محنة ابن رشد الفقيه.

كلمات مضيئة..زمحنة ابن رشد الفقيه
كنت اتساءل باستمرار عن اسباب محنة ابن رشد الحفيد صاحب كتاب بداية المجتهد وهو من اهم الكتب الفقهية , كنت معجبا بابن رشد الفقيه من خلال كتابه هذا الذى كنت ارجع اليه باسمتمرار واحتفظ به فى مكتبتى الخاصة , كان يعجبنى منهجه فى الكتابة الفقهية , كان ينطلق من منطلق الدليل ثم يبين اراء الفقهاء وسبب اختلافهم فيما ذهبوا اليه وكان يبين سبب الاختلاف , كان مالكي المذهب ولكنه كان يعرض لاراء كل الفقهاء ويبين دليل كل مذهب او طائفة , وهو منهج جامع للفقه مبين رأي كل طائفة او مذهب , ثم يحاول الترجيح بين ما يراه اقرب للدليل , وكنت اتساءل لما ذا لا نذهب الى ما ذهب اليه من التقريب بين الاراء الفقهية والجمع بينها فى اطار الفقه الاسلامى , وكنت اشرفت على اطروحة دكتوراه لاحد طلابى وهو عالم متميز ومتمكن من الفقه المالكى وهو الدكتور احمد العمرانى الاستاذ اليوم بدار الحديث الحسنية , وقد اعد اطروحة مهمة بعنوان اختيارات ابن رشد الفقهية فى كتابه بداية المجتهد , وقد طبع هذا البحث وفيه دراسة علمية وفقهية جادة عن منهجية ابن رشد , وكنت اتمنى ان نستفيد من هذه المنهجية الجامعة للتقريب بين المذاهب الفقهية المختلفة , الفقه الاسلامى هو ماكان من اراء الفقهاء وما سيكون , وهو جهد علمي متجدد ولا يتوقف وكل جيل يضيف اليه ما يراه من قضاياه , وكل منهج متأثر بمجتمعه وعصره ويعبر عن اختلاف المناهج فيما ترجح لها انه الاقرب الى الدليل , كنت احترم كل رأي فقهي يعتمد صاحبه على الدليل , العالم هو الباحث عن الحق من غير تعصب لمذهب , و لا يمكننا ان ننكر ان لكل مجتمع خصوصياته ومطالبه , والعلم يجب ان يحترم وكل من ادلى بدليل فيجب الانصات له , الفقه هو الفهم وهو جهد عقلي يعتمد على حسن الاستنباط ودقة الفهم , وهذا امر لا يملكه الا من كان يملك ملكة الفهم وهم قلة , وتحتاج الملكة الفقهية الى شرطين حسن العلم والتكوين ومعرفة الادلة وادوات الفهم والتخصص فيما يحتاج الى تخصص , فلا يجتهد احد في غير ما اختص به , وهناك شرط اخر وهو الموهبة الذاتية والاستعداد الذهنى الفطرى الذي ينمو ويكبر , وهناك من لا يملك ملكة الاستنباط الفقهي ولو كان عالما او كثير الحفظ , الرواية لا تعنى حسن الدراية , كان ابن رشد فيلسوفا متميزا بعلم الفلسفة وهو من ابرز فلاسفة الاسلام , وكانت له شخصية الفقيه وهو حفيد لجده عالم قرطبة ابن رشد صاحب المقدمات وهو سليل اسرة اشتهرت بالفقه والقضاء فى قرطبة , وقد تميز ابن رشد الحفيد بدراسة فلسفة اليونان وشرح افكار ارسطو المعلم الاول وقد ابدع ابن رشد فيما كتبه عن الفلسفة , وهو الاول فى تاريخ الفلسفة الاسلامية , وتولى اكبر المناصب السلطانية وتولى القضاء وحظى بمكانة كبيرة فى عصره لدى ملوك قرطبة , وكانت كتب ابن رشد فى الفلسفة تدرس فى الجامعات الاوربية , ومن ابرز اعماله العلمية كتابه الذى فند فيه اراء الامام الغزالى تهافت الفلسفة , وكان الغزالى قد رد على الفلاسفة واعتبر بعض ارائهم تدعو الى الكفر ومنها قولهم بقدم العالم وان الله يعلم الكليات ولا يعلم الجزئيات وقولهم فى البعث , رد ابن رشد على الغزالى فى كتاب سماه تهافت التهافت , وانتقد الغزالى واتهمه بالسذاجة , ونظرا لمكانته الكبيرة فى مجتمعه ولدى الملوك فقد اجتمع عليه اعاؤه وحساده ونسبوا اليه من الاقوال والافكار الفلسفية ما جعل السلطان الذى كان يحبه ويقربه فى مجالسه ان يغضب عليه ويطرده وينفيه الى مدينة بعيدة منعزلة , واستمر اكثر من عام فيها معتزلا ومنبوذا من العامة الذين ابغضوه واتهموه بالزندقة والضلال , ويروى عنه انه لما اراد ان يدخل الى المسجد لصلاة الجمعة طرده المصلون من المسجد واخرجوه وعاد الى عزلته التى جعلته يتفرغ للعلم والتاليف , تلك محنة ابن رشد , ما اقسى ماكان الجهل يفعله بكثير من العلماء الكبار , هناك الكثير من المحن التى امتحن بها العلماء , ومعظمها بسبب الكيد لهم والاساءة من حسادهم , احيانا بسبب ارائهم واحيانا بسبب مواقفهم السياسية ,
كنت كثير التأمل فى محنة ابن رشد وهناك محن كثيرة اشد منها واقسى , ما احوجنا الى ان نحترم حرية الفكر ونلتمس العذر لرموزه لكي يحظوا باحترام مجتمعهم , ما زال مجتمعنا يعانى من هذه الظاهرة فى التضييق على حرية الفكر , هذه محنة المجتمعات المتخلفة التى يتحكم في امرها اصحاب الاهواء والمصالح الذين يشوهون صورة من خالفهم او من تصدي لهم , تلك هي محنة السابقين وما زالت هي محنة اللاحقين من اعلام الفكر والثقافة ..
( الزيارات : 161 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *