عبد الوهاب بنمنصور

ذاكرة الايام..عبد الوهاب بنمنصور

بعد ثلاثة ايام من وصولى الى الرباط عام 1977فى منتصف شهر فيراير , كنت اجلس فى بهو فندق هيلتون الرباط الذى كنت اقيم فيه , رايت رجلا يتقدم نحوى ويسلم علي بحرارة , لم اعرفه ولم اسمع باسمه من قبل , قال لى : انا عبد الوهاب بنمنصور المؤرخ الرسمى للمملكة , دعوته للجلوس , بادرنى بقوله انا اعرفك جيدا وكنت اتابع اخبارك منذ فترة طويلة , اخذ يحدثنى عن مهمته كمؤرخ رسمى للمملكة , كان كل شيء جديدا بالنسبة لى , تلك كانت هي البداية , كان فى غاية الادب واللطف كعادة المغاربة , تعددت زياراته لى , عرفت فيما بعد ان الرجل كان من  المقربين جدا من الملك وانه يقوم بتسجيل نشاطاقه اليومية الرسمية والشخصية, واهدانى مجموعة من مؤلفاته التاريخية , ومجموعة من الكتب التى يصدرها بعنوان انبعاث امة عن النشاطات الرسمية للملك , فى كل عام مجلد خاص به , وكانت له كتب اخرى تاريخية عن الوثائق الملكية الخاصة بملوك الملك , وكتاب عن قبائل المغرب , توطدت صلة الصداقة بيننا , كان قليل الكلام يتكلم بهدوء وينصت جيدا وكان قليل الاختلاط مع الاخرين , بعد عام من ذلك اليوم اصبح الصديق الاقرب الي , كان صديقا وفيا , ووقفت اسرته مع اسرتى فى كل المواقف والمناسبات , كنا نتزاور كثيرا ويحدثنى عن كل شيء واحدثه عن كل شيء , ويحضر فى منزلى كل المناسبات الاجتماعية , كان صديقى الدكتور يوسف الكتانى يسألنى باستمرار عن سر تلك الصداقة وبخاصة انه لم يكن اجتماعيا  , كنت الصديق الوحيد له , كان الرجل يكبرنى بعشرين سنة , كنت اعتبره الاخ الاكبر لى  , كان يشرح لى ماكنت بحاجة اليه عن تاريخ المغرب والتقاليد المغربية وكل الشخصيات المغربية , كنت استشيره فيما كنت لا اعلمه فكان ينصحنى وكنت اثق به , استمرت صلتى به مدة ثلاثين سنة , كنت اشعر بمحبته لى ومودته وصدقه , اكتشفت فيما بعد الكثير مما كان يفعله لاجلى فى غيابى وكنت اجد اثره فى كل مكان ,وقد احسن الظن بى وله الفضل فى ذلك ,  كان يعرف عنى كل شيء , واذا سمع شيئا خلاف ماكان يعرفه عنى  كان ينكره , كنت اجد اثاره فى كل مجلس لم اكن فيه , كان منصفا وعاقلا وغيورا علي , كان يتتبع اعمالى العلمية ونشاطاتى الاجتماعية ويسجل كل شيء , اخبرنى انه كان يريد ان يترجم حياتى ويكتب عنى ,وكان يعرف عنى اكثر مما اعرفه , هناك امور لم اكن احسن فهمها , كنت يوما فى احد المجالس الرسمية ودخل الملك وكنت اجلس فى مكان بعيد ونادانى الملك وطلب منى ان اجلس قريبا منه , عندما خرجنا اسرع الاستاذ بنمنصور لكي يقول لى بعد الان لا احد سيقترب منك , قال لى ان الملك كان يريد من تلك اللفت هان يقول لاحد الوزراء من اصحاب النفوذ ان يتوقف عن اي اساءة لك , وقد  اصدر موسوعة بعنوان اعلام المغرب العربي , كنا نتحاور كثيرا فى قضايا علمية وتاريخية , كان يسألنى عن اشياء واسأله وكان يحب ان ينصت لى  وكان يثق بي وكان يقول لى : لم يحصل احد على ماحصلت عليه من محبة المغرب واحترام المغاربة لك  , كنا نقضى اوقاتا طويلة فى بيته على شاطئ الهرهورة فى ضواحي الرباط , ا وفى منزلى , كنا نسافر معا ونحضر الندوات العلمية , كان الاقرب الي من كل الاصدقاء , كان يحدثنى عن كل شيء , كان يملك الكثير من الاخبار والاسرار التى لا يملكها غيره وكان صندوقا مغلقا من الاسرار , احيانا يحدثنى  بطريقة عفوية او باشارة معبرة  , كان قريب الصلة بالملك ويرافقه فى كل اسفاره وتنقلاته لكي يسجل ذلك , التقينا معا فى رحاب الاكاديمية المغربية لمدة عشرين سنة , كان الاقرب الي من كل الاخرين , والتقينا فيما بعد فى عضوية المجمع الملكى فى الاردن , وطلب منى الدكتور ناصر الدين الاسد رئيس المجمع ان القى كلمة الترحيب به فى المجمع , وعندما اقامت جامعة الحسن الثانى فى الدار البيضاء ندوة تكريمية القيت فيها كلمة عنه وهي مسجلة فى اعمال تلك الندوة , تحدثت فيها عن شخصيته وعما اعرفه عنه , اشعر اننى مدين لكثير من الاصدقاء المغاربة الذين احسنوا الظن بى , لقد خدم مع ملوك ثلاثة هم  محمد الخامس والحسن الثانى ومحمد السادس , امضى اكثر من خمسين سنة , كان المؤرخ الرسمى للمملكة ومديرا للوثائق الملكية ومحافظا للضريح , كان الملك الحسن الثانى يكلفه بمهمات خاصة , وكان قريبا منه , احيانا كان يبلغنى رسالة من الملك الحسن الثانى ,  وكان الملك يعرف صلته بى , واحيانا يستفسره عنى فى امر , مما كان يثير انتباهي فيه انه كان يريد ان يسجل كل شيء عن حياتى , كان محيا ودودا وفيا , عندما انتقل الى رحاب الله عرفت فيما بعد فضله والاثر الايجابي الكبير الذى تركه فى نفوس مجتمعه , جزاه الله خيرا , كان من الشخصيات المغربية التى تستحق التقدير ..  

( الزيارات : 103 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *