حي بن يقظان..

كلمات مضيئة.. قصة حي بن يقظان

من اشهر الروايات فى التراث الاسلامى واكثرها اهمية واعمقها دلالة هي  تلك التى كتبها الفيلسوف الاسلامى الشهير ابن طفيل ابو بكر محمد بن عبد الملك القيسي الاندلسي فى القرن السادس الهجرى , وقد ترجمت تلك الرواية الى معظم اللغات العالمية,  وهي من ابرز ما كتبه ذلك الفيلسوف المبدع  ابن طفيل , وكان عنوانها حي بن يقظان , انها احدى اهم النصوص الادبية واللغوية والفلسفية , وكلنا بحاجة لفهم دلالاتها فى عصرها وفى العصور اللحقة ويؤكد فيها ان العقل الانسانى ولو في جزيرة نائية ومنعزلة يمكنه ان يقود الى الايمان بالله من خلال متابعته لما فى الحياة والطبيعة من اسرار  ..

 حي بن يقظان طفل وليد ولدته امه فى جزيرة يحكمها ملك ظالم , وخافت عليه ان يقتله الملك فوضعته فى صندوق ورمته على اطراف جزيرة نائية ليس فيها اي انسان , التقطته ظبية بعد ان رمته الامواج الى تلك الجزيرة , فسحبته وحنت عليه واخذت ترضعه وتعتنى به , الى ان نما وكبر , كان يعيش كما يعيش الظباء فى تلك الجزيرة , كانت الظبية ترضعه وتربيه  وتحميه من حيوانات تلك الجزيرة الاخرين  , كان يعيش كما يعيش بقية الحيوانات  واخذ يكتشف كل يوم ما يحتاج اليه , ولما اكتشف ان كل الحيوانات لهم شعر يحميهم من البرد اتخذ لنفسه جلدا من جلود تلك الحيوانات وتعلم ان يتخذ لنفسه قرونا يحمى نفسه ممن يعتدى عليه , واخذ يبنى لنفسه كهفا ياوى اليه  , ولما هرمت تلك الظبية التى ربته وقف امامها متاملا ومتسائلا ,واخذ يقلب جسدها فرآه كما هو هو لم ينقص منه اي شيء , فلما ذا ماتت وهي بكامل اعضائها , اكتشف ان هناك امرا اخر ليس هو الاجساد , هناك قوة اخرى ليست هي الاجساد التى تفنى  بالموت  , ذلك هو التساؤل الاول , ولاحظ بعض الظواهر الطبيعية كيف ان الماء يهبط الى الادنى وان بخاره اذا سخن  يصعد الى الاعلى , وكذلك النار والدخان , وبدأ يهتم بنفسه وبنظافته ومظهره وبطعامه واخذ يصطاد وياكل ويختار من ثمرات الارض ما يروق له , ادرك انه ليس كالحيوانات الاخرى , انه يفكر ويختار ويسخر الطبيعة له  , كان يفكر ان كل ذلك لا بد له من صانع وموجد لهذا الطبيعة التى يراها فى الجماد والماء والنبات والحيوان , كان يدرك ان هناك شيئا لا يمكنه ان يعرفه واخذ يبحث عنه , الكون فى نظره هو ماكان يراه , لم يكن يعرف ان هناك انسان , تساؤلات كثيرة كانت فى اعماقه , كان يبحث عن الجواب فيما كان يتامل فيه , كان يدرك بحسه البسيط ان هناك ما يثير اهتمامه , كان يريد ان يعرف ,  تقدم به العمر وظلت تساؤلاته بلا جواب ..كان يشتاق لذلك المجهول الذى لا يعرفه ويشعر باعماقه به ..

وكان فى الجزيرة المجاورة رجل صالح متعبد زاهد اسمه ارسال ,  ضاق بمجتمعه واراد التفرغ  للعبادة والابتعاد عن عالم الناس , وذهب الى تلك الجزيرة النائية لكي يبتعد عن الناس , واخذ يبحث لنفسه عن كوف يقيم فيه , وفجأة وجد امامه رجلا ليس كالرجال , شعر كثيف ويرتدى جلود الحيوانات , هرب منه خائفا , ولما لحق به  ويمسك بيده عصنا يدفع به الاخطار , فهرب منه خائفا , ولما لحق به امسكه , واخذ يمرر يديه على رقبته ويبتسم له الى ان سكن خوفه , واخذ يحدثه ببضع كلمات فلا يفهم شيئا , ولما انس كل واحد منهما بالاخر اعتقد ارسال ان ذلك الرجل هو من الصالحين  الذين انقطعوا عن الناس فى تلك الجزيرة , واخذ يعلمه بعض الكلمات والاسماء الى ان اصبح التواصل بينهما ممكنا , واخذ كل منهما يحدث الاخر عن حياته , واكتشف كل منهما انهما يلتقيان معا فى قضايا كثيرة  , احدهما قاده النقل الى الايمان بالله والثانى قاده عقله الى ذلك الايمان , وان الفطرة يمكنها ان تلهم الانسان وتقوده  الى الحق , واخذ حي بن يقظان يحدث صديقه ارسال عن حياته مع الحيوانات فى تلك الجزيرة , ولما اخذ ارسال يحدث صديقه عن حياة الناس فى تلك الجزيرة الما هولة بالسكان ذهل واستغرب , وتساءل باستغراب عن كثير مما يفعله الناس فى حياتهم  من المغالبات على المال والتنافس علىه , ففى عالم الحيوان لا قيمة للمال , وكل حيوان يأكل ولما يشبع يترك الطعام لغيره , ولا احد ينفرد بمال  او طعام دون الاخرين , هناك فى عالم الحيوان ما هو اكثر دلالة على رقي الحيوان فالحيوانات يتغالبون فيما بينهم ولكنهم لا يتحاربون , والكل ياكل مما فى الطبيعة ولا احد يحمل معه شيئا من ذلك الطعام ويتركه لمن يحتاجه من المستضعفين الذين لا يقدرون على المغالبة , لقد وقف حي بن يقظان حائرا مذهولا وهو يسمع من صديقه ارسال ماذا يفعل الانسان فى تلك الجزيرة الماهولة من اعمال تعبر عن الحقد حينا والطمع حينا اخر , انانية الانسان ورغبته فى الاستئثار بكل شيء لا نجد مثيلا لها فى عالم الحيوان ,

وتساءلت مع نفسي هل يمكن لعالم الحيوان ان يكون اكثر فهما لاخلاقية التعايش والتساكن من الانسان , عندما سمع حي بن يقظان ما يكون بين الناس من الصراعات اختار ان يقضى بقية حياته فى جزيرة الحيوانات التى عاش فيها  لعله ان يجد فيها  الامن والسلام والرحمة اكثر مما يجده فى مجتمع الانسان ..ز

 تاملت فى تلك القصة الخيالية .ز

 ربما نحتاج اليها اليوم اكثر من اي وقت آخر  لكي ندرك من خلالها انه يمكننا ان نفهم  الدين بالفطرة الايمانية اكثر مما نفهمه من الكتب التى يضعها الانسان ويعبر بها عما الفه واعتاد عليه من  الافكار والمفاهيم ..

( الزيارات : 373 )

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *