صحبة ما زالت اثارها

 

 ذاكرة الايام ..  صحبة ما زالت اثارها

 

كنت أرافق السيد النبهان في زياراته للعلماء الصالحين  ممن اشتهروا بالعلم والتقوى والاستقامة ,  وبخاصة فى مرضهم , واحيانا  لاضرحة  بعض الصالحين ممن اشتهروا بالصلاح وتركوا تراثا مفيدا من اثرهم ، ولم اره قط يلمس بيده اي ضريح او يتبرك به او يدعو إمامه او يستعين به علي قضاء حوائجه ، لم يكن يحب ذلك او يفعله او يشجعه  وتأثرت به فى ذلك , ولم افعل ذلك ابدا ولا احبه واضيق بمن يفعله من العوام ، كان يقف علي مسافة من القبر يقرأ الفاتحة بأدب كبير ، ولا يعنيه ان كان الضريح كبيرا او قبرا متواضعا ، ونشأت ولم يشغلني ذلك  وانكره على من يفعله , وما يفعله العوام امام الاضرحة يدل على جهل ويعذر الجاهل فيما يفعل بحسن نية ، وكنت ارى ذلك من امر العوائد الاجتماعية التى  يعتبرها  العوام  من الوفاء للصالحين. او من التبرك بهم  ,  وفي عصور التخلف والجهل تكثر المبالغات في العوائد لتعبر عن مجتمعها كما هو عليه . ،وهذا يحتاج الى تنبيه العوام  لتجنب ذلك ,  كان السيد النبهان يحب الصالحين من غير تقديس لهم , الحب لا يبرر القداسة  ،. وكان  يذكر بعض ما تركوه من آثار ، لم اره يبالغ فيما يرويه عنهم ، وكان يكتفي بذكر ما رواه المؤرخون. عنهم. وعلي مسؤولية الرواة ، كان يحب الصالحين من غير قداسة لهم ، ويضيق بالمبالغات ويتجاهلها وكأنها لا تعنيه ، هناك الكثير مما كان يضيق به مما اعتاده. الناس من تلك المبالغات , وبخاصة. في أوساط الطرقية الصوفية  وما تركته من تراث يحتاج الى مراجعة نقدية للاحتفاظ بما هو مفيد منه  من اصول التصوف الروحي ، اما الشطحات والهفوات فخي كثيرة فى المفاهيم  وفيما يروى فى ذلك التراث من مبالغات واوهام  واحوال متكلفة وقد اشار الى ذلك ابونصر الطوسى صاحب كتاب اللمع وهو الكتاب الاهم فى الفكر الصوفى الاصيل فى القرن الرابع  الهجرى وانتقد الخائضين فى هذا العلم من غير اهله وذكر ان الطبقات التى غلطت فى التصوف انواع ثلاثة , هناك من غلط فى الاصول وهؤلاء هم الذين حرموا من الوصول لتضييع الاصول , وهناك من غلط فى الفروع  وهي الاداب والاخلاق والمقامات والاحوال , وذلك لقلة معرفتهم بالاصول ومتابعتهم لحظوظ النفس وقال عن هؤلاء كمن دخل بيتا بغير سراج فما يفسده اكثر مما يصلحه وهؤلاء بين مغتر بالظنون ومتلبس بالمجون ومدع ومفتون , اما القسم الثالث فهم الغلط فى الهفوات وهذه الطبقة اذا تبين لها الحق رجعت اليه  واصلحت ما هي فيه , وشدد الطوسي على خطورة الغلط فى الاصول لانه يقود الى الضلالة ولا يرجى لهؤلاء من دواء ثم شرح الاغلاط التى وقع فيها الصوفية فى المفاهيم وفى المصطلحات ونفى ان يكون الصفاء على الدوام وذلك من الكمال الذى ليس من طبيعة النفوس و فلا احد يصفو على الدوام ابدا  لان الكمال المطلق من صفات الله  ،. ولم يكن السيد النبهان  يحب تلك الطقوس المعتادة ولا تلك الاحوال المتكلفة ولا تلك التجاوزات  والشطحات , فى كل من الاصول والفروع  ، كان يهتم بالأدب ويعتبره. معيارًا للتفاضل ، لم اره يهتم باستطلاع اخبار الغيب من افواه المجاذيب ، كان يُحسن اليهم ، ولكنه كان لا ينصح بمصاحبتهم ، وينكر علي من يفعل ذلك من اخوانه ، ويحذرهم من تقليدهم لانهم خارج التكليف ، ولم اره يروي مناما او يفسره. او يهتم به ، وكان يحترم الضوابط التي وضعها الفقهاء واخذوا بها  احتراما لهم., ،ولم يخرج عنها  فى اصل من الاصول ,  لم يكن مجتهدًا وفي نفس الوقت لم يكن مقلدًا ، ما صح لديه رواية. عن الرسول الكريم. اخذ به من غير تردد والتزم به ، وما وقع الاختلاف فيه كان يأخذ بما ترجح لديه ، وكان يهتم بالاخرين من غير تكلف ، وبخاصة ما ارتبطت حياتهم به من الاسباب ، كان صدره رحبا بكل الاخرين ومحبا لهم ، وكان يكره مظاهر الترف ويضيق بتلك العوائد الاجتماعية ، لم يكن مالكا لشيئ من الدنيا ، الا ماكان يحتاجه. ليومه من الضروريات ، وكان يحب العمل ويعتبره واجبا علي الانسان ويحب الاتقان فيه ، اما الرزق فلم يشغله يوما. ، ولم اره يدعو به لاحد ويكتفي في دعائه بالتوفيق والتيسير والرعاية ، وكان واسع الصدر ولم اره كارهًا لاحد او ناقما عليه او مبغضا ، ولم اره يملك اكثر من حاجته في اي شئ ، مالا يحتاجه من المال او الطعام. كان يوزعه ولا يتكلف ذلك ابدا ، لم اره يفكر في غده او يخطط له ، وعندما قلت له انني اريد  ان افكر في المستقبل قال لي : لا تقل هذا ابدا ، لست انت من يصنع مستقبلك ، المستقبل بيد الله ، ان كنت صالحا تولاك الله ، وهيألك ما.فيه مصلحتك وما اراده لك ، وابعد ك عما لا يحبه لك ، كن راضيا بما اختاره الله لك ، عطاء الله لك اكبر مما تطلبه منه ، والكريم لا حدود لعطائه ، ولا يعني ذلك الاتأخذ بالاسباب الظاهرة ، الاسباب ضرورية والله يشرح صدرك. لما يريدك لك ويصدر عنك. دون تكلف منك ، تلك نصيحة كانت بالنسبة لي كنزا كبيرا ، ما زلت أتذكرها وكانت لي خارطة طريق. ، معظم ما أكتبه من هذه التأملات كنت اجد لها جذورا في داخلي منذ ايّام الطفولة ، كنت احتاجها كمشعل نور في الظلام ، عندما ابتعد عن الطريق سرعان ما اعود اليه ..

 

( الزيارات : 143 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *