الصحبة.. بدايات وتاملات وذكريات

البداية:

عرفت الشيخ رحمه الله في طفولتي الأولى… لا أدري متى تم ذلك، كما لا أدري متى عرفت أبي وأمي وإخوتي.. كانوا جزءاً من حياتي الأولى، وهم يبتسمون… وانمحت تلك الذكريات ولم يبق إلا القليل.

أذكر ذلك الشيخ الوقور.. بملامحه المهيبة يدخل بيتنا، يقف الجميع له احتراماً وإجلالاً، كنت أحبه وأهابه، أحبه لأنه يحبني ويلاطفني ويبتسم لي وأهابه لأن الكل يهابه…

أناديه بدلع «جدو» كان يبتسم لي… يجلسني في حضنه أو يمسك بيدي، أو يطعمني قطعة حلوى، انمحت تلك الصور من ذاكرتي، لم يبق منها إلا القليل.

صورة واحدة بقيت… لا أدري لماذا بقيت ولم تمحِ، وهي الصورة الأقسى في حياتي عندما رأيت نظراته الحزينة تحدق بي، أداعبه فلا يستجيب لي، وأضحك له فلا يضحك لي.. رأيت دموع أبي ودموع نساء الأسرة… وهي تتساقط على الخدود بغزارة….

حزنت ولا أعرف لماذا أحزن… ؟ وبكيت ولا أعرف لماذا أبكي ؟ كان الكل ينظر إلي.. أخافتني نظراتهم الحزينة وأدهشتني دموعهم السخية…. كانت أمي غائبة عن ذلك اللقاء العائلي.. وما كان لها أن تغيب، لو رأيتها بعد ذلك اليوم لعاتبتها، سأقول لها: لماذا تركتني وحيداً في ذلك المساء، وما اعتادت أن تفعل ذلك.

وانتظرتها طويلاً ولم تعد… ونمت حزيناً.. ولما استيقظت لم أجدها تعد لي طعام الإفطار كما اعتادت أن تفعل… رأيت الرجل المهيب يأخذ بيدي يمسح دموعي ويلا عبني…

شكوت له أمي التي لم تَعُدْ من زيارة أهلها.. وعدتني أن تعود فلم تفعل.. طلبت منه أن يأخذني إليها لأنني أحبها..

منذ ذلك اليوم بدأت علاقة جديدة مع جدي الرجل المهيب الذي أصبح قريباً مني وصديقاً ورفيقاً، فلم أعد أخافه أو أهابه. كنت ألعب معه، وأذهب معه إلى السوق، وأجلس في حضنه.

كنت في الخامسة من عمري، وكان جدي في الخامسة والأربعين، وبدأت الصداقة بين الجد والحفيد منذ تلك الأمسية الحزينة التي انطفأت فيها شعلة الحياة في أسرتنا الصغيرة، ورحلت أمي ولم تعد… لقد اختطفها الموت في تلك الليلة الحزينة….

لم أحزن على أمي… ولم أكن أدري معنى الموت.. ولما عرفت معنى الموت وما يعنيه غياب الأم حزنت الحزن الذي يزداد ألمه كلما امتدت أيامه.

ذات مساء امتلأ فناء الدار الواسع بأطفال الأسرة يلعبون ويضحكون ويتدافعون، ووقفت بعيداً عنهم أتأمل ملامحهم لا أضحك كما يضحكون، ينادونني أن أشاركهم ألعابهم فلا أجيبهم، رأيت «جدي» خلف زجاج النافذة يتأملني، أشار إلي أن أذهب إليه. كنت شارداً حزيناً، جاء إلي وأمسك بيدي، وقال لي: لم لا تلعب مع الأطفال…

قلت له: أريد أمي أن تمسك بيدي، كما تمسك الأمهات بأيدي أطفالهن… وانهمرت الدموع من عيني كما انهمرت من عينيه.

قال لي: ألا تريد أن أكون كأمك أمسك بيديك عندما تلعب وتكون صديقي وصاحبي، وقادني برفق وحنان إلى غرفته، وأخذ يحدثني كما يحدث الصديق صديقه، وبدأ يصحبني معه في كل زياراته وأسفاره وأحضر معه كل مجالسه…

كبرت بسرعة.. لم ألعب مع الأطفال في الشوارع، ولم أصادق زملائي في المدرسة، لم ألعب كرة القدم في النوادي الرياضية. كان أصدقائي هم أصدقاء الجد، أحضر مجالسهم، وأسمع أحاديثهم، وأرى نفسي كبير السن مثلهم… كان هذا يرضي كبريائي، ويسعدني ويشعرني بالمكانة والمنزلة الرفيعة.

كان يسعدني أن أرى نفسي كبير المنزلة في الأسرة، كنت صديق الجد صاحب الكلمة النافذة، والشخصية المهابة، وكنت أتوسط لأصحاب الحاجات، فيستجيب الجد لوساطتي، فما أريده يكون بفضل محبة الجد ورعايته لأمري…

الجد والحفيد:

لم أُغضب «جدي» في أمر من الأمور، ولم يغضبني قط، ما يريده مني أفعله طائعاً مختاراً، وما لا يريده لا أفعله مختاراً إرضاءً له، فكان بالنسبة لي هو الجد الذي أُحبُه، وكنت بالنسة له الحفيد الذي يحبه.

كان هناك شيء أكبر من العلاقة العاطفية المألوفة بين الجد والحفيد، شيء ما لا أعرف حقيقته، يشدني إليه ويشده إلي، أشعر أنه قريب مني، كنت سعيداً بهذه العلاقة والصداقة… في السابعة من عمري أدخلني الكتاب القرآني لكي أتعلم القرآن ومبادىء القراءة والكتابة عند حافظ كتاب الله الشيخ بشير الحداد، في حي باب الحديد، كان الشيخ يعتني بي عناية فائقة، وهو من إخوان الجد، كان يعلمني قراءة القرآن والكتابة والخط، ولم يدخلني جدي الروضة أو المدرسة الحكومية، ولم اعترض على اختياره، كنت على يقين أن اختياره هو أفضل من اختياري، وهو سيختار لي الأفضل، إذ لم يكن يحب المدرسة الحكومية بل يريد أن أدرس في الكتاب القرآني لحفظ القرآن، ثم نقلني إلى كتاب قرآني آخر للشيخ الصالح العلامة أديب حسون، وهناك ختمت القرآن وتعلمت مبادىء القراءة والكتابة.. بالإضافة إلى الاهتمام بالأخلاق والتربية الحسنة…

ولما أنهيت حفظ القرآن في الكتاب القرآني انتقلت إلى مدرسة الخالدية في حي العدسات قرب سوق السويقة، وهذه المدرسة خاصة، ومديرها رجل متدين، ويختار لها الأساتذة ممن اشتهروا بالتدين والأخلاق، والتحقت فيها بالصف الثاني الابتدائي، وبسبب تكويني في الكتاب القرآني كنت متفوقاً في القراءة والكتابة، وأمضيت السنة الثانية والثالثة… وانتقلت مباشرة إلى معهد العلوم الشرعية المعروفة بمدرسة الشعبانية، كانت هذه المدرسة تضم كبار علماء مدينة حلب، كان الشيخ سعيداً بالتحاقي بها، كان معظم أساتذتها من أصدقائه، وتعلمت فيها علوم الدين واللغة، ودرست التفسير والحديث والفقه والأصول وعلم النحو والصرف وعلوم اللغة والآداب والعروض والتاريخ والجغرافيا.

وفي الوقت الذي كنت أتابع دراستي في هذا المعهد الشرعي كان الشيخ قد أعد لي مدرسة خاصة في الكلتاوية لمدة ثلاثة أشهر في الصيف، وكان هناك برنامج يومي متواصل أتابع فيه دراستي الخاصة على يد أساتذة مختصين، في مختلف العلوم، كانوا يعكفون على تدريسي مواد النحو والفقه والحساب والأصول والخط واللغة…

كان الشيخ يتابع كل ذلك، ويشجعني عليه، ويستفسر الأساتذة عن دراستي ومتابعتي، كنت سعيداً بهذه الدراسة أكثر من سعادتي بدراسة المعهد، فهذه الدراسة خاصة بي، وتتيح لي الفرصة أن أتحكم في برامج الدراسة، فما أريده يكون، وما لا أريده لا يكون، وهذه الدراسة تشعرني بذاتي..

وفي الوقت ذاته كان الشيخ يشجعني على حفظ القرآن الكريم وحفظ بعض الأحاديث النبوية، كما يشجعني على حفظ المتون وألفية ابن مالك والحكم العطائية، ويخصص لي حوافز تشجيعية، وعند المساء اسمعه ما حفظته في ذلك اليوم. ويسلمني المكافأة المالية المخصصة.

كنت أحفظ الكثير بسرعة، ولكنني كنت أنسى بسرعة أيضاً، كنت أقلب كتب الشيخ في مكتبته الخاصة، التي كانت تضم أمهات كتب التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة، وكان يفرح عندما كان يراني أقلب في الكتب واستخرج ما أريد قراءته، فيساعدني على الاختيار، ويشرح لي خصائص كل كتاب….

المرشد والمربي:

منذ طفولتي علمني قدسية العلم ومكانة العلماء، وحبّب إليّ الكتب والقراءة، وعندما كنت أسأله سؤالاً في العلم كان يجلسني إلى جانبه ويشرح لي الجواب بطريقة ميسرة ومحببة.

وبفضل تشجيعه المستمر لي حبب إلي العلم وكرهني في الجهل، وحذرني من علماء السوء الذين يتاجرون بعلمهم للتقرب من أصحاب السلطة والنفوذ، أو الذين يتملقون العامة بالتقرب إليهم بما يرضيهم، وكان يحدثني عن ثمرات العلم وأهم ثمراته العمل به، فمن لم يعمل بما علم فلا فائدة من علمه، وعلمه حجّة عليه، ويقول لي تعلم كل شيء، فالعلم بالشيء خير من الجهل به، ولكن لا تستخدم العلم فيما هو ضار أو غير مفيد.

كان من عادة الشيخ أن يسألني: ماذا درست هذا اليوم، فأجيبه بما درست، فيناقشني، ويسألني، فإذا قلت له: درست «الفقه، قال لي: ما حقيقة الفقه… ومن هم الفقهاء، وكيف يمكن للإنسان أن يكون فقيهاً..؟

ومما كان يحذرني منه الجدل، والجدل هو محاولة التغلب على الآخر «بقصد الانتصار للذات»، وهو صفة مذمومة، ودليل على غفلة القلوب، فالقلب الطاهر يميل للحق ويكره الجدل، فمن مالت نفسه إلى التغلب ولو بالباطل فهذا من صفات النفس التي تحب الظهور والمكانة في نظر الناس، والجدل يميت القلب لأنه ينمي قوى النفس الغريزية…

كان يقول لي: لابد للعلم من خُلُق، فمن تعلم ولم يتخلق فلا فائدة من علمه، وعلمه حجة عليه، فقد يعذر الجاهل بسبب جهله ولا يعذر العالم، لأنه علم الحق وخالف الحق، فهو مسؤول عن هذه المخالفة، والعلم له نور يضيء، فإذا لم ينشر العلم ضوءه فلا فائدة منه، ويبقى الظلام مخيماً على القلوب، والظلام يحجب النور، وبخاصة إذا كانت القلوب ملوثة.

والاستكبار عن الحق من صفات المنافقين، فالمنافق يعلم الحق إلا أنه لا ينصاع له ولا يستجيب لدعوته، ومن خصائص العلم أنه يعلم صاحبه الالتزام بالحق والخضوع له، وهذا هو العالم الذي يشرق العلم في قلبه نوراً، ولابد للعلم من ثمرة وأهم ثمرات العلم أن يتخلق العالم بالأخلاق المحمودة وأن يترك الأخلاق المذمومة، لأنها قبيحة، والعلم يمكنه من رؤية القبح فيها لكي يتحاشاه.

وكان يحذر من علماء السوء، وهم الذين يتعلمون العلم للتكسب به، وليس للعمل به فمن تعلم العلم لكي يكون أداة لمعيشته أذل علمه والعلم ليس أداة للتعيش به، فلا يقبل من العالم أن يكون ذليلاً ولا متملقاً ولا منافقاً، فالعالم رمز للنزاهة والاستقامة والترفع عن الصغائر.

كنت أسمع كل ذلك في كل خطوة، وقلّما كان يمرّ علي يوم لا أسمع فيه كلمة ناصحة مفيدة، ربما لم أكن أستوعب كل ذلك وأحياناً لا أفهم ما تعنيه تلك الكلمات من دلالات، إلا أن من المؤكد أنها كانت تختزن في الذاكرة، كحبات زرع ترمى في الأرض، أو كقطرات مطر تتجمع في أعماق الأرض، أصبحت هذه الكلمات التي أسمعها كل يوم جزءاً من تفكيري وجزءاً من ثقافتي حيث تمثل الرصيد الذي أحتفظ به في ذاكرتي.

وهناك مئات الكلمات هي مصطلحات لمعان معينة، خرجتْ من معناها الأصلي وأصبحتْ لها دلالات معينة، وهذه المصطلحات هي الأرسخ في ذاكرتي، لأنني سمعتها في طفولتي حيث كانت الذاكرة قادرة على الحفظ، واصبحتُ فيما بعد أستخدم هذا الرصيد من الكلمات بمعناها الأول الذي ترسخ في ذهني، فكانت هذه المصطلحات تأتيني عفواً وبطريقة تلقائية، وكنتُ أجد صعوبة فيما بعد لربط هذه الكلمات بمعناها اللغوي الأصلي، ولكل علم مصطلحاته الدالة على المعاني المرادة في ذلك العلم، وعندما تترسخ هذه المصطلحات في الذاكرة تتحكم في اللغة المتداولة….

وبفضل تلك الفترة من حياتي أصبحت المصطلحات المستعملة في الفكر الصوفي جزءاً من ثقافتي العامة، وكنت أفهمها جيداً وبطريقة عفوية، وأستخدمها في مظانها، وربما أثرت في أسلوب كتابتي ولو في مجالات الفكر الإسلامي الحديث….

في تلك الفترة لم تكن القدرة على التأمل كافية للتمييز وذلك لعاملين:

أولاً: لعامل السن حيث يكون الطفل في مرحلة القابلية للأخذ والاقتباس فما تتلقاه النفوس تأنس به ويترسخ فيها من غير جهد.

وثانياً: بسبب الثقة المطلقة بمصدر التوجيه، فقد كان الشيخ بالنسبة لي ليس مجرد الجدّ العزيز الذي تربطني به صلة القرابة، وإنما كان بالنسبة لي هو المربي والمرشد والناصح والموجه، فما أسمعه منه فهو حق لا يحتمل التردد.

وهناك سبب آخر هو لهجة الصدق في المرشد والناصح، وهي لهجة مؤثِّرة، فالكلمة تنتقل بسرعة من المعلم إلى المتعلم وتحدث الأثر المطلوب، لوجود الصدق فيها، والصدق هو العامل الأهم في التأثير، والصدق والإخلاص ركنان مهمان في التربية والتوجيه والإرشاد وسر الإخلاص هو روح الكلمة الناصحة، ولا روح للكلمة التي فقدت معنى الصدق والإخلاص فيها.

والمتعلم في مرحلة التعليم يمر بمرحلة الاستفادة وهي حالة القابلية لاكتساب الجديد من الأفكار والقيم، ومرحلة الاستفادة تتمثل في تحزين المعلومات وتجميعها لكي تكون في الذهن ثم يجري بعد ذلك التأمل في تلك المعلومات، واختيار ما يلائم الإنسان منها. وأهم مرحلة من مراحل الاستفادة هي الطفولة حيث تكون قابليات الأخذ كبيرة، وبخاصة إذا أحب المتعلم معلمه ووثق به، وعندئذ تكون نفس المتعلم مهيأة لقبول كل التوجيهات، والمحبة ضرورية بين المعلم والمتعلم، وإذا أحب المتعلم معلمه وتعلق به كانت النفس مهيأة لقبول كل شيء، وفي ظل الحب يكون كل شيء جميلاً وحسناً ومستحسناً.

أثـر الحـب فـي التربيـة:

وإن أثر الحب واضح في التربية ولابد من الحب في التربية، فالطفل يأخذ كل شيء عمن يحبه، ولا يجد صعوبة في قبول كل شيء، ويشعر بسعادة كبيرة وهو في حال التلقي والاستفادة، لأنه يرى الكمال وتشتاق النفس لذلك الكمال، ولذلك تأخذ بما تراه كاملاً…

وكنت أحب الشيخ حباً حقيقياً، وأجد الكمال فيه بعقلي وعاطفتي، وأحب كل ما يصدر عنه من أفعال من غير تأمل فيها، ومن خصائص الحب أنه يولد قابليات غير محدودة للاستفادة فتقبل النفس على الأخذ بغير حدود.

والحب عاطفة إنسانية رائعة، ولا تستقيم الحياة بغير الحب، ولا تتوهج شعلة السعادة في كيان الإنسان إلا بالحب، فالحب يجعل الحياة جميلة، لأن المحب يعطي، وسعادة الإنسان في العطاء… والعطاء المتبادل هو سر السعادة…

لماذا أحببت الشيخ ؟ هذا سؤال لم أوجهه لنفسي في مرحلة الطفولة، كان من العبث أن أسأل نفسي هذا التساؤل، كنت أحبه وهذا كل ما أعرفه…

هل أحببته لأنه الجدّ الذي يحبه كل أبنائه وأحفاده… أم هل أحببته لأنه يمثل الكمال بالنسبة لي، أم أنني أحببته لأنني أحببت نفسي، وأحببت كل من يحب هذه النفس…

لا أستطيع أن أجيب عن هذا التساؤل، ولا أعرف الجواب ! ربما كل هذه الأسباب صحيحة، أحببته لعاطفة القرابة وأحببته لما وجدت فيه من خصال الكمال والفضيلة، وأحببته لأنني أحب نفسي، وهذه من طبائع النفس البشرية، إنها تحب كل من يحبها، والأطفال تتجلى فيهم هذه الطبيعة، فقد كان حب الشيخ لي حباً متميزاً واضحاً، وكنت سعيداً به..

هذا الحب لم يضعف عندما كبرت وأصحبت أكثر إدراكاً ومعرفة، بل زاد هذا الحب في نفسي، واكتشفت فيما بعد أنني أحببت فيه كماله الذاتي، والعقول عندما تدرك معنى الكمال تزداد تعلقاً به…

هذا الحب المبكر الذي شدني إلى الشيخ كان له تأثير مباشر وكبير في حياتي في تلك الفترة الزمنية التي تعدّ الأهم في حياة الأطفال، لأنها تمثل المنعطف الخطير في حياة الإنسان، بسبب جموح النفس في مرحلة المراهقة، ولابد في الحب من المجانسة وهي شرط في كمال الحب واستمراره، فالإنسان سواء كان صغيراً أو كبيراً يحب من يجانسه في الطبائع والاهتمامات، لأنه يرى فيه صورة ذاته المحبوبة لديه، وهذا مما ينمي علاقة الصداقة والمودة والألفة بين الأفراد، والمجانسة قد تكون مدركة من خلال التقارب في الاهتمامات الظاهرية والأفكار والميول، وقد تكون غير مدركة وغير ظاهرة، فيقع الميل إلى شيء ما أو إلى شخص ما وترتاح النفس لما لا تعلم سره من أنواع العلاقات الإنسانية.

فيقع الإنجذاب القلبي لا لسبب ظاهر مدرك، وإنما لسر خفي يتمثل في تقارب الأرواح وتعارفها وتلاقيها، وهذا هو السر الحقيقي في مشاعر الألفة والصداقة، حيث ينجذب القلب إلى شخص ما بغير سبب ظاهر، ويرتسم في المخيلة صورة ذلك المتخيل المحبوب الذي تتراءى ملامحه بالشكل الذي يتصوره المحب.

والإنسان في الأغلب لا يرى صورة الآخر كما هي في حقيقتها وإنما يراها كما يريد هو أن يراها، فإذا وقع التوافق الروحي رأى الإنسان في الآخر الصورة التي يحبها والتي يرى فيها الكمال والجمال، وإذا وقع التنافر الروحي رأى في الآخر الصورة التي تعبر عن ذلك التنافر وتؤكده، فلا يرى الجمال فيه ولا الكمال.

والإنسان بطبيعته الفطرية وغريزته يحب الكمال ويتعلق به، فلا يحب إلا ما يراه كاملاً ولا ينفر إلا مما يراه ناقصاً، إلا أن مفهوم الكمال ليس واحداً في نظر الناس، بعضهم يرى الكمال في الجمال الحسي الذي يستلذّه الطبع وتميل إليه النفس، وبعضهم الآخر يرى الكمال في حسن الخلق والاستقامة، فإذا رأى حسن الخلق أحبه ولو كان صاحبه قبيح الشكل وإذا رأى صورة السوء كرهه ولو كان صاحبه جميل الشكل..

والأم ترى الكمال في ولدها وترى فيه الجمال، فهي تنظر فيما تراه جميلاً فيه، ولا تنظر فيما تراه قبيحاً، والكمال ليس له صورة واحدة، والحب هو تعلق بالكمال الذي يحبه الإنسان.

والمعلم يحب أن يكون محبوباً، ولا يتأكد الحب إلا بما يراه المتعلم في معلمه من كمال في السلوك والمعرفة والتمسك بكل ما يجسد ذلك الكمال..

رأيت الكمال في الشيخ، ولذلك أحببته، ولم يكن بالإمكان ألا أحبه، أحببته بعاطفتي، الأطفال يحبون بعاطفتهم لأنهم لا يملكون القدرة على التأمل العقلي، والحب بالعاطفة هو الأقوى، لأنه لا تردد فيه، وهو حب أكثر صدقاً، بخلاف الحب العقلي فهو حب متردد، يزداد وينقص، كالإيمان العقلي، أما الإيمان الذوقي فهو أكثر توهجاً، وليس فيه ذلك التردد الذي يعتري أصحاب العقول.

كان الشيخ بالنسبة لي هو المعلم والمربي والمرشد، لم أجد صعوبة في الأخذ عنه والاقتداء به ومحاكاته في أفكاره وسلوكه بسبب تعلقي به، ما ضقت يوماً بما كان يلقيه على سمعي من نصائح وأفكار وتوجيهات، وما تطلعت لصداقة غيره ممن كانوا في مثل سني من الأطفال، وشعرت بقدر من التميز عنهم، كنت أحب أحاديث الكبار واهتماماتهم، ولا تثير اهتمامي القضايا التي كانت تسعد الأطفال عادة…

أستطيع القول بأنني لم أعش طفولتي كما يعيشها الأطفال، لم ألعب كما يلعبون، ولم أقفز في لحظات الانفعال كما يقفزون، ولم اسلك سلوك الأطفال في لحظات الغضب والتمرد.

لا أدري هل كان ذلك شيئاً إيجابياً في حياتي، كل ما أذكره أنني اجتزت تلك المرحلة ولم أندم على طفولتي، ولا أظن أن النظريات التربوية التي عالجت قضايا الطفولة قد أصابت الأهداف المرجوة من التربية، فالتربية أمر نسبي وليست هناك قوانين ثابتة، وليس هناك طريق واحد يمكن اعتباره الطريق الصحيح.

والواقع التربوي شيء يختلف عن النظريات، ولو كانت موثقة بالاختبارات الميدانية والمقاييس المنهجية، وليس هناك ثوابت في السلوكيات الإنسانية، لتداخل العوامل الذاتية والزمان والمكان والمحيط الاجتماعي في توجيه المسارات التربوية، والثابت منها هو الذي يدعمه الواقع ويؤكده.

القابلية للاستفادة:

أهم ما تميزت به تلك الفترة من حياتي هو أنني كنت في موطن القابلية المطلقة وغير المحدودة للأخذ عن الشيخ والاستفادة منه وبخاصة في مجال القيم والأفكار والسلوكيات أحببت ما يحب وكرهت ما يكره، وما زال أثر ذلك في نفسي حتى اليوم، فما كنت أكرهه في تلك الفترة ما زلت حتى الآن لا أستسيغه بسهولة، وأشعر بأثر تلك التربية والتلقين في نفسي…

في الفترة الزمنية اللاحقة للفترة الأولى والتي سافرت فيها إلى دمشق والقاهرة للالتحاق بجامعاتهما، وجدت أثر ذلك التكوين الفكري والتربوي عندما كنت أصطدم بواقع مختلف وأعبر عن ذاتي الأولى من خلال مواقفي الفكرية ورأيت أن أشياء كثيرة قد اختلفت، ولعلي قد اصطدمت بالواقع ورأيته على حقيقته.

على مستوى القيم كان الأمر صعباً، فما تلقيته من الشيخ كان يمثل قمة السمو في المفاهيم، وذلك أفق تربوي من الصعب تلمس آفاقه في عالم الواقع فما كان الشيخ يدعو إليه يختلف كلياً عن تلك المفاهيم.

لم تكن قدراتي الفكرية الأولى تمكنني من إيجاد ذلك التوازن بين عالم الشيخ بآفاقه الروحية وعالم الواقع كما هو في حقيقة الأمر، عالم الشيخ كان متفرداً ومتميزاً بوجود تلك اللحمة بين الفكرة والواقع، بين الدعوة والتطبيق، فالزهد في عالم الشيخ هو زهد حقيقي يتمثل في الإعراض بالقلب عن الانشغال بالدنيا، والعبادة تواصل متجدد بين الله والعبد، والمال أداة لخدمة الإنسان وتوفير أسباب استمراره ووجوده والصداقة مشاركة ومسؤولية ولا تكلف فيها.

والإنسان في عالم الشيخ مكرم ومحترم بسبب إنسانيته والأفضل هو الأتقى والأصفى، في هذا العالم لم أجد النفاق والتملق للأقوى ولصاحب السلطة، فالسلطة أمر مزهود فيه ولا وجود لذلك الشعور المتكلف بالتقرب من رموز السلطة.

هذا ما رأيته في عالم الشيخ، أو ما يدعو إليه الشيخ، مجتمع متحرر من القيود الظاهرة، متحرر من التعلقات المذلة، متحرر من السلوكيات المتكلفة، على الأقل خلال مجالس الشيخ، ولو ساعة من الزمان في يوم أو أسبوع، وساعة تكفي لتزويد النفس بهواء نظيف، حتى إذا ما طلع شمس يوم جديد عاد الكل إلى عمله وكأن شيئاً لم يكن، إلا بقايا ذلك المجلس، ذكريات ونسمات، تعطي إشراقه حلوة لملامح الوجوه.

لم يكن الشيخ يريد أكثر من ذلك الأثر في ترويح النفوس بلحظات مضيئة، لابد إلا أن تنعكس على السلوكيات، ولو بقدر يسير من يقظة القلوب وصلاح خواطرها، من مذموم إلى محمود…

في تلك الطفولة لم أكن أميز بين الأفكار والقيم، كنت بعيداً عن عالم الواقع كما هو، وأعيش في عالم خاص أجد جماله، أحس فيه بدفء مجالسه، والدفء شيء محبب للنفس وعندما تركت مجالس الشيخ وارتحلت طلباً للعلم شعرت بالصقيع والفراغ، كان ذلك أول أثر لذلك الانتقال.

ليست القضايا الروحية مجرد عبث ولهو، ولو كانت كذلك لما بقيت في مواجهة تحديات النزعة المادية الجارفة، إنها شعور قوي دافىء تحس النفس بالحاجة إلى ذلك الشعور وقد تحس بالظمأ إذا ابتعدت عنه، والنفس تشتاق لتلك الرحلة من المادة إلى الروح، ومن المحسوس إلى عالم الصفاء الذي تشرق أنواره في القلوب المظلمة….

عالم الروح فيه غموض، وغموضه يزيده جمالاً وإشراقاً، والنفس تشتاق إليه، وتجد فيه الدفء والسعادة والسكون، ومن أهم خصائصه أنه ينمي في الإنسان القدرة على تحمل الآلام، وكأنه محمول على الأكتاف، فلا يشعر بشيء مما يجري حوله، سواء كانت آلاماً نفسية أو آلاماً بدنية، ويكون أكثر انبساطاً وتفاؤلاً وأملاً، لا يخيفه الموت ولا يخشى الفقر ولا تسيطر عليه المخاوف الوهمية ويتحرر من قبضة التعلق بالدنيا.

وأهم ما يسيطر عليه هو الشعور بالرضا والأنس والاستغراق بما يشغله من مجاهداته وعباداته واهتماماته والزهد فيما يعكر صفو أيامه، ولا شيء يكدر كالطمع والخوف والحقد، فالطمع وصف مذموم لأنه يجعل صاحبه في حركة دائمة بحثاً عن المطامع، فإذا لم يحصل عليها فسد مزاجه وساءت حالته، وإذا حصل عليها انتابه الخوف أن يفقدها وعاش أيامه وهو يقابل الخوف المسيطر عليه، وإذا فقد ما يطمع فيه وما تعلق قلبه به فسرعان ما يسيطر عليه الحقد، ويدفعه للحزن والغضب، ويكدر عليه حياته، فلا يشعر بالسكينة في لحظات أنسه، ولا يستغرق في نومه لأن الكوابيس تلاحقه بملامحها المخيفة، فيستيقظ مرعوباً وجلاً….

عالم الروح فجر يطل من خلف الأفق يبشر بإشراق نور الشمس في يوم جديد، يرى ذلك العالم بالبصيرة ولا يرى بالبصر، من رآه أحبه وتعلق به وذاق حلاوته، ومن أغلقت الأبواب في وجهه فلا يرى منه شيئاً، ومن يراه يحسبه كالسراب، يتراءى ولا وجود له، ليس المهم أن يكون أو لا يكون، وإنما المهم أن من أشرقت أنواره في قلبه تعلق بتلك الأنوار وذاق حلاوتها، ووجد أنسه بها فاطمأنت نفسه وسكنت جوارحه، وهذا المقدار من الشعور كاف للتعلق به..

ليس المهم أن نرى المصباح وإنما المهم أن نرى ضياء ذلك المصباح، فالضياء هو المطلوب والآثار هي المرغوبة، وما تشعر به النفس من سعادة هو الغاية، ولا يعنينا بعد ذلك أن نبحث عن حقيقة الأشياء، فذلك أمر لا تملكه العقول، ولا تقدر عليه، لأنها تدرك ما هو مشاهد بالحواس ولا تدرك ما خلف ذلك من أسرار الكون.

والجمال ليس له معيار محدد، فما يراه الإنسان جميلاً فهو جميل وما يراه قبيحاً فهو قبيح، وما يراه الإنسان نافعاً ومفيداً فهو مطلوب لتحقيق النفع المرجو منه ولو كان وهماً…

والعقل المحمود هو العقل الذي يميز الإنسان به بين الأشياء، لكي يكون الإنسان سعيداً بهذا التمييز، والعقل الذي يشقي صاحبه هو عقل مذموم، لأنه قاد صاحبه إلى الشقاء.

لابد من إعادة قراءة الأشياء، وفي كل قراءة يفهم الإنسان أشياء جديدة عن الحياة، وتتراءى له الأشياء بصورة مغايرة لصورتها الظاهرة، ويتساءل الإنسان عن سر الإنسان والحياة والكون، هل ما اكتشف حتى الآن يكفي للمعرفة، وهل اتضحت الحقيقة أمام الإنسان.

في الطفولة الأولى يرى الإنسان الأشياء وفق معايير محددة ثم تتسع المعرفة، ويكتسب الإنسان معارف جديدة عن تجربته الذاتية، ليست هي المعرفة الأولى على وجه اليقين، وليست نقيضها على وجه التأكيد، وإنما هي معرفة ذات طبيعة نسبية، فما كان بالأمس في دائرة الخطأ لا يعني أنه خطأ، فالألوان ليست هي الأبيض والأسود، فقط، وليست الأحكام هي إما الخطأ أو الصواب، وإما الحق أو الباطل، ولابد من مراعاة النسبية بالنسبة للأشياء ذاتها وبالنسبة للأشخاص بحسب المتغيرات الزمانية والمكانية.

ليست هناك أحكام ثابتة، الحقيقة كامنة في أعماق الذات الإنسانية، ولابد من البحث عنها، ولكل فرد حقيقة خاصة به، حقيقة نسبية، هي بالنسبة له حقيقة وقد لا تكون كذلك بالنسبة للآخرين.

ولذلك لابد من التزام الأدب في كل شيء، الأدب في تعامل الإنسان مع ذاته والأدب مع الجمادات والأدب مع النباتات، كل شيء يمثل الكمال ولا شيء من ذلك خلق عبثاً، والإنسان هو جزء من الكون وليس هو الكون كله، هو مستخلف لأجل عمارة الأرض، كل مخلوق مسخر لما خلق له ومستخلف على المهمة التي سخر لها.

أثناء صحبتي للشيخ كنت أملأ خزانتي العقلية بكل ما أسمع، كنت أجد الشيخ كالبحر المحيط في سعة رؤيته، مفاهيمه للأشياء كانت مختلفة كلياً عن المألوف من أمثاله، رأيت سعة في الفهم لم أجدها في معاصريه، رأيت أفقاً يتسع لكل فكر ولكل ثقافة.

هناك سلوكيات واختيارات التزم بها كمنهج يعبر عن الكمال الذي أحبه وارتضاه لنفسه وفي الوقت ذاته كان يحترم خصوصيات الآخرين في اختيارهم لمنهج كمالهم.

كان يعنيه الباطن ولا يعنيه الظاهر، وكان يقول: [كونوا كيف شئتم في ظاهركم، والمهم هو ما انطوت عليه القلوب، وهذه الكلمة بحد ذاتها تلخص منهجه الشمولي في بحثه عن حقيقة الأشياء..].

أشياء كثيرة، أقوال وسلوكيات ومواقف كنت أفهمها في سن الطفولة بطريقة ضيقة، وربما فهمها الكثيرون بهذه الدلالة، وبنوا عليها نتائج خاطئة، وعندما اتسعت زاوية الرؤية قرأتها بطريقة مغايرة وفهمتها في إطار النظرة الشمولية الواسعة.

لم يكن يهتم بالسلوكيات الظاهرة التي يمكن لأي فرد أن يحسن أداءها، وقد يؤديها رغبـة في مراعاة الناس وطمعاً في حسن السمعة، وإنما كان يهتم بما وراء ذلك من مراعاة الأدب في الأداء والإخلاص في العمل والصدق في النية.

والنص ليس في ذاته وإنما فيما يقرأ، فقد يقرأ بطريقة حرفية ضيقة وقد يقرأ بطريقة شمولية واسعة، والمشكلة ليست في النص وإنما في كيفية قراءته، والقارىء متعدد ومتجدد ومتنوع، ويفهم القاررر من النص ما يريد فهمه مما يوافق استعداده الذاتي، ولذلك لابد من الانتقال من النص إلى قارىء النص، والمشكلة تكمن فيه، فهو أداة الفهم وهو النص الناطق والجمود لا يكون في النص، وإنما يكون في قراءة النص، وهو الإنسان، والضيق لا يكون في النص وإنما يكون في التفسير، وإذا نظرنا في نص فعلينا أن نفتح الأبواب والنوافذ لكي يدخل الهواء النقي إلى الغرفة، فالمكان المظلم المكتئب لا تقرأ النصوص فيه بوضوح، لأن الظلام يلقى على النص شحوبه فلا تبين حروفه.

كل شيء يمكن أن يكون واسعاً وضيقاً وكل فكر يمكن أن يكون منفتحاً ومنغلقاً وكل ثقافة يمكن أن تكون أنانية وإنسانية، والعبرة في الإنسان فهو ثمرة المكان والزمان، وهو أداة الفهم والاستنتاج، ولابد من العناية بالإنسان وتعهده بالفهم العميق وتزويده بأدوات الرؤية، لكي ينظر إلى بعيد، من خلال نافذة إنسانية يرى فيها الكون بشموليته واتساعه، فالأرض بكل ما فيها لا تتجاوز حجم القرية الصغيرة بأحيائها المتناثرة على أرضها.

بداية التأمل:

لاحظ الشيخ أن الطفل الصغير لم يعد كما كان، بعد سن السادسة عشرة بدأت ملامح شخصية جديدة، ليست هي الأولى، وليست غيرها، هي امتداد للمرحلة الأولى بخصوصيات ذاتية، بدأ الاختيار والتمييز، حوار داخلي مع الذات، حوار يتجدد في كل صباح، تساؤلات ملحة وبحث عن الذات، أين موقعها في هذه المسيرة…. ؟!

الحوار مع الذات بدأ يتفاعل، ويؤتي ثمراته في سلوكيات متميزة، إنها رغبة في معرفة كل شيء، محاولة للاستكشاف ومعرفة الآخر، الآخر هو جزء من الواقع، وهو حقيقة لا مجال لإنكارها…

واتجه اهتمامي إلى القراءة، لأجل المعرفة، قراءة كل شيء وكل الآراء وكل الفلسفات وكل النظريات، ذلك هو الآخر الفكري وأصبحت من رواد دار الكتب الوطنية بحلب من الصباح إلى المساء، وقراءة كل شيء بنهم عجيب، في مجال الفكر والثقافة والأدب والرواية وأصبحت صديقاً لمفكرين كبار ولأدباء لامعين، عرفتهم من خلال كتبهم وآثارهم، وأحببتهم وأعجبت بما يكتبون.

اكتشفت عالماً جديداً من المعرفة، متعة عقلية ومعرفة بفنون المعرفة وآفاقها، رأيت الفضاء الفسيح بامتداده اللانهائي، عبر الكون رأيت ضوءاً خافتاً خلف الجدران، ولابد من اكتشافه والاستنارة بنوره..

كان الشيخ يتابع كل ذلك باهتمام، ويوصيني أن أحسن اختيار ما أقرأ في المرحلة الأولى، حيث تكون القابليات قوية للاستفادة وادخار المعلومات، فالنفس في بداية انطلاقها قد لا تحسن الاختيار إلا إذا كان تكوينها قوياً وراسخاً.

في هذه المرحلة التي امتدت لفترة سنتين كان البحث عن الذات واضحاً من خلال تلك الجولة الثقافية في عالم الكتب والمعرفة والثقافة، وأصبحت أكثر قدرة على فهم آراء الشيخ ومتابعة أحاديثه ومذاكراته، اكتشفت البعد الإنساني في هذه الأفكار..

أسلوب التلقي لم يعد كما كان، أصبح التلقي أداة للفهم، واكتشفت أن عالم المعرفة واحد لا يتجزأ، وأن المعرفة لا تقود إلى ضلال أبداً فالضلال هو نتاج الجهل بالمعرفة، ضلال المعرفة لا يخرج عن إطار التدافع للبحث عن الحق والصواب، أما ضلال الجهل فهو ضلال مظلم، وهو كالكهف المهجور الذي لا يدخله النور أبداً…

تذكرت كلام الشيخ وهو يقول لي: العلم كله محمود والمعرفة كلها نور، فما يذم العلم لذاته ولا تذم المعرفة لذاتها، وإنما يذم الاستخدام السيء للعلم بما لا يفيد الإنسان أو بما يضره، فالذم يرتبط بالإنسان والإنسان الكامل يرتقي بمستوى فهمه لدور العلم في تكريس قيم الخير في المجتمع، والمعرفة هي التي تعطي للفضائل السلوكية أبعادها الإنسانية لكي تكون في مستوى وعي الإنسان.

ولأول مرة بدأت أتأمل سلوكيات البشر كما هي، فأرى فيها الجميل والقبيح، وأميز فيها بين الحسن وغير الحسن، واكتشفت أن الظاهر ليس هو الباطن، وما يتراءى للناس من أنواع السلوك ليس هو الحقيقة، وأن الدين له ظاهر مرئي وله باطن يدرك بالبصيرة، وغاية الدين هو إصلاح الحياة والارتقاء بمستوى وعي الإنسان وسلوكه.

واكتشفت أن الشيخ على حق في توجيه اهتمامه إلى الأمراض الاجتماعية المتفشية في المجتمعات الإسلامية الملتزمة بأداء الفرائض الدينية، وأهم هذه الأمراض الاكتفاء بالظاهر وإغفال الثمرة المرجوة، والتي تحض على المحبة والألفة والإيثار والصدق والإخلاص. والابتعاد عن الأحقاد والأطماع والحسد والعجب والاستكبار، فالعبادات في الإسلام هي فرائض عينية وهي في الوقت ذاته وسائل تربوية لتهذيب النفوس وتزكيتها والارتقاء بمستوى سلوكها، لكي يكون الخير هو ثمرة الدين في المجتمع والعمل الصالح هو أداة التمييز والتفاضل بين الإنسان والإنسان، وبين الشعوب والحضارات والثقافات….

ما سمعته من الشيخ كان يمثل الركيزة الأساسية بالنسبة لي، كل فكرة جديدة كنت أنظر إليها عبر التراث التربوي الذي ترسخ في كياني، وكلما تفتحت لي فكرة جديدة أو لاحت لي من بعيد بارقة غير معهودة نظرت إليها من خلال القيم التي ترسخت في ذهني، كنت مشدوداً إلى ذلك الموروث الروحي وكأنه يمسك بي بقبضته ويعيدني إليه، كنت أسافر في رحلات بعيدة عبر تلك الفضاءات الثقافية وسرعان ما يشدني الحنين إلى وطني الأول حيث ولدت وعشت طفولتي الدافئة.

لا أدري هل كان ذلك شيئاً حتمياً بالنسبة لي أم إنني اخترت ذلك المسلك بمحض إرادتي، لأنني أحببته ووجدت فيه ذاتي، رحلاتي لم تنسني ذلك الحي الدافىء الذي أمضيت فيه طفولتي، ذلك الصخب والضجيج الذي رافق حياتي الجديدة كان ممتعاً إلا أنني كنت أشتاق في أحيان كثيرة إلى ذلك السكون الروحي، هو شوق إلى شيء ما لا أدري حقيقته.

عندما غادرت مدينة حلب في رحلتي الدراسية إلى دمشق والقاهرة كان الأمل يدفعني إلى اقتحام ذلك المجهول، وبدأ التدافع والتغالب بين إرادتين إرادة البقاء وإرادة الرحيل، وفي الحقيقة كانت الإرادة واحدة هي الرحيل في مواجهة الدفء الروحي والسكن النفسي، إرادة الرحيل كانت هي الأقوى، لأن الطموح لم يكن لأجل العلم ولا لأجل الشهادة ولا لأجل الشهرة والجاه وإنما هو طموح إلى الكمال ولا حدود للكمال. فالتعلق بالكمال يدفع صاحبه إلى المجهول حيث كان، لأنه يرى في ذلك المجهول بحثاً عن الذات وهي رحلة شاقة إلا أن النفس تستعذبها وتميل إليها وتنساق وراءها.

في دمشق عالم جديد، وفضاء فسيح، كنت أحاول أن أجد ذاتي في تلك الفضاءات العلمية الواسعة، أحببت العلم وتعلقت به، وطرقت أبوابه واقتحمت حصونه، أسعدني ذلك لأنني وجدت ذاتي من خلال الانصراف إلى العلم، كنت أنهل من ذلك البحر الواسع وكأنني في حالة نهم مرضي..

لم يتوقف حنيني إلى أمسي القريب في مجالس الشيخ الروحية، وبحثت عن ذاتي الأولى من خلال بحثي عن مظان هذه المجالس في البلدان التي أقمت فيها، ورأيت الجديد في أشكال مختلفة، رأيت طقوساً منقولة ومكررة، واكتشفت أن عالم الروحيات هم العالم الأكثر غموضاً والأقل استقامة، والصادقون فيه قلائل، والمخلصون فيه نوادر، كلهم يدعون وصلاً بليلى، طمعاً في دنيا يصيبونها أو جاهٍ يلتمسونه عند عوام الناس، والجهل فيه فاش بين الأتباع والطمع فيه ظاهر بين أدعياء الولاية، والاستقامة فيه قليلة…

رأيت مخلصين صادقين هم مظان الصلاح والولاية، إلا أن ظاهرهم لا ينبىء عن حقيقتهم، تراهم وتعجب باستقامتهم ودينهم، إيمانهم عميق وعبادتهم صادقة، ليسوا بأهل دعوة وطريقة، قلوبهم معلقة بالله، إذا رأيتهم رأيت إشراقة النور في وجوههم، هؤلاء ممن يرجى دعاؤهم يعملون الخير لأنهم لا يحسنون غيره.

ومن المؤسف أن تختلف الأمور وأن يدعي الجهلة انتماءهم للتصوف، ومعرفتهم بأسراره وأحواله، ويتكلمون بما لا يفهم من الأفكار والأحوال، فيغتر العامة بما يسمعون، طمعاً في رزق يبشرون به، وجاه يبحثون عنه ويرجون أن يسمعوا من أخبار الغيب ما ترتاح إليه نفوسهم، وهذا دليل على الجهل بالإسلام، وليست هناك آفة تقود المجتمع إلى التخلف مثل الجهل بأمور الدين.

كنت في مثل هذه المواقف استحضر شخصية الشيخ، وأقارن ما أسمعه بما كنت أراه قبلاً من حياة الشيخ وصدقه في كلامه فتعود لي الثقة بأصالة هذا النهج، ولولا ما كنت أعلمه وأراه واشاهده لأنكرت حقيقة هذا الأمر وحذرت من خطره، بسبب ما أصاب هذا المنهج الصوفي من تشويه وتضليل على يد من ادعوا المشيخة الصوفية وهم عنها مبعدون بسبب تعلقهم بمطامعها الدنيوية، واستغلالهم جهل العامة للتحكم في عقولهم…

ابتعدت كلياً عن هذا الطريق الذي اكتشفت الجديد من أمره، لم أنكره لأنني نشأت في رحابه النظيفة وآفاقه الأخلاقية وقيمه الأصيلة، ولم أقبل صورته القاتمة كما بدت لي من خلال ما رأيته، وأقبلت على العلم لعلي أجد فيه الصورة المثلى النقية الصادقة، ولا يمكن للعلم إلا أن يكون مضيئاً للعقول….

طريق العلم… وتساؤلات الآخر:

أحببت العلم بكل عواطفي، وشغلت نفسي به، رأيت فيه الصباح الذي يبشر بالحياة، فالعلم خير كله، لأنه أداة المعرفة، ولم أفرق بين علم وعلم، ولم أميز بين علوم شرعية أو قانونية أو أدبية، فالمعرفة واحدة، وكلها تفتح آفاق الرؤية أمام العقول، وتعلقت بالعلوم التأملية والاستدلالية التي تعتمد البراهين والأدلة والمرتبطة بالأحكام الواقعية، وليس في مجال العلوم الكلامية، ذلك منهج جدلي لا يفيد في مجال العقيدة، ولا يؤدي إلى مزيد إيمان، لأن أصحابه لا يريدون به ترسيخ العقائد وإنما يريدون به تأكيد براعتهم في الجدل لكسب المكانة في عيون الخلق والتفوق على الآخرين.

في كل خطوة من خطواتي العلمية التي استمرت لمدة طويلة كنت أشعر بذلك الاخر الذي يسير معي ويرافقني، ويراقبني ويحاورني في كل خطوة، كان ذلك الآخر هو ذلك الموروث القديم الكامن في كياني، إنه الصديق الذي كان يلازمني ولا ينفك عني، كان معي في كل خطوة، أهرب منه فينتصب أمامي فجأة، أخاصمه حيناً فلا يخاصمني، أراه في كل زاوية أمشي فيها، في دروبي وطرقاتي، في صحوي ونومي، في لحظات الصفاء وفي لحظات الكدر، أحياناً أضيق به فلا يفارقني، في لحظات ضعفي ألجأ إليه راضياً وبإرادتي واختياري فيريحني بكلماته الحانية ويمسح دموعي في لحظات حزني وألمي، وفي لحظات قوتي يقف في دروبي يراقبني ويهمس في أذني، لا أدري لماذا أحببته بالرغم من كل قسوته علي، ولا أدري لماذا أحبني، من المؤكد أنه أحبني أكثر مما أحببته، كان وفياً لي، لم يتخل عني قط عندما أحتاج إليه، وربما كنت في أعماقي أحبه كما يحبني، عندما يكون بجانبي كنت أشعر بالسكون والطمأنينة ويمنحني القوة الذاتية في مواجهة الواقع، كان يحاورني بهدوء ويريحني.

وذلك الآخر لا أعرف من هو، هل هو شيء مني أم هو خارج عني، هل هو أنا أم غيره، هل ما أراه هو صورتي كما أراها في المرآة، هل هو ذلك الموروث من القيم والمفاهيم، هل هو ضميري الذي رافقني منذ طفولتي ولم يغادرني.

في كل خطوة كان ذلك الآخر في حياتي وفي كياني، لم يتوقف الحوار بيني وبينه قط، كان حواراً دائماً ومتصلاً، وكان دائماً هو الأقوى في حججه وأدلته، كان يغيب أحياناً فاحسب أنه ذهب ولن يعود، فاشتاق إليه وآنس به، وفجأة ينتصب أمامي بملامحه المعهودة لم يكن متجهماً أو عابساً، كان دائم التفاؤل والابتسام، لم يضيّق عليّ الخناق في حياتي وإنما كان يوقظني إذا غفوت، ويشد من عزيمتي إذا ضعفت، وأروع ما فيه أن له فلسفة خاصة به، ولغة متفردة ذات دلالات غير معهودة، كنت أفهمها جيداً عنه، كان يفسر لي الأمور بطريقة غير مألوفة ولا مفهومة، ومع ذلك كنت أفهم لغته وكانت تريحني وتمدني بالقدرة على مواجهة الأزمات العارضة ولو كانت قاسية، وكنت في أشد المواقف صعوبة أجده إلى جانبي مسانداً ومعاضداً بابتسامته المعهودة فيمنحني القدرة على التفاؤل… لغته متفردة في تفسير الأحداث والوقائع، وكأن كل شيء معدّ بدقة وإحكام، فكل ما يصادفني من خير أو شر فهو وليد حكمة، والعقبات والأزمات هي ابتلاءات مكتوبة غايتها الترقي من حال إلى حال، والذنوب أفعال مستقبحة لكي تعيد أصحابها إلى ربهم بالذل والانكسار، والأبواب إذا أقفلت فما أقفلت إلا لحكمة مرجوة، ولكي تفتح على رحاب أوسع مكاناً وأكثر جمالاً، والشعور بالغربة والوحشة بعد النكسات هو عناية لكي تشعر بالأنس بالله، والفرحة بالعطاء غفلة واستدراج إلا إذا رأيت النعمة من المنعم رعاية لك، والتعلق بالأشياء طريق للشقاء وهو دليل الغفلة، والدنيا لمن أعرض عنها بقلبه، ولا يمكن الزهد في شيء إلا إذا وقع التعلق بما هو أدوم وأبقى، والدنيا مذلة لمحبّيها ما لم يعرضوا عنها بقلوبهم لا بأبدانهم.

كانت هذه اللغة غير مفهومة لدى الآخرين، وكنت أرتاح لهذه المعاني، وأجد فيها ذاتي، وكان صاحبي الذي يلازمني يمدني بهذه التلميحات، في لحظات معينة كنت أرفضها وسرعان ما أركن إليها، لأجل نفسي لا لأجل الآخر، وكنت كلما اكتسبت جديداً في مجال العلم والمعرفة ترسخت هذه المعاني في كياني وتأكدت في أعماقي…

شكوت إلى الشيخ يوماً من أمر ذلك الطيف الذي يلازمني في كل أسفاري ورحلاتي واهتماماتي فابتسم طويلاً وكأنه يعرف أمره، لم يسألني عنه، ولم يستفسر عن أحواله، أجابني بكلمة قصيرة، ذلك هو حبك لي، تلك هي الرابطة بيني وبينك حيثما كنت.

أسعدني هذا الجواب… شعرت كأن المسافة بيني وبين الشيخ قصيرة، بل ليست هناك مسافة، لا زمان ولا مكان، «فالأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف».

الزمان والمكان وهم وحجاب، فإذا انتفت الحجب فلا زمان ولا مكان، فما استودع في الطفولة في القلوب والعقول قلما يزول، كحبات الزروع والزهور التي ترمى في الأرض، لا تموت، عندما يحين موعد نمائها تتحرك داخل التربة، تدافع التراب، وتخترق كل الحجب التي تغطيها، وتبحث عن الحياة.

لم يكن ذلك الآخر بالنسبة لي وهماً أو خيالاً أو حلماً، كان حقيقة، كان الحوار دائماً بيني وبين ذلك الآخر في أعماقي، كل فعل من أفعالي.. كل خطوة من خطواتي يسبقها حوار داخلي، فما يظهر في العلن هو ثمرة لذلك المكنون في الباطن، محاكمة مستمرة لا تتوقف، كل أنواع السلوكيات والمواقف يسبقها حوار داخلي مع الذات، والذات الخفية بمقوماتها وبالمخبوء فيها وبالمستودع في خزائنها هي الآخر بالنسبة للذات الظاهرة التي لا تملك حرية الاختيار فيما تختاره من سلوكها، هي مدفوعة إلى ذلك بقوة داخلية فإن كان الآخر حسناً وجميلاً ونظيفاً كان الظاهر مرآة له، وإن كان مملوءاً بالعفونات الفاسدة والمتخيلات السيئة كان الظاهر كذلك..

عندما أخذت مكاني في مقاعد التدريس في الجامعة وأخذت أنصت لأعلام الفكر وهم يتحدثون عن القضايا العلمية في علوم الشريعة وعلوم القانون والعلوم الإنسانية، كنت أحاور نفسي في لحظات التأمل عن معنى العلم، وعن دور العلم في مقاومة الجهل. كنت أكره الجهل وأجده المرض الذي لا ينفع معه أي علاج، فلا شيء كالجهل ينحدر بمستوى الإنسان ولابد من التصدي للجهل بكل الأسلحة الممكنة.

ولكن ما هو المراد بالجهل؟ وما هو العلم الذي يقاوم الجهل؟

العلم هو معرفة الشيء على ما هو عليه في حقيقته، وهم أعم وأشمل من مفهوم العلم المقرر في المناهج الدراسية، ولابد في العلم من ظهور ثمرته وهي المعرفة بالأشياء، فإذا أظهر العلم ثمرته فهذا هو هدفه المرجو منه، وإذا لم يؤد هذه الثمرة فلا رجاء في هذا العلم.

تذكرت كلمة الشيخ وهو يقول لي: أول ثمرات العلم أن يثمر في ذات الإنسان، وأن يزهر في كيانه معاني الخير والفضيلة، فإذا لم يثمر في ذات الإنسان فلا خير في هذا العلم، وغاية العلم العمل فإذا لم يثمر العلم العمل فهو جهد ضائع…

ودفعني الفضول إلى التأمل والتتبع أبحث عن الثمرة المرجوة في ذات العالم والمتعلم فلم أجد الثمرة، كانت الأشجار جرداء صفراء، أغصانها عالية وأوراقها شاحبة، وجدت مؤسسات للعلم ولم أجد قدسيات العلم، وجدت الاهتمام بفروع الأحكام ولم أجد اهتماماً بحقائق الأحكام وما تهدف إليه من الارتقاء بمستوى سلوكية الإنسان، رأيت الجامعات والمعاهد كأنها مؤسسات لتكوين الكفاءات المهنية في مختلف العلوم الشرعية واللغوية والعلوم الإنسانية والمهن العلمية، ولم أجد الجامعات التي تعني بتكوين إنسانية الإنسان وتلقينه بالمعرفة التي تعمق في كيانه حب الكمال والتعلق بالفضائل الإنسانية.

كان الآخر في كياني يرقب ذلك ويوجه اهتمامي إلى ذلك البعد المهجور والمنسي والمتجاوز، كان الكل في سباق متواصل، وكل فرد يبحث عن ليلاه في ذلك الفضاء الواسع، ولم يكن أمامي أي خيار، لابد من مواكبة المسيرة في سيرها، أو الانسحاب منها، لم يكن الانسحاب ممكناً، ولابد من الاندماج في هذا المجتمع، فهذا هو الممكن، ولابد من التماس العذر للناس فيما هم فيه.

وخضت ذلك البحر المحيط أتأمل ملامحه العجيبة، وارى أمواجه المتصارعة، واجد أسماكه القوية تلاحق الأسماك الصغيرة الضعيفة وتبتلعها بشراهة، الأقوياء يحكمون، والضعفاء يقاومون فيلقون حتفهم في أحشاء الكبار، وسرعان ما يتعلمون كيف يستسلمون، لا لكي يدفعوا الموت عنهم ولكن لكي لا يساقوا إلى الموت قهراً وذلاً.

ليس عجباً أن تتجه الجامعات إلى تكوين الكفاءات العلمية في مجالات الحياة المختلفة وإنما العجيب أن ينصب الاهتمام على تكوين المهارات والكفاءات وليس على تكوين الإنسان، فالإنسان هو أداة التقدم والتخلف، فالطبيب الإنسان هو المؤهل لحماية الأرواح والدفاع عن الحياة، والمهندس الإنسان هو الذي يتقن عمله ويعمل بصدق وإخلاص، وعالم الشريعة المتخلق بأدب الإسلام هو الذي يعطي القدوة لطلابه ولمجتمعه، فتكون كلمته صادقة ومؤثرة، ولا شيء يسيء للإسلام كما يسيء إليه علماء الدين عندما يتنافسون على الدنيا ويتزاحمون على أبواب الحكام طلباً للجاه والمنصب والرياسة فيدفعون ثمن ذلك من كرامة العلم ويفرطون فيما أؤتمنوا عليه من كلمة الحق.

والعلم ليس نقيض الجهل بمفهومه المرتبط بالأمية، وإنما هو نقيض كل ما يفعله الجاهلون مما لا يليق بكرامة الإنسان من الطمع والحقد والحسد والكبر والنهم فالجاهل يفرط بكرامته في سبيل ما يطمع فيه، ولا يفعل العالم ذلك ولا يليق به أن يفعل ذلك، لأن ذلك من أفعال الجاهلين.

العلم والأدب:

وعلم الشريعة هو العلم الوحيد الذي لا ينفصل فيه العلم عن الأدب، ولا تتناقض فيه الحقوق مع العدل والفضيلة، وعلماء الشريعة هم رموز للاستقامة والنزاهة، يتميزون عن غيرهم بنقاء الباطن وصفائه، يعملون لله ويخلصون في أداء رسالتهم، إذا ضل المجتمع طريقه كانوا الأمل في هدايته، وإذا فسدت النفوس كانوا رموز الصلاح والإصلاح.

وفوجئت وأنا أتابع دراساتي الجامعية أن دراسة الفقه لا تختلف عن دراسة القانون من حيث الموضوع، وأن الأحكام متقاربة ومتشابهة، والفقيه وهو يعرض مادته العلمية لا تجد فيها روحية الأحكام وتميزها عن غيرها، وهي علم ولا علاقة لها بالعمل، ويدرس الدارس ظاهرها بما تدل عليه الأدلة والبراهين العقلية وينسى ما تتضمنه من أداب وما تريد تحقيقه من غايات، وهذه المنهجية تزود الباحث بالعلم ولا تعلمه أخلاقيات العلم، فالعمل ليس ثمرة للعلم وحده، وإنما هو ثمرة للتربية والتكوين السليم، وهذا هو الخلاف الجوهري بين منهجية السابقين من علماء السلف ومنهجية اللاحقين، منهجية السابقين كانت تثمر العمل الصالح ولذلك ارتبط العلم بالعمل، وكان العالم رمزاً للوطنية والاستقامة والنزاهة، وإذا تحرك تحركت الأمة بحركته، وإذا غضب دفاعاً عن الحق والفضيلة اهتزت الأرض وجلاً من غضبه.

لم يعد الأمر كذلك في مؤسساتنا الدينية، ضعفت رموزها واهتزت مكانتها، وفقدت رصيدها في المجتمع، وأصبح العلماء يبحثون عن دنياهم كما يفعل غيرهم، ويفرحون فيما أوتمنوا عليه من مساندة المستضعفين والدفاع عن الحقوق.

ما تعلمته من الشيخ كان شيئاً مختلفاً، كان يريد تكوين العالم العامل بعلمه، الذي يدافع عن الحق، ذلك هو العالم الذي يستحق لقب العالم، تلك هي الحوارات الداخلية التي كنت أخاطب فيها ذاتي، مجرد حوار، كان هاماً وهادئاً، وسرعان ما هدأت العاصفة في كياني، وصمت ذلك الصوت الداخلي، وتوقف الحوار.

ما زالت تلك البذرة في كياني، لم تمت، ولا يمكن أن تموت، فبذرة الخير إذا زرعت في الأرض الخصبة لا تموت أبداً، أصبحت هذه البذرة هي الآخر بالنسبة لي، الذي يحدثني وينتقدني ويحاسبني فيما بعد، سرت فيما سار فيه غيري ممن كنت أنتقده، لم أتميز عن أسلافي بشيء، اخترت الطريق الذي اختاروه، شغلت نفسي بالعلم وكتبت مؤلفات عدة في الفكر الإسلامي.

كان الآخر يقول لي فيما بعد، ليس هذا هو الطريق، وعندما كنت أقلب صفحات كتبي الأولى أجد ما كتبته لا يختلف عما كتبه غيري، العلم ولا شيء آخر مما لم أجد فيها روحية العلم، بل أجد فيما كتبته تكريساً لواقع قديم وليس تصحيحاً له، فنحن نكتب عن فكر العلماء المسلمين كما صوروه وسجلوه ولا نكتب عن فكر الإسلام كما يجب أن يكون، فكر المسلمين هو مرآة لواقعهم وقد سجلوه كما هو، وفكر الإسلام لم يسجل في حقيقته، وإنما سجلت الأجيال ما أخذته من الإسلام بعد أن صاغوه بلغة حاجاتهم ومتطلباتهم، فكر الإسلام متجدد في كل عصر، كشجرة تعطي ثمرتها في كل عام، والثمرة الجديدة ليست هي الثمرة القديمة، هي شيء جديد في طعمه ومذاقه وشكله.

أخلاقية العلم:

في خريف العمر رأيت ذلك الآخر في كياني يصحو بنشاط ويسيطر على تفكيري ويزاحمني، ويقتحم معاقلي العلمية، ويكاد أن يقتلع حصوني التي بنيتها على امتداد سنوات طويلة، أصبحت أنا الهدف من حركته، أخذ يحاسبني عما قدمت من أعمالي العلمية، ويسألني بإلحاح عما إذا التزمت بما كنت أطالب به غيري.

قلت مرة أمام طلابي في الدراسات العليا في المغرب: «لقد فشلنا في مهمتنا، لقد أعطيناكم العلم ولكننا لم نعطكم أخلاقية العلم». كنت صادقاً في كلمتي، وشعرت أن من واجبنا أن نعيد النظر في مناهجنا العلمية وأساليبنا التربوية، لكي نسهم في تكوين شخصية العالم قبل أن نزوده بسلاح العلم، فالجندي قبل أن ـمل السلاح لابد من استكشاف قوة عضلاته وصلابة أعصابه.

فالعالم الذي يحمل العلم وليس مؤهلاً له يسيء للعلم، لأنه ينحدر بمستواه لكي يكون وسيلة للمعاش، وليس العلم هو الغاية.

وتذكرت كلمة الشيخ وهو يتحدث عن اليقين ويتساءل: كيف يصنع أصحاب العقول إذا اكتشفوا في خريف عمرهم أنهم كانوا على خطأ فيما اختاروه، ولابد من اليقين لكي لا يضيع العمر في البحث عن الحقيقة التي تتوهمها العقول.

ولابد من ذلك الآخر في كياننا، لأنه يوقظنا من الغفلة والنوم العميق، ذلك الآخر قد يقلقنا بإلحاحه ومراقبته إلا أنه المنقذ الذي يمسك بيدنا عندما نخوض الأنهار العميقة ونشعل ضوءه في دروبنا الضيقة والمظلمة.

ليس المهم من يكون ذلك الآخر، قد يكون الضمير الحي الذي أودع في كياننا في أيام الطفولة، ووجد الرحم الدافىء الذي احتضنه ووفر له شروط الحياة والنماء، وقد نطلق عليه اسم الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وهي كامنة وفي أعماق ذاتنا لا تموت أبداً، ولكن يمكن أن تكون شاحبة عليلة بتأثير البيئة الفاسدة والتربية السيئة، ويمكن لهذه الفطرة أن تستقيظ فجأة في لحظة ما في حياة الإنسان.

في لحظة صفاء روحي، تسمع كلمة ناصحة صادقة مخلصة فسرعان ما تدخل إلى الأعماق، فتحرك ما هو كامن من إرادة الخير.

في الطفولة الأولى تكون الفطرة نقية طاهرة نظيفة، ثم تتلون باللون الذي يحيط بها، فقد تصبح قاتمة وكئيبة بتأثير الذنوب التي تألفها، وقد تظل كما هي في لونها الأبيض الصافي، فإذا لم يلامس التشويه جوهرها فسرعان ما تعود إلى صفائها الأول، عندما تسمع صوت المنادي يذكرها بما جبلت عليه من حب الخير.

ويصبح التصحيح هدفاً مرجواً، وتكون النفس مستعدة له مهيأة لرحلة العودة إلى ربها، كما هو الشأن في كل المخلوقات، تنجذب إلى الأصل، كما تنجذب الكواكب إلى الشمس، والتوبة هي الخطوة الأولى في التصحيح، والمراد بها الرجوع إلى الطريق الذي أراده الله، بعد الضلال عنه بتأثير الغرائز والميول الشيطانية، ولا يتحقق هذا الرجوع إلا عندما ينير الله البصيرة فيدرك بها الغافل مواطن الطريق، فيشرح الله صدره لهذا الطريق، فيلتزم به، ويجد لذته فيه، والتوبة ليست كلمة تقال وإنما هي شعور وجداني داخلي يحرك القلب ويدفع الجوارح ويوجد الاستعدادات لما يريده الله من عباده من الأعمال الصالحة..

قبل أن نعلم الآخرين الإسلام علينا أن نتمثله في حياتنا كفكر وسلوك، وقبل أن نلقنه لأطفالنا علينا أن نشعرهم بأنه في قلوبنا وقبل أن نكتب عنه في الكتب والمجلات علينا أن نتخلق به في سلوكنا، ذلك هو طريق البداية، وليس هناك أحد خارج نطاق المسؤولية عما يفعل، فالكل محاسب، وعليه أن يحاسب نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون.

هذا ما كان الشيخ يردده في كل مجالسه، وهذا ما أودعه في قلوبنا، ليس المهم أن نتجمل في ظاهرنا، وإنما المهم أن يكون الباطن نظيفاً، والذين يعملون لأجل الخلق طلباً في جاه ومنزلة في قلوب الناس سرعان ما تمحى كلماتهم من القلوب، فلا تنشرح لها وقد تضيق بها.

في كل موقف كنت أقارن بين ما تربيت عليه وما لُقّنتْه في الطفولة وما أواجهه في كل يوم من وقائع وأحداث، وما أتعلمه في الحياة من دروس، ولاحظت أن الواقع شيء آخر يختلف كلياً عن المثالية المطلقة، ليس فيما هو جديد، وإنما فيما هو قديم، فما نقرأه في كتب التاريخ يؤكد لنا أن الإسلام في حقيقته ليس هو الإسلام في واقعه، فالواقع يخضع لطبائع البشر وسنن الكون وقوانين الحياة، والحياة الإنسانية ليست خارجة عن سلوكيات البشر المعتادة في المعاملات والحروب والتدافع بين الشعوب والتغالب بين الأقوياء والضعفاء.

وعندما كنت أقرأ الفكر الإسلامي كنت أجد أثر الإنسان في توجيه هذا الفكر والتحكم في مساره، لكي يكون واقعياً وممكناً، إلا أن سلطة الإنسان في التوجيه قد تشوه صفاء هذا الفكر، وهي لا تريد التشويه وإنما تريد أن تقربه من الواقع، وأن تقنع المجتمع بواقعيته من خلال التحكم في مساره، وهذا منهج قد يفيد على المدى القصير ويغنيه بالأسرار والاجتهادات، إلا أن ذلك قد يبعده عن ينابيعه الأصلية وقد يجعل ملامحه مختلفة عن ملامحه الإنسانية المتميزة، ولابد من العقل البشري لإغناء الفكر وتفسير نصوصه، إلا أن ذلك يجعل المقود بيد العقل، وتخضع النصوص لما يريده الإنسان مما يلبي له حاجاته التي يراها ضرورية لواقعه.

والتساؤل الذي يطرح نفسه باستمرار، ماذا يريد الإسلام أن يحققه في المجتمع، وكيف يمكن معرفة ذلك المراد..

ومن اليسير أن نقول ما يريده الإسلام هو ما يريده الله، ومراد الله هو ما يجب أن يتجه إليه الإنسان وأن يحب ذلك المراد، فمن أحب الله أحب كل ما يريده الله.

ولكن كيف يمكن للإنسان أن يعرف مراد الله ؟ وإرادة هذه المعرفة هي الإنسان نفسه بقدراته العقلية، وهل يعرف ذلك المراد بعقله أم بقلبه ؟ ولا يمكن للعقل البشري أن يتحرر من طبيعته الغريزية التي تزيّن له الأشياء التي يميل إليها الطبع، والعقول تختلف بحسب مكوناتها الغريزية.

ومراد الله هو ما تطمئن إليه القلوب الصافية الطاهرة التي تتعلق بحب الله، وتؤثر الله على كل شيء، فلا تتعلق بأي شيء يشغلها عن الله، تقبل على الله وتعرض عن كل شيء آخر، ويتمثل مراد الله في تصحيح العقيدة بالإيمان بالله وعدم الشرك به وعدم اتخاذ أرباب من دون الله، وهذا هو معنى التوحيد واستشعار معنى الربوبية في القلب، لكي يتحرر من الخوف والعبودية لغير الله، ثم يكون الركن الثاني، وهو عمل الصالحات التي تنفع الآخرين من خلق الله، فلا يكون في ذلك ظلم ولا تجاوز وهذا يحتاج إلى إصلاح الباطن الذي يهيء الإنسان لعمل الخير أو الشر.

ومهمة العالم أن يعلم الإنسان معايير الخير والشر وضوابط الحق والباطل، لكي يتمكن الإنسان من معرفة ما يجب عليه سلوكه لكي يفعل ما يريده الله…

هذا هو العلم النافع والمفيد، وما عداه لا يفيد الإنسان ويمكن الاستغناء عنه.

التصرف… والاختيار:

كنت أسأل نفسي عن حقيقة التصوف، هل هو شيء محمود أم مذموم، ولا أدري إذا كنت أحبه أو لا أحبه، أنتمي إليه أو لا أنتمي إليه.. أدافع عنه أو انتقده.

لم أكن أنتمي إلى السلفية المتطرفة، كما لم أكن أنتمي للصوفية المتزمتة، كنت أشعر في كياني بحب للقضايا الروحية، وكنت أحياناً استعمل لغة أهل التصوف ومصطلحاتهم، إلا أنني كنت أقف عند خطوط حمراء لا أتجاوزها، لأنني أجدها، منطقة غامضة غير مقنعة، وبخاصة ما تعلق منها بالطقوس الصوفية التي تشوه صفاء القلوب..

كنت أحب صفاء القلوب، ولكن لا أحب تلك المبالغات والشطحات والسلوكيات المنحرفة، أحببت نقاء الصوفية وما أحببت طقوسها التي تحرص على التمسك بها الطرق الصوفية للحفاظ على وجودها…

لم أجد في معظم الطرق ذلك الصفاء الروحي، وإنما وجدت سحباً كثيقة من الحجب التي تشغل القلوب عن التعلق بالله، رأيت الدنيا في هذه الطرق ولم أجد الآخرة، رأيت الظاهر ولم أر الباطن، رأيت القشور ولم أر الحقيقة، ورأيت الغرور والرياء ولم أجد الصدق والإخلاص..

ومن خلال رحلاتي في هذه الدروب رأيت رجالاً صادقين مخلصين لا يعرفهم أحد، ولا يريدون أن يعرفهم أحد، أهل استقامة ونزاهة وورع، يحاسبون أنفسهم في كل صباح ومساء، ويفعلون الخير لأنهم يحبون الخير، قلوبهم معلقة بالله وأبصارهم شاخصة نحو السماء، ليسوا أهل طريقة، ولا يعرفون ذلك العالم الكثيف الذي ينطوي على انحرافات خطيرة في المعتقدات والسلوكيات… وتذكرت كلمة الشيخ وهو يقول: بأن الصادقين يقودك صدقهم إليهم وينشرح صدرك للقائهم، ولا تجد فيهم غروراً ولا إدعاء، تحجبك بشريتهم عن خصوصيتهم، لا ينسبون لأنفسهم شيئاً مما يفعلون بل ولا يجدون أنفسهم فيما يفعلون، قلوبهم شاخصة لله تعالى…

وأدركت أن الصوفية ليست مجرد انتماء والتزام بالطقوس، وإنما هي خُلُق، فمن تميز عليك بخُلُق فقد تميز عليك بالمكانة، وهذا هو الأساس في الصوفية الحقة، صوفية التربية والخلق الحميد، وهذا التزاحم في الطرق على الجاه والسمعة والمكانة هو مناقض لحقيقة التصوف، وكيف تستقيم دعوة التصوف إلى الإعراض عن الدنيا بالإقبال عليها والبحث عن أسبابها..

والصوفية في حقيقتها سمو في الهمة وبحث عن الكمال، وارتقاء بمستوى التعلقات إلى أفق رحب من قيم الخير، وتتميز الشخصية الصوفية بشفافية روحية رائعة لا نجد مثيلاً لها في الشخصيات العلمية المحجوبة بتأملاتها العقلية عن إشراقات القلوب في لحظات أحوالها، وقدم لنا التاريخ لمحات من تاريخ هذه الشخصيات التي أنارت مجتمعها بآثارها الإيجابية، فكانت المثل الأعلى في سلوكها وفي قيمها وفي دفاعها عن القيم الإنسانية.

وتأثرت الصوفية بالواقع الاجتماعي المحيط بها، وبخاصة في فترة التخلف العلمي والثقافي والحضاري، فكانت هي نتاج ذلك الواقع الذي شوه نقاء الصوفية الأولى بسلوكيات خاطئة ومنحرفة، ولابد من تصحيح هذه الصورة بالبحث عن حقيقة التصوف..

إن صوفية السلوك والوجدان والتزكية أعطت خلال التاريخ عطاءها المتميز وأثمرت فكراً أخلاقياً راقياً، أما صوفية الطقوس والمبالغات والشطحات فقد شوهت الصوفية الحقة وأساءت إليها وانحرفت بعض الطرق عن أهدافها الأخلاقية إلى تكوين عصبيات متصارعة ومتنافسة تبحث عن الدنيا وتستغل عوام الناس وعواطفهم باسم الدين..

( الزيارات : 1٬272 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *