الذى تشتاق اليه النفوس لكي ترتقي فى اهتمامها من عالم الحسيات الى عالم الارواح ، واكرر تقديرى لتاملات الزميل الراحل عن الموت والحياة .ز واشكركم والله يحفظكم .

( الزيارات : 1٬015 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *