ميزان المعرفة

كلمات مضيئة..ميزان المعرفة

كنت افرق بين نوعين من المعرفة , هناك المعرفة الناتجة عن العلم , وهي المعرفة التى ارتبط بها التكليف الشرعي , واداة الفهم فيها هو العقل , والعقل يملك القدرة على التييز بين الاشياء من حيث الصحة والفساد , والعلوم النقلية تخضع لمعايير عقلية يمكن ادراكها ومعرفة صحيحها, والعقل هو اداة فهم النقل بحسن فهم الدلالات اللغوية والمقاصد الشرعية , ولا يعتد بما يخالفها من المعايير والمفاهيم  اذا تناقضت معها او اختلفت عنها وهذا هو معيار التفاضل , وهذا هو منهج اهل العلم والتقوى معا , العقل هو المخاطب , وناقص العقل ليس مخاطبا ولا مكلفا  بحسب المعايير الشرعية المدركة , والاحكام الظاهرة تخضع لمقاييس مدركة  بالعقل , وهذه المعرفة عامة ويمكن الثقة بها بما تؤدى اليه من النتائج , ومن تجاوزها فقد اخطا الطريق وكان عرضة للضلال  ولو كان صادقا , ولهذا يجب الالتزام بكامل الاحكام الشرعية وعدم الخروج عنها او تجاوزها بادعاء الباطن والباطن بحر لا شاطئ له وهم خارج الاسوار , وهذه المعرفة العقلية تدرك بالحس وتتفاوت العقول فىما تملكه من القدرات على الفهم , لا شيء من المعرفة خارج الاسوار العقلية والشرعية وهي اسوار غايتها التحصين ومنع انزلاقات الاهواء وعبث المطامع  التى تعبث بكل المفاهيم وتجعلها مطايا للوصول الى المصالح الدنيوية باسم الدين حينا وبادعاء التقوى حينا اخر  , وكل ما جاء الدليل  النقلى به عند ثبوته  فلا خروج عنه ولا تجاوز لظاهر دلالته الا بدليل راجح , والعلوم الشرعية اما ان تكون اصولا او فروعا , فماكان من الاصول فيبحث عن ثبوته اولا ودلالته ثانيا , وهما امران شاقان  ولهذا وقع الاختلاف فى الطريق اليهما , ولا بد من التثبت فيما يتعلق بالنقليات , واليقين او ما يقرب منه  شرط لقبول الدليل , ولا يحتج بدليل  الا ان يترجح ثبوته وما وقع الشك فيه فلايحتج به فى مواجهة دليل اقوى منه ,  وينظر فى السند والمتن معا ليكون بهما الترجيح , والمرويات كثيرة وكلما كان الحرص على الدليل ارتقت معايير القبول  نحو الاكمل والاثبت  , وما زالت المرويات تحتاج الى جهد يضاف الى جهد الاولين , وهو جهد جماعى لا ينفرد به فرد ولا تتحكم فيه الاهواء والمصالح , ولا ثقة بالجهد الفردى لان احتمالات الخطأ فيه اكبر , والمراجعات النقدية  منهج علمى للتصحيح  متجدد لا يتوقف بحثا عن اليقين , للتوصل الى ماوجب الاخذ به من الادلة , والجهد المتردد لا يقوى على مواجهة الفوضى  فى مناهج الاختلاف , ولا بد لنا من الانتقال من مرحلة العمل الفردى  الى العمل الجماعى  المنظم والعاقل للخروج من ظاهرة تحكم الاهواء ولو استقامت , فالرؤية الفردية لا تخرج عن الفردية ولو استقام اصحابها , وليس كل من استقام سلوكه استقام فهمه , وحسن النية لا يكفى لحسن الفهم , الفهم موهبة وعطاء , وهناك من الصالحين من ضاقت رؤيته وكان بعيدا عن فهم المقاصد والمصالح , وهي المرجوة وبها تدرك الحكمة , حسن الرواية لاتعنى حسن الفهم , وما يحسنه كل من المحدث والفقيه لا يحسنه الاخر , المحدث يهتم بالثبوت اما الدلالة فتحتاج الى امرين موهبة الفهم والعلم بادوات العلم من اللغة وفهم اصول الدلالات والمقاصد  والمصالح , وقلة من اهل العلم يحسن ذلك , كل عالم اختصاصه لا يتجاوزه , فان تجاوزه كانت الفوضى حتمية , وهذه هي محنة التخلف عندما تتداخل الاختصاصات العلمية ويسند الامر لغير اهله , ومانراه اليوم من الفوضى العلمية هي ثمرة ذلك , العلم يحتاج الى تقوى ولكن التقوى ليست هي العلم ولاتغني عنه , وليس كل من ادعى العلم يصدق فيما ادعاه , وعندما يصبح العلم مهنة معاشية يخضع اهله  للمقاييس  التى تقاس بها الاهليات والكفاءات , العلم لا يعنى التقوى , والتقوى لا تغني عن العلم , التقوى مطلوبة للعالم لكي تقع الثقة به , اما التقوى فلا تعنى سوى التقوى , ويمكن لجاهل ان يكون تقيا , فالجهل هو نقيض العلم , اما التقوى فهي صفة مطلوبة فى العالم والجاهل معا , والتقوى مطلوبة فى التاجر والعامل والمزارع والسياسي وكل صاحب مهنة , والتقوى نقيض السفه , فالتقى لا يكون سفيها والسفيه لا يكون تقيا , التقوى تعنى الاستقامة والابتعاد عن كل وصف لا يحبه الله , التقوى هي محبة الله ومحبة الخير وعمل الاحسان  والالتزام بكل الاوصاف المحمودة والابتعاد عن كل الاوصاف المذمومة , لا بد من اعتماد الجهد العلمى المنظم  وهو اكثر ضمانة , ولكنه يحتاج الى شجاعة ناتجة عن القناعة تقتحم الابواب الموصدة بجهد جماعى لامصلحة فيه يراد به الحق , لا يأبه بمن يخالفه  من اصحاب السلطة والمال  ممن جعلوا الحق مطية لما يريدون , ومن اراد الله تعالى بعمله يسير ولا يتوقف , ولا تستهويه استمالة العوام  بادعاء التقوى والصلاح  , ماكان من الاصول فيجب احترامه وعدم تجاوزه الا باصول ترجيحية اكثر ثبوتا واوضح دلالة  , اما الفروع فكل ما استنتج من الاصول دلالة عقلية مباشرة او دلالة ايمائية محتملة المعنى ولاتعارض اصلا , ويمكن ان تكون معرفة عقلية منطقية قياسية ولا حدود لقدرات العقل على التوليد والالحاق بما يكون منسجما مع الاصل ولا يناقضه فى مقاصده ويحقق هدفا من اهدافه , ولا حدود لقدرات العقل على الفهم فيما هو مخاطب به , وتجب الثقة بالعقل لانه المخاطب وهو مظنة الفهم للخطاب التكليفى , وماترفضه العقول فلا يمكن القول به باحتمال الظن فيه , والعقل عندما يتحرر من الاهواء يدرك الكثير مما اراده الله للانسان من المصالح التى لا تستقيم الحياة الا بها , العقل الانسانى يدرك الاشياء بنور الله الذى اودعه الله فيه , ولا ينفصل العقل عن مصادره واهمها الحواس اولا والقلب هو المصدر الايمانى والروحي الذى  يمد العقل  بفهم ما يريده الله من الانسان , العقل بكل مصادر معرفته هو الذى يقود الانسان الى الطريق  الذى تهديه الى البحث عن اسباب حياته المادية والروحية , ويحتاج العقل الى غذاء روحي متجدد لكي يواجه به غرائزه الفطرية الجامحة التى قد تغلبه على امره وتبعده عن حقيقته الانسانية , مهمة التغذية الايمانية انها تنمى قوة الخير والمعانى الانسانية التى تجعل الانسان اكثر رحمة واصدق عاطفة واقل شرا وحقدا , العقل عصمة وتجب الثقة به , وهو كالصفحة البيضاء يكتب فيها ما يعبر عن كاتبها , وعقول الاطفال اكثر صفاء ا واستعدادا للخير ثم تنمو لديهم مشاعر الانانية وعندما يشعرون بالظلم يحقدون ,  اما العلوم غير الشرعية فطريقها العقل والتجربة الانسانية , وما ثبت من المعارف عن طريق العقل والتجربة فيعتد به , لان الثقة بالعقل لا تتجزأ , الى ان يقوم دليل عقلى اقوى منه , المعرفة العقلية هي اقدر على ادراك المصالح وفهم المقاصد , وماترجح انه الحق فيعتد به , وهذا هو معنى التكليف , ولكل باحث عن الحق نصيب من الحق بشرط انتفاء الاهواء والاغراض , المعرفة العقلية تحترم لانها ثمرة جهد الانسان مالم تتجاهل اصلا من اصول الايمان , كنت احترم المعرفة الناتجة عن رؤيةعقلية , ويجب ان نحسن الظن فيما اتجهت اليه تلك المعرفة من تفسيرات وتاويلات , ومن الجهل ان نفترض التناقض بين الدين والمعرفة العقلية الناتجة عن العلم والتجربة الانسانية , كل ماثبت لدينا عن طريق التجربة فهو يقين الى ان يثبث نقيضه عن طريق العلم , ما نراه هو يقين وهذا يكفى , وليس من الضرورى ان يكون يقينا مطلقا , اليقين النسبي كاليقين المطلق  فى قوته , اليقين العقلى الناتج عن التجربة هو ما يحتاجه الانسان , المعرفة العلمية الناتجة عن العقل  هي التى يحتاجها الانسان وبها يكون التكليف , ولا تكليف خارج المعايير العقلية , مالا تراه العقول ليس معناه انه غير موجود ولكن الانسان لا يكلف به , وهو من الغيب الذى يؤمن به الانسان , مستوى التكليف هو ما يخضع للادراك العقلى , وما تدركه العقول هو القليل القليل مما فى الكون من المعارف والاسرار , كل انسان مكلف بما اودعه الله فيه من القدرات , وكل انسان يملك القوة التى اوجدها الله فيه والطاقات وخوارق العادات هي ناتجة عن قدرات لاصحابها تدل على عظمة الخالق وليس المخلوق , وهي امور محتملة وليست هي خارج الاسباب  , لكل شيء مما خلقه الله من الاكوان ومما اختصت به تلك الاكوان خصوصية وطاقة , لا شيء لا يؤدى مهمته والغرض الذى خلقه الله له , من الاحياء والجمادات , ولكل من الاحياء خصوصية لا يتجاوزها بما اودعه الله فيه ,  ومن الغباء المطلق ان نتوهم الارض هي كل مافى الكون , وان الانسان هو كل ماخلقه الله , سر الله فى كل خلقه , والانسان واحد من خلق الله , وكل شيء مسخر له وهو مسخر لكل شيء , وسر الله يتجلى فى كل خلقه  والكل مكلف بالتكليف الذى يلائمه , ولكل شيء فى الكون سره الخاص به , واذا كنا نعرف القليل عن الانسان فمن المؤكد ان معرفتنا بسائر الموجودات من الجمادات والنباتات والحيوانات اقل بكثير  , لا احد يدرك من الكون الا بمقدار ما هو مسخر له لقوام الحياة ,

اما المعرفة الذوقية الناتجة عن احوال نفسية خاصة ومجاهدات روحية فهي معرفة خاصة بصاحبها وتعبر عما يراه ويشعر به , ترتقى  حينا وتنحدرحينا اخر  , احيانا تكون صادقة  والصادق فيها قليل  وهم الذين لا يتكلفونها ولا يدعونها  لانفسهم  ويكونون عن  مظاهرها  معرضين  , واحيانا تكون متوهمة  ومتكلفة ويدعيها من ليس من اهلها تقربا للعامة  بما يحبون منها , وهي حق لصاحبها ولمن شعر بها  وكل مكلف مسؤول  عما يصدر عنه فان احسن فله ثمرة احسانه ومن اساء فينسب فعله اليه , ولا سلطان لاحد على اصحابها فيما شعروا به من المشاعر والعواطف والخواطر ولا يعفون من المسؤولية  عند التجاوز لاصل من اصول العقيدة او الشريعة , ولهم حق التفسير والتاويل فيما يمكن ان يستفاد من النصوص والمبالغات ليست محببة والشطحات ليست محمودة ولو فى حدود التاويل , لا احد يمنع من التامل وان يعيش تجربته الروحية كما يحس بها وان يعبر عما يشعر به او يسجله , ولكل صاحب تجربة تاملاته  الخاصة , وكل ما قاده الى الله فهو محمود , لا احد ينكر عالم الروح والقوة الروحية الكامنة فى  القلب  , وهناك من يصل اليها عن طريق الجود الالهي الى يكرم الله به من شاء من عباده , ومعظم الصادقين هم ممن اتاهم الله من فضله من حسن الفهم ما جعلهم اعمق فهما واكثر صفاءا , وهناك فريق يتجهون الى المجاهدات الروحية والرياضات النفسية والعزلة والخلوة طلبا للصفاء الروحي والخروج عن مالوف العادات والزهد فى الدنيا والتعلق بالاخرة ومحاولة محاسبة النفس واضعاف حموح الغرائز الشهوانية والغضبية وفطم النفس عن كل ما تشتهيه من الدنيا , ومن الطبيعى ان تكون لهؤلاء  احوال من التجربة الروحية تعينهم على  التطلع الى الكمال  , الصادقون من هؤلاء كانوا رموزا للكمال فيما تركوه من اثارهم , ومنهم ائمة اعلام  يستحقون  ان يستفاد منهم , وهناك مالا يستحق ان يذكر ممن تركوا تراثا لا يضيف شيئا , واحيانا تكون واضحة التكلف  ساذجة الدلالة لاتعبر عن قيمة روحية ولاتضيف شيئا الى التراث الروحي المعبر عن قيم ايمانية راقية الدلالة  عميقة المعانى  , هذه المعرفة اذا قادت اصحابها الى الله وكانوا بها اكثر صفاءا ورحمة واقل انانية وغفلة فتحترم كخصوصية روحية ذات قيم انسانية , واهمها عمق الاحساس بالوجود والشعور بالنور الالهي وادراك الحكمة والابداع الالهي فى التنوع والتعدد , اليس من حق الانسان  ان تكون له تجربته الخاصة به , اليس هو جزء من هذا الوجود , وان يعبر عن مشاعره الداخلية , لا احد يملك الحق فى التعبير , الا يعبر الشاعر عما فى داخله من خلال صور شعرية و الا يعبر الفنان عن مشاعره من خلال لوحات يرسمها كما تصورها ,  لا احد لا يملك خصوصيته , هناك من يهتم بالامور المادية من سلطة ومال وهناك من يعبر من خلال الرسم والكتابة , كل واحد يقدم ما لديه , هناك من يعبر عن احساسه من خلال الموسيقى , التجربة الصوفية تجربة روحية عميقة الدلالة , وهناك الكثير ممن يشعر بجمالها ورقيها وحاجته اليها , هناك من ينكر على الاخرين خصوصيتهم  فيما اعدهم الله له , كل الرموز الصوفية كانت لهم  خصوصيات واضافات , وهناك من تعنيه تلك الخصوصيات الروحية , لا احد لا يمكنه ان يعجب بتراث مولانا جلال الدين الرومى  فى المحبة والعشق الالهي , انها نظرة جديدة الى الحياة , عندما تاملت ماكتبه فى قواعد العشق الاربعين  كنت اشعر بمتعة كبيرة وانا اتتبع افكاره ونظرته الى الحياة , فهم عميق ومعرفة مختلفة عما اعتدنا عليه اذا اثمرت ازهارا فكل الازهار محببة , وان اثمرت اشواكا مؤذية فيجب ان تقتلع من جذورها , لانها تعبر عن مشاعر مرضية , وليست كل معرفة ذوقية مذمومة , فمن حق الانسان ان تكون له خصوصيته النفسية والروحية , ليس كل شيء تدركه العقول من المعارف , قدرات الانسان الروحية لا تحدها حدود , ولا يمكن ان ننكر على الانسان اشواقه الروحية الى العالم العلوي , ليس من مهمة العقول ان توقف سريان الضوء فى القلوب المتطلعة الى الله , من حق كل انسان ان يرى الكون كما يراه بنفسه وكما يشعر به , مالا تراه الاعين لا يعنى انه غير موجود , لاحدود للمعرفة الذوقية وهي حق لصاحبها لاتتعداه , وهي نسبية وشخصية , الاحوال الروحية ليست وهما ولا خيالا , وهذه المعرفة تدرك باثارها , من توهمها دفعته الى طريق الضلال , وهي كالخواطر ولا احد يحاسب على خواطره المذمومة الا اذا دفعته الى سلوك مذموم , وعندئذ يؤخذ بما صدر عنه , وبهذا الميزان يمكننا الحكم على الافكار من خلال اثارها , ليست نظرة الماديين وحدها هي الحق , فيما كان من خصوصية الانسان ويعبر عنه فهو من حقوقه المشروعة , اهل الشطحات ملزمون بما يقولون ويدعون , حرية التعبير حق , ليس لدينا ما يبرر لنا محاسبة من ادعى شيئا لنفسه الا ان يكون متجاوزا حقا او معتديا , من جاءنا بجديد من   المعانى والمفاهيم التى تغذى الايمان بالله ومحبة الخير فلا يمكن الانكار عليه فيما انفرد به , الحياة تتجدد بجهد العقول حينا وترتقي حينا اخر باضافات روحية ذات مرجعية ذوقية ناتجة عن فهم اعمق للحياة , الانسان هو المخاطب والمؤتمن , ولا احد اولى من احد بفهم ما خاطب الله به الانسان , لا شيء مما اختص به الانسان من الملكات والقدرات خارج الحكمة الالهية , دعوا الانسان يحلق ويطل على الحياة من السماء , من اكرمه الله بشيء من حسن الفهم فهذا فضل من الله يؤتيه لمن شاء  ويحجبه عمن شاء

( الزيارات : 50 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *