العقل والفكر التنويرى

كلمات مضيئة.. العقل والفكر التنويرى

تاملت طويلا فى  بعض المصطلحات العلمية التى تتردد باستمرار فى مجالسنا ومناقشاتنا , واهم هذه المصطلحات  كلمة التنوير وعصر التنوير وفكر التنوير واعلام التنوير , لم اجد تفسيرا واحدا لهذا المعنى , ولكل عصر خصوصياته وافكاره واعلامه , كلمة التنوير كلمة محببة الى النفس ويقابلها عصر الظلام ورموزه من المفكرين , وكل فريق يعتقد انه اولى بالحق والصواب وانه المؤتمن على ما يؤمن به من الافكار , لا احد يعتقد انه على خطا ابدا , فما المعيار الذى يمكننا الاعتماد عليه والثقة به , تاملت فيما هو شائع من تلك التسميات , اتكلم فيما كان من قبل وفيما يمكنه ان يكون اليوم , هناك تصنيف جائر ويفتقد النزاهة والموضوعية فيما يمكن ان يعتمد من تلك التصنيفات , ومن المؤسف ان كلمة التنوير ارتبطت لدى كثير من ادعياء الثقافة والفكر بمعان خاطئة , اهمها الموقف من الدين والتراث والعقل , ودعاة التنوير لدى هؤلاء هم دعاة التحرر من الدين ورموزالتاثر بالثقافة الغربية , وهؤلاء يشيدون بكل من يحاول نقد الدين والتخفف من الالتزام به , ما اقسى هذا المعيار , وهؤلاء يشيدون بكل الاعلام الاسلامية التى اتهمت في حياتها بالزندقة حينا والالحاد حينا اخر , واحيانا ينسبون لهم من الافكار والمواقف ماليس من افكارهم , وما لم يقولوا به او يوجهون ها لما يخدم اهدافهم , ومن ابرزهؤلاء الفيلسوف الاسلامى الكبير ابن رشد , انه فى راي هؤلاء هو رمز التنوير والمدافع عن الفلاسفة فى وجه الامام الغزالى الذى انتقد مناهج الفلاسفة فيما ذهبوا اليه من اعتماد العقل فى فهم القضايا المرتبطة بالالهيات , من المؤكد علميا ان ابن رشد خالف الغزالى فى ارائه , وذهب الى تكفيرهم فى قضايا ثلاث , هي قضية قدم العلم وعلم الله بالكليات دون الجزئيات وقضية البعث بالارواح وليس الاجسام , والغزالى لم يخالف الفلاسفة في قضة الثقة بالعقل , ابن رشد وان اختلف مع الغزالى فقد كان معجبا به وهو الذى لخص كتابه فى الاصول المستصفى اعجابا به , ما كان يجمعهما اكثر بكثير مما كان يفرقهما , وابن رشد فقيه مالكي ملتزم بمناهج الفقه المالكى وهو قاضي القضاة فى قرطبة , وهو الذى كتب عن اهم كتاب عن التوافق بين الدين والحكمة فى كتابه فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال , واكد ابن رشد ان الشريعة من الله عن طريق الوحي وهي حق وهي مستمدة من نور الله وان العقل هو من نور الله ايضا ولهذا لا يمكن ان نفترض التصادم بينهما , وان التناقض الظاهر يمكن التغلب عليه عن طريق حسن التاويل , والتأويل يحسنه اهل العلم والاختصاص ممن يحسنون الفهم , امام التنويرالفلسفى ابن رشد كان يؤمن بان طريق الشريعة هو النبوة , والنبوة لاتدرك عن طريق العقل وانما تدرك عن طريق الايمان , لا خلاف بين الغزالى وابن رشد فى قضايا الايمان والوحي , من المسلم ان ابن رشد شرح افكار ارسطو وتاثر بها وهو افضل من شرحها , ولكنه لم يكن ينكر الوحي او يعتبرالعقل بديلا عنه , كان الغزالى صاحب منهج عقلانى فى كل القضايا الفلسفية ما عدا الالهيات التى لا يمكن فهمها بالعقل المختص باداته , وهي الحواس المادية , هناك فى الانسان ما يتجاوز حدود الادراك العقلى وهي الروح الانسانية التى تعتبر الصلة التى تربط الحياة المادية بعالم الغيب الذى اختص الله بعلمه ووسيلة العلم به هي الوحي والنبوة , ومما لفت انتباهي ان الغزالى كتب كتابا سماه الجام العوام عن علم الكلام , والمراد بالعوام هم غير اهل الاختصاص فى هذه القضايا الكلامية ولو كانوا علماء , فمن لا يدرك هذا العلم لا يمكنه ان يخوض فيه , لان العوام يغلب عليهم الايمان التقليدى وهذا يكفى لكي يشعرهم باليقين والسكون الروحي , وهذا هو التنوير الحقيقى الذى يقود صاحبه الى السلام الداخلى الذى يشعره بالسعادة , التنوير الحقيقى هو الذى ينتج عن السعادة الداخلية بعيدا عن القلق والخوف من الحياة والنفاق الاجتماعى والتيه الفكرى , معظم الفلاسفة كانوا اصحاب شخصيات قلقة مضطربة متناقضة منعزلة ,  ان التنوير الحقيقى هو الذى يقود صاحبه الى حب الكمال والفضائل لكي يكون انسانا متفائلا ايجابيا متعاونا محبا لكل الاخرين وهذا هو واجب الاخلاق  ان ترقي بالمثل الى محبة الكمال والخير العام  , وتلك اوصاف يحتاجها الانسان لكي يكون اداة بناء الحياة الانسانية , لست مع التقليد واهمال العقل وعدم الثقة به , ولست مع الخاملين والمتواكلين على الغير , ولست مع الذين لا يستخدمون عقولهم فى قضاياهم فتلك قضية تربوية وثقافية , ولا علاقة لها بالواقع الذى نعيشه , كنت انادى دائما ان لكل عصر خصوصياته ويجب ان يكون فكرنا معبرا عن قضايا نا , هذا امر لاخلاف فيه , لا بد الا ان يتجدد فكرنا لكي يواكب عصرنا ويعبر عن رؤيتنا الخاصة , وكل جيل مؤتمن على عصره , ما كان من امرنا فيجب ان نفكر فيه بعقولنا وان نعمل له بجهدنا , نريد التنوير الحقيقي الذى ينهض بنا الى الافضل , الثقة بالعقل منهج عاقل فيما نحن مكلفون به وفى ظل ثوابتنا الاسلامية التى جاءتنا عن طريق الوحي والنبوة , التنوير الحقيقى هو الذى يشعرنا بوجودنا الانسانى واننا مخاطبون ويجب ان نفكر وان نثق بما نفكر فيه والا نفعل الا ما نقتنع به ونراه ملا ئما لنا ..

( الزيارات : 49 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *